
يُشكل موسم دراما رمضان 2026 علامة فارقة في تنوع المحتوى الذي تقدمه الشركة المتحدة، خصوصًا على صعيد المسلسلات ذات الحلقات الخمس عشرة، هذا التنوع يلبي مختلف الأذواق والأعمار، ولكنه يتميز أيضًا بظاهرة بارزة، وهي معالجته للعديد من الموضوعات والقضايا الحيوية والمعاصرة التي وقعت في التاريخ القريب، سواء على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو الأمني.
أخطر هذه الوقائع التي لا تزال حاضرة بوضوح أمام العالم هي الحرب الإسرائيلية على غزة، والتي أدت إلى سقوط مئات الآلاف من الشهداء، وما يزال عدد الضحايا في ازدياد مستمر كل يوم.
“صحاب الأرض”: نافذة على غزة المحاصرة
ننتظر بشغف مسلسل “صحاب الأرض”، الذي يُعد عينًا للمشاهد يرى من خلالها تفاصيل الحياة اليومية لسكان هذه المنطقة المدمرة، تلك التفاصيل التي لا تُنقل في نشرات الأخبار ولا تُذكر في الصحف والمواقع، مثل كيفية استيقاظهم، وكيف يحصلون على الطعام، وكيف يهرعون للاختباء عند سماع أصوات القاذفات، وكيف يفقدون أبناءهم بين أيديهم.
من خلال شخصيتين تتكامل بينهما قصة الفقد والاحتياج والدعم، بين طبيبة مصرية تذهب ضمن قافلة طبية لإغاثة المصابين في غزة، وأب على وشك فقدان ابنه بسبب القصف المتواصل، يختلط الدم العربي في ساحة الحرب دون تمييز، ولا يتبقى سوى أصوات القذائف من الأعلى وأصوات مذيعي نشرات الأخبار على الأرض.
الدراما هنا لا تكتفي بسرد الحدث فحسب، بل تسعى إلى ترسيخه بطريقة تختلف عن سرعة النشرات الإخبارية، فما يُعرض في نشرات الأخبار غالبًا ما يُنسى مع الأخبار الجديدة، لكن العمل الفني يظل حاضرًا كوثيقة بين أيدي الأجيال القادمة.
“رأس الأفعى”: مطاردة إرهابي الإخوان
قضية قومية أخرى يطرحها مسلسل “رأس الأفعى”، وهي عملية القبض على الإرهابي الإخواني محمود عزت، هذه القضية تُعد أيضًا من القضايا المعاصرة لتاريخ المواجهة بين الدولة المصرية وجماعة الإخوان المسلمين بعد عزل مرسي، بغض النظر عن أن هذا النوع من المسلسلات يجذب شريحة واسعة من الجمهور بفضل عنصر الإثارة والتشويق الذي يقدمه، إلا أن القصة بحد ذاتها تحمل ما يكفي من الإثارة حتى لو رُويت شفهيًا.
الواقعة ليست من التاريخ البعيد، بل حدثت منذ سنوات قريبة، وما زلنا جميعًا نتذكر الفوضى التي أثارتها جماعة الإخوان المسلمين وعمليات الاغتيال وفتح الحدود للإرهاب، هذه الأحداث لم تُروَ فقط، بل عشنا تفاصيلها لحظة بلحظة، ولا يزال تأثيرها النفسي مطبوعًا في أذهان المصريين.
“حكاية نرجس”: خلفيات جريمة خطف الرضع
من الموضوعات المعاصرة التي تتناولها دراما رمضان أيضًا مسلسل “حكاية نرجس”، المقتبس عن قضية حقيقية وقعت في الإسكندرية لسيدة ثبت اتهامها بخطف عدد من الأطفال الرضع، وتم القبض عليها بعد عدة سنوات وتقديمها للمحاكمة.
الواقعة لم تكن جديدة، وما زالت تتكرر حتى اليوم بصور متعددة، لكن ما ينتظر من المسلسل هو تقديم سيناريو اجتماعي نفسي أكثر منه مجرد سرد لقضية انتهت بين جدران المحاكم، المسلسل يعرض الدوافع النفسية للجاني والظروف التي قادتها إلى ارتكاب الواقعة، ليس من باب التعاطف معها على الإطلاق، لكن من زاوية درامية أكثر انفتاحًا على الأسباب التي لن يحللها القضاء، لكنها تهم أكثر علماء الاجتماع وصناع الدراما.
