«رؤية للخطاب الديني المستنير» وزير الأوقاف يدعو لتجديد يقوم على بناء جسور التفاهم والتعارف لا الصدام والإقصاء

«رؤية للخطاب الديني المستنير» وزير الأوقاف يدعو لتجديد يقوم على بناء جسور التفاهم والتعارف لا الصدام والإقصاء

أكد الدكتور أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف، أن الدبلوماسية تمثل فن صناعة العلاقات الناجحة والبناءة، وأن الخطاب الديني المتجدد يستند إلى مد جسور التفاهم والتعارف المتبادل، بعيدًا عن أي شكل من أشكال الصدام أو الإقصاء، محققًا بذلك رسالة الإسلام السامية في الرحمة والتسامح والتعايش السلمي بين الجميع.

وضرب الوزير مثالًا ساطعًا بهذه الرؤية، مستعرضًا مسيرة العالم الأزهري البارز الدكتور علي حسن عبد القادر، الذي وافته المنية عام ١٩٩٢، فبعد تلقيه تعليمه الأصيل في الأزهر الشريف، انطلق مدفوعًا بطموحه إلى آفاق العالمية، فسافر إلى ألمانيا، حيث أتقن لغتها وحصل على درجة علمية رفيعة، ثم اتجه إلى بريطانيا، حيث أتقن اللغة الإنجليزية ونال درجة الدكتوراه المرموقة من جامعة أكسفورد، وقد أقام خلال مسيرته علاقات واسعة ومؤثرة، حتى أصبح صديقًا للملك جورج ملك بريطانيا، واقترح عليه فكرة إنشاء مركز إسلامي، فاستجاب الملك لهذا الاقتراح النبيل وتبرع بقطعة أرض مخصصة لإقامته، مؤكدًا أن هذا النموذج الفريد يجسد المعنى العملي لتجديد الخطاب الديني والانفتاح الواعي على العالم وثقافاته المتنوعة، دون التفريط أو التنازل عن الثوابت والمبادئ الأصيلة.

جاء ذلك خلال المحاضرة الفكرية القيمة التي ألقاها الدكتور الأزهرى بالمركز الأولمبي بالمعادي، في إطار فعاليات برنامج الدبلوماسية الشبابية الطموح، بحضور الدكتور أشرف صبحي، وزير الشباب والرياضة، وعدد من ممثلي الوزارات والنواب، وبمشاركة حيوية وواسعة من الشباب الواعد.

في بداية الندوة، أعرب الدكتور أشرف صبحي، وزير الشباب والرياضة، عن بالغ ترحيبه بحضور الدكتور أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف، مثنيًا على حرصه الشديد على الالتقاء بشباب برنامج الدبلوماسية الشبابية التابع لوزارة الشباب والرياضة.

الرحمة والتعايش في الخطاب الديني

وفي مستهل كلمته، هنّأ وزير الأوقاف الحضور بمناسبة ليلة النصف من شعبان المباركة، مؤكدًا على خصوصيتها العظيمة، حيث ورد في الحديث الشريف أن الله – سبحانه وتعالى – يطلع على عباده فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن، موضحًا أن هذا المعنى العميق يحمل بُعدًا داخليًا عميقًا يتمثل في أهمية الصفح والعفو عمن أساء إلينا، باعتبارها منحة إلهية خاصة، تسهم بشكل فعال في تهذيب النفوس وبناء السلام المجتمعي المستدام.

الدبلوماسية: أداة لتجديد الخطاب الديني

وتناول الوزير مفهوم تجديد الخطاب الديني من زاوية حضارية وإنسانية شاملة، موضحًا أن الدبلوماسية تُعد إحدى أهم أدوات هذا التجديد الفاعل، إذ تعني أن يكون الإنسان سفيرًا وممثلًا لوطنه ودينه وقيمه النبيلة في كل مكان يحل فيه، الأمر الذي يتطلب امتلاك مهارات عالية في التواصل والحوار البناء، وإتقانًا للغات المتعددة، والقدرة الفائقة على فتح مساحات مشتركة للتفاهم مع الآخرين، مؤكدًا أن هذه الصفات الحميدة تمثل أحد أسرار النجاح والتميز المتأصل في الشخصية المصرية عبر تاريخها العريق.

رسالة إلى الشباب: الطموح والهمة العالية

ووجه وزير الأوقاف رسالة ملهمة إلى الشباب، دعاهم فيها إلى التعلق بالقمم الشاهقة، والتحلي بالطموح والهمة العالية، وعدم الاكتفاء بالقليل، مستشهدًا بقول المتنبي الشهير:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ – فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ

فطعمُ الموتِ في أمرٍ حقيرٍ – كطعمِ الموتِ في أمرٍ عظيمِ.

محاور عمل وزارة الأوقاف

وفي ختام المحاضرة الثرية، استمع الوزير باهتمام إلى مداخلات الشباب واستفساراتهم المتنوعة، ومن بينها تساؤلات بخصوص دور وزارة الأوقاف في توعية المقبلين على الزواج، موضحًا أن الوزارة تعمل وفق أربعة محاور رئيسة متكاملة، أولها: مواجهة التطرف الديني وإطفاء نيران الفكر المتطرف، وثانيها: مواجهة التطرف اللاديني وما يشمله من سلوكيات منحرفة عن القيم المجتمعية، وثالثها: بناء الإنسان الواعي باعتباره ثمرة ناضجة للمحورين الأول والثاني، أما المحور الرابع والأخير: فيتمثل في صناعة الحضارة بمعناها الشامل، بما تعنيه من إبراز ما جاء به الشرع الشريف من إبداع يدفع الإنسان قدمًا نحو العمل المتقن، والاختراع المفيد، والبناء الشامل من منطلق الإيمان العميق والفهم الصحيح للقرآن الكريم.

التعامل مع تحديات العولمة والمفاهيم المعاصرة

كما أوضح الوزير كيفية التعامل الرشيد مع نصوص الجهاد في ظل تحديات العولمة الراهنة، مؤكدًا ضرورة الفهم المنضبط لهذه النصوص ضمن سياقاتها الصحيحة المتكاملة، وتطرق كذلك إلى مفهوم العلمانية، موضحًا أنها مرت بأطوار متعددة ومعقدة، شملت أبعادًا فلسفية وأخرى عقدية مختلفة، تستلزم وعيًا علميًا ومنهجيًا دقيقًا في تناولها وتحليلها.

تفاعل شبابي يعزز الوعي الحضاري

وشهدت المحاضرة تفاعلًا كبيرًا وحماسيًا من جانب الشباب، الأمر الذي يعكس حرص الدولة المصرية على دعم الوعي الفكري لديهم، وترسيخ مفاهيم التجديد والانفتاح الرشيد، وتعزيز دور الشباب الحيوي في تقديم صورة حضارية مشرقة للإسلام ومصر على الساحة الدولية.