
في مزيج من الأمل والألم، تفاعل الكاتب والإعلامي الدكتور سعود كاتب مع واقع الصحافة السعودية الراهن، الذي يشهد تراجعًا لبعض الصحف العريقة كصحيفة المدينة، وفي المقابل، يبث بصيصًا من التفاؤل خبر رعاية وزير الإعلام، الأستاذ سلمان الدوسري، لعدد من اتفاقيات الشراكة الهادفة إلى تطوير المؤسسات الصحفية.
الأمل والألم بشأن واقع الصحافة
عبر حسابه على منصة إكس، سرد الدكتور سعود كاتب مشاهد تعكس التباين في واقع الصحافة، فمن جهة هناك تفاؤل ببريق أمل في تطوير هذا القطاع ومواجهة الهجوم الكاسح لوسائل التواصل الاجتماعي وما تحمله من معلومات وأفكار أشبه بغثاء السيل، ومن جهة أخرى، هناك ألم عميق بسبب تراجع مكانة بعض المؤسسات الإعلامية الرائدة التي كان لها باع طويل ومكانة مرموقة في عالم الصحافة العربية، مثل صحيفة المدينة والحياة وغيرها.
خبر سعيد وآخر محبط
صرح الدكتور سعود كاتب قائلاً: “شاءت الصُدف أن يصلني في وقت واحد خبران، الأول سعيد ويدعو للتفاؤل، والثاني مؤلم ومحبط”.
وأضاف موضحًا: “الخبر السعيد هو رعاية معالي وزير الإعلام، الأستاذ سلمان الدوسري، لتوقيع عدد من اتفاقيات الشراكة ضمن المرحلة الأولى من برنامج تطوير المؤسسات الصحفية، ورغم أن الخبر لم يذكر تحديدًا آلية العلاج التي سيتم القيام بها لإنقاذ ما تبقى من تلك المؤسسات، إلا أن التفاؤل والانتظار مطلوب، وبحول الله تتوالى الأخبار الطيبة تباعًا”.
إزالة مبنى صحيفة المدينة
وتابع الكاتب حديثه عن الخبر المؤلم الذي تزامن تداوله، وهو خبر إزالة مبنى صحيفة المدينة في شارع الصحافة بجدة، هذا المبنى المميز بتصميمه الجميل، وتاريخه وذكرياته التي تعني الكثير للصحافة السعودية، وقد تبادرت لذهنه أسئلة عديدة: “لماذا الإزالة وهل لم تكن هناك حلول بديلة؟ وأين انتهى الحال بصحيفة المدينة ومطابعها؟”.
واسترسل الكاتب بقوله: “بالنسبة لي، يحمل هذا المبنى ذكريات لا تنسى، ففيه كانت أول وظيفة لي في حياتي، وفيه بداية علاقتي وعشقي للإعلام، وفيه تعرفت على مجموعة من أهم وأبرز صناع الإعلام في ذلك الوقت، ولصحيفة المدينة علي فضل كبير لا يمكن أن أنساه، وحبي وارتباطي بها لا زال مستمرًا عبر مئات المقالات على مدى سنين طويلة وحتى اليوم”.
وعن حال صحيفة المدينة، تابع الكاتب بقوله: “كلي أمل ورجاء أن تعود صحيفة المدينة لمكانها الطبيعي في مقدمة الصحف السعودية، وأن تحمل مبادرة وزارة الإعلام حلولًا جذرية وعملية لإنقاذ جميع مؤسساتنا الصحفية والارتقاء بها”.
أرشيف الصحافة
تطرق الكاتب أيضًا إلى مقال كان قد نشره عبر صفحات صحيفة المدينة قبل أشهر بعنوان “أرشيف الصحافة.. ذاكرة وطنية لا تحتمل الضياع”.
وخلال المقال، أبرز الكاتب أهمية وقيمة أرشيف الصحافة كمرآة للمجتمع ووثيقة تسجل لحظاته في مختلف المناسبات والأوقات.