“مناعة”: صعود أباطرة المخدرات في التسعينات
من ملفات قضايا تجارة المخدرات في فترة التسعينات، يقدم مسلسل “مناعة” رؤية خيالية لقصة صعود إحدى أكبر تجار المخدرات في منطقة الباطنية، التي اشتهرت بهذه التجارة بشكل علني حتى قامت وزارة الداخلية بتطهير المكان منذ أكثر من عشرين عامًا.
المسلسل يحمل اسم “مناعة” التي اشتهرت بـ “الإمبراطورة” في الباطنية، والتي تم القبض عليها في التسعينات قبل تطهير المنطقة، وكانت إحدى أشهر تجار الحشيش آنذاك، من المستحيل اعتبار العمل سيرة ذاتية عن “مناعة” الحقيقية، لكن يمكن اعتباره عملًا دراميًا عن قضية شخصية إجرامية شهيرة، أو إحدى قصص نجاح وزارة الداخلية في أخطر عملياتها للقضاء على بؤرة من بؤر تجارة المخدرات في مصر.
قضايا حية أخرى على الشاشة الرمضانية
مسلسلات أخرى تُعد موضوعاتها من القضايا الحية، وإن لم تؤخذ عن أسماء أو قصص حقيقية، لكن الموضوع هو الذي يبقى على قيد الحياة أكثر من الأسماء.
- مسلسل “حد أقصى”: يتناول قضية غسيل الأموال عبر بعض التحويلات المشبوهة لأفراد وهميين، يتماس الموضوع مع الحوادث التي وقعت مؤخرًا في عمليات القبض على بعض البلوجرز والتيك توكرز المشهورين المتهمين في قضايا غسيل الأموال، عن طريق المحتوى الذي يقدمونه على صفحاتهم وتواصلهم مع جهات خارجية غير معروفة.
- مسلسل “عرض وطلب”: يعرض ملف التبرع بالأعضاء، ليس من زاوية التشريع القانوني ولا الديني، لكن من زاوية الاحتياج الإنساني، سواء للمريض أو المتبرع، كلاهما لديه أسباب لهذا الفعل، المريض يسعى للنجاة، والمتبرع الذي غالبًا ما يكون من طبقة معدمة يسعى إلى الحصول على المال، سنرى معًا هذا العمل بعد عدة حلقات، هل سيغير وجهة نظر المجتمع الدينية والقانونية تجاه قضية التبرع بالأعضاء، أم سيظل هذا الموضوع يناقش في الظل دون جدوى.
- مسلسل “أب ولكن”: لم تُقدم بعد معالجة درامية كافية تعكس تعقيدات العلاقة بين الأب والأم في قضايا رؤية الأبناء بعد الانفصال، العمل يسعى لإعادة التوازن السردي في قضايا الرؤية من زاوية الأب، وهي زاوية قلما تحظى بالمساحة الكافية دراميًا، أحكام القضاء في قضايا رؤية الأبناء لا تفرق بين الرجل والمرأة، هذه المرة تُسرد القصة من وجهة نظر الزوج الذي يحظى باهتمام درامي واجتماعي أقل من روايات الزوجات.
- مسلسل “اللون الأزرق”: قضية إنسانية جديدة تفتحها السيناريست مريم نعوم في مسلسل “اللون الأزرق”، وهي طريقة التعامل الأبوي والمجتمعي مع الطفل المصاب بالتوحد، وهل المجتمع المصري والعربي مؤهل نفسيًا وثقافيًا للتعامل مع هذه الحالات التي أصبحت منتشرة جدًا في مجتمعنا، السؤال الذي يطرحه المسلسل هل سنجد معًا الإجابة، أم سيتركنا معلقين نبحث معًا عن مخرج إنساني.
يبدو أن موسم دراما رمضان يميل إلى الاقتراب من نبض الواقع لا الهروب منه، مقدمًا قضايا ما زالت حية في الذاكرة الجمعية ولم تتحول بعد إلى تاريخ بعيد، هذا التوجه يمنح الدراما فرصة لتكون شريكة في تشكيل الوعي لا مجرد وسيلة للترفيه فحسب، ويضع على عاتق صناعها مسؤولية الموازنة بين صدق المعالجة وحرارة الحدث، وفقًا لما رصده فريق “أقرأ نيوز 24”.
