
من إصدارات “آفاق الفن التشكيلي”..
تستعد المكتبة العربية لاستقبال إصدار نوعي يجمع بين الرصد التاريخي والتحليل الجمالي العميق، حيث يأتي كتاب “العروسة في الفن والحياة” للفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى، والصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة “آفاق الفن التشكيلي”، ليكون بمثابة كشف جديد يضيء المساحات الخفية في التراث الشعبي المصري وعلاقتها الجدلية بالفنون البصرية عبر العصور.
مقدمة فلسفية
وفي مقدمة رصينة للعمل، تضعنا الدكتورة إنجي عبد المنعم، مدير تحرير السلسلة، أمام المضمون الفلسفي الذي يطرحه الكتاب، معتبرةً أن “العروسة” تعد كائناً حياً يسكن الذاكرة المصرية منذ فجر التاريخ، حيث يسعى الكتاب لتحليل تلك العلاقة المعقدة بين الرمز والطقس، وكيف طوع الإنسان المصري خامات بيئته البسيطة لتصبح وسيطاً تعبيرياً محملاً بدلالات السحر والبهجة والمقاومة، لتفتح هذه المقدمة نافذة للقارئ لفهم تحول العروسة من أداة طقسية قديمة إلى ملهمة للحداثة التشكيلية المعاصرة.
فلسفة العروسة كرمز ثقافي
ويسترسل الكتاب في استعراض فلسفة العروسة كرمز ثقافي واجتماعي متجذر في الوجدان الجمعي، وهو ما أكدت عليه الدكتورة إنجي عبد المنعم بالإشارة إلى مراحل التدقيق الفنية والتحريرية التي مر بها العمل لضمان خروجه بصورة تليق بالسلسلة المعنية بترسيخ الوعي البصري، مثمنةً في الوقت ذاته الدور الحيوي الذي لعبه الكاتب الحسيني عمران، مدير عام النشر الثقافي بالهيئة العامة لقصور الثقافة، في تذليل العقبات وخروج هذا البحث للنور كجزء من خطة الهيئة لتقديم محتوى معرفي رصين يربط الفن بجوهر الهوية.
رحلة المؤلفة مع العروسة
ومن جانبها، تصف المؤلفة سماء يحيى رحلتها مع الكتاب بأنها محاولة جادة لاسترداد ذاكرة “العروسة” التي تجاوزت حدود كونها لعبة للأطفال لتصبح أيقونة مركزية في الطقوس والموالد والمعتقدات الشعبية، منتقلةً عبر فصول ثرية تبدأ من الجذور الأسطورية لـ “عروسة النيل”، مروراً بالتطور التقني لـ “عروسة المولد”، وصولاً إلى عوالم “خيال الظل” و”الأراجوز” كأشكال مسرحية شعبية شكلت الوجدان الحضاري.
حضور العروسة في الفن التشكيلي المعاصر
ولا يتوقف الكتاب عند حدود التاريخ، بل يخصص فصلاً محورياً لحضور العروسة في الفن التشكيلي المعاصر، وكيف استلهم الفنانون المصريون هذا الرمز في لوحاتهم ومنحوتاتهم للتعبير عن قضايا الهوية والحرية، مما يثري المكتبة العربية بمرجع يدمج ببراعة بين الرؤية التشكيلية والبحث الأنثروبولوجي.
إصدار ذو قيمة فنية
وبذلك يسد الكتاب ثغرة كبيرة في الدراسات التي تتناول الفنون الفطرية وعلاقتها بالفنون النخبوية، مثبتاً من خلال فصوله التي تتنقل بسلاسة بين التاريخ والاجتماع والفن، أن العروسة كانت ولا تزال مرآة عاكسة لتحولات المجتمع المصري، مما يجعل من هذا الإصدار وثيقة فنية هامة للباحثين والمثقفين، وشاهداً على قدرة الإبداع الشعبي على تجديد نفسه وحماية التراث من الاندثار، ليظل العمل نبضاً حياً يربط إبداع الأجداد برؤى الأحفاد تحت مظلة المؤسسة الثقافية العريقة.