وقال الدكتور سعود كاتب في مقاله: “لا تُقاس قيمة الصحافة بقدرتها على نقل الأخبار، وتحليل الأحداث اليوميَّة فحسب، بل بكونها مرآةً توثِّق ملامح المجتمع في لحظاته المختلفة، وتجسِّد وعيه الجمعي وتحوُّلاته عبر الزمن، ومن هذا المنطلق، فإنَّ الصحف المحليَّة ليست مجرَّد مطبوعات ورقيَّة صدرت في مرحلة معيَّنة، بل هي ذاكرة وطنيَّة ينبغي صون محتواها وحمايته من التلاشي والضياع”.
وأضاف: “الساحة الإعلاميَّة في المملكة شهدت عبر عقود طويلة مضت، تألُّق صحف بارزة، كان لها دور محوري في تشكيل الرأي العام، ورصد التحوُّلات الاجتماعيَّة والثقافيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة وحتى الرياضيَّة، لكن بعض هذه الصحف توقَّفت عن الصدور، وأُغلقت نهائيًّا، لتُطوى معها صفحات غنيَّة من مقالات وتحقيقات وصور وحوارات، كانت تشكِّل معالم حقبة كاملة، ومن أبرز تلك الصحف: الندوة، الشرق، والحياة، والتي لم يمثِّل غيابها واختفاء أرشيفها مجرَّد خسارة إعلاميَّة، بل خسارة معرفيَّة وثقافيَّة وتاريخيَّة”.
وتابع سعود كاتب: “وقد دفعتني هذه المشكلة إلى التنبيه عليها في تغريدة نشرتها مطلع عام 2021، طالبتُ فيها بضرورة تدخُّل الجهات المختصَّة لإنقاذ تلك الكنوز من الضياع، وجاءت الاستجابة سريعةً ومشكورةً من دارة الملك عبدالعزيز، التي أبدت استعدادها لاسترجاع وحفظ أرشيف هذه الصحف، شرط موافقة المؤسسات المالكة لها، غير أنَّ خمس سنوات مضت تقريبًا دون أنْ يرى هذا المشروع النور”.
الأرشيف الوطني الرقمي
وعن أهمية الأرشيف الوطني الرقمي للصحافة، تابع الكاتب بقوله: “من أجل ذلك تبرز الحاجة الملحَّة لتأسيس أرشيف وطني رقمي، يضم كافة الصحف السعودية منذ نشأتها وحتى اليوم، ليكون متاحًا للباحثين والمؤرِّخين والمهتمِّين، وليتحوَّل إلى مصدرٍ ثريٍّ للأجيال القادمة، فوجود مثل هذا الأرشيف ليس ترفًا ثقافيًّا، بل هو ضرورة وطنيَّة لحماية الذاكرة الجمعيَّة من النسيان”.
وعن التجارب الدولية المماثلة في هذا الشأن، قال: “تقدم التجارب الدوليَّة نماذج ملهمة يمكن الاستفادة منها، فالكويت على سبيل المثال بادرت إلى إطلاق موقع رقمي يجمع أرشيف صحفها، يحمل اسم الأرشيف الوطني للصحف الكويتيَّة (ذاكرة الكويت)، ما أتاح للباحثين والإعلاميين الاطِّلاع على محتوى عقود سابقة بيُسر وسهولة، وعلى نطاق أوسع، تمثِّل مكتبة الكونجرس الأمريكيَّة مرجعًا عالميًّا في أرشفة الصحافة، إذ تحتفظ بآلاف النسخ الورقيَّة والرقميَّة، وتتيحها للباحثين ضمن منظومة متكاملة للحفظ والاسترجاع”.
وختم الكاتب بقوله: “إن تأسيس أرشيف وطني للصحافة السعودية، لن يحفظ تاريخ الكلمة المكتوبة وحسب، بل سيوفر منصة معرفية تعزز الدراسات الأكاديمية، وتعمق فهم مسيرة المجتمع السعودي وتطوره، وربما آن الأوان لأن نتعامل مع الصحافة بوصفها تراثًا غير ماديٍّ يستحق الحفظ والرعاية، تمامًا كما نحرص على صون آثارنا ومخطوطاتنا، فكما تبقى معالمنا العمرانيَّة شاهدةً على مسيرة الوطن، يجب أنْ تبقى مقالات الرأي، والتحقيقات، والصور شاهدًا رقميًّا حيًّا على الذاكرة الوطنيَّة، لا أنْ تختفي مع كلِّ قرار فرديٍّ بإغلاق لصحيفة، أو إيقاف لمطبعة”.
