سيول غير مسبوقة تضرب مدينة القصر الكبير المغربية والسلطات تتخذ إجراءات إغلاق المداخل

سيول غير مسبوقة تضرب مدينة القصر الكبير المغربية والسلطات تتخذ إجراءات إغلاق المداخل

تتنفس مدينة القصر الكبير، الواقعة في الشمال الغربي للمغرب، منذ أيام قليلة “تحت الماء”، جراء الفيضانات الناتجة عن ارتفاع منسوب مياه وادي اللوكوس الذي يمر بمحاذاة المنطقة، وذلك بسبب امتلاء سد “واد المخازن” عن آخره، مما أدى إلى سيول استثنائية لم يشهدها الإقليم من قبل.

وعلى الرغم من عدم وقوع خسائر بشرية حتى الآن نتيجة الفيضانات، إلا أن أضراراً جسيمة لحقت بمرافق المدينة ومحلات المواطنين وممتلكات السكان، كما أن هناك مخاوف من تضرر المعالم الأثرية والتاريخية لهذه المدينة العريقة.

وعلاوة على القصر الكبير، تشهد مناطق أخرى في المغرب، مثل العرائش وسيدي قاسم وشفشاون، سيولاً جارفة بسبب التساقطات المطرية الغزيرة التي استمرت لأيام متتالية، بعد سبع مواسم متواصلة من الجفاف التي تعرضت لها البلاد.

قرارات الأزمة

تتوقع السلطات المحلية في مدينة القصر الكبير، على لسان رئيس البلدية والبرلماني، محمد السيمو، أن تكون الأوضاع “أسوأ”، بسبب توقعات الأرصاد الجوية التي تشير إلى هطول أمطار غزيرة وكثيفة غير مسبوقة في الأيام القليلة القادمة، مما قد يؤثر سلباً على أوضاع المدينة وسكانها.

وفي ظل الفيضانات التي اجتاحت المدينة، تكثفت القرارات من أعلى سلطة في البلاد، بالإضافة إلى قرارات وزارة الداخلية والسلطات المحلية، لمواجهة خطر غرق المدينة بالكامل.

وأمر العاهل المغربي الملك محمد السادس، بصفته رئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، وحدات من الجيش بالتدخل الفوري في مدينة القصر الكبير، عبر “تعبئة الموارد البشرية واللوجستية اللازمة”.

كما أعطى الملك تعليماته بنشر وحدات التدخل مع تعزيزها بالمعدات والآليات الضرورية لنقل المتضررين وإيوائهم، وضمان تقديم المساعدة في ظل الظروف الجوية الصعبة.

ومن ضمن “قرارات الأزمة” التي أعلنتها تباعاً “لجنة اليقظة”، تم إجلاء آلاف السكان عن المدينة المنكوبة، إما إلى أحياء بعيدة نسبياً عن مخاطر الفيضانات، أو إلى مدن قريبة تُعتبر آمنة، وتم إيواء السكان الذين تم إخلاؤهم في مراكز الإيواء كمدارس ذات طوابق علوية ودور الطلبة وغيرها.

كما تم تعليق الدراسة في جميع مناطق القصر الكبير لمدة أسبوع كامل قابلة للتمديد، اعتباراً من يوم الإثنين 2 فبراير (شباط)، تبعاً لتغير الظروف الجوية، بينما تم تعليق الدراسة في مناطق أخرى مثل سيدي قاسم والقنيطرة وتطوان لعدة أيام.

هذا وقد قررت “لجنة اليقظة” اتخاذ تدابير وقائية جديدة، أبرزها قطع الطريق الرابطة بين مدينتي العرائش والقصر الكبير، وإغلاق المدخل الجنوبي للمدينة في اتجاه العاصمة الرباط، حيث يشمل المنع حركة الدخول إلى المدينة حتى إشعار آخر.

أضرار جسيمة بالحملة

بينما لم تشهد القصر الكبير خسائر في الأرواح، فإن الفيضانات ألقت بتأثيرات خطيرة على المرافق والبنايات والمنازل والمحلات التجارية التي غرقت تحت وطأة السيول الجارفة، حيث أشار ناشط مدني بالقصر الكبير إلى أن “أكبر خطر قد يؤثر على المنطقة هو احتمال طمر المدينة بسبب سد وادي المخازن الذي بلغ نسبة امتلائه مائة بالمائة، نتيجة هطول الأمطار الغزيرة لعدة أيام”.

استجابة لهذه المخاوف، اتخذت وزارة التجهيز والماء قراراً بتسريع عمليات تفريغ المياه المتزاحمة في سد وادي المخازن كإجراء احترازي لحماية بنية هذه المنشأة المائية الضخمة، ولسلامة السكان من السيول الجارفة.

وعن أبرز الأضرار التي سببتها الفيضانات في المدينة، ذكر المتحدث نفسه أن المياه أفسدت معالم العديد من الأحياء وغمرتها بالأوحال، وخاصة المحلات التجارية في الأحياء القديمة مثل سوق الحنة وسوق الحايك وسوق سبتة، كما تضرر آلاف السكان نتيجة غمر مياه السيول لمنازلهم، مما أدى إلى خسائر كبيرة في الأثاث والممتلكات الشخصية، وضياع الأوراق والوثائق، بالإضافة إلى غرق العديد من السيارات، والإضرار بشبكات الصرف الصحي وتعطل الحياة بشكل عام.

كما فقد المزارعون محاصيل بعض الخضار، خاصة البطاطا، حيث اشتكوا من فقدان محاصيلهم في مناطق مثل العرائش وسيدي بنور.

المآثر في خطر؟

تشتهر مدينة القصر الكبير بكونها مركزاً يضم العديد من المآثر والمباني التاريخية، مثل مسجد سيدي علي بن العربي الخيري المعروف بصومعته السداسية، وهو أحد أقدم المساجد في البلاد، بالإضافة إلى حي القصبة الذي يضم المسجد الأعظم، والأبواب والأسوار التراثية القديمة للمدينة.

وأطلق فاعلون ومهتمون بتاريخ المدينة نداءات من أجل حماية وصيانة المعالم التاريخية أمام السيول والفيضانات التي عمّت المدينة، اعتبرت أنها تراث ثقافي وحضاري لا مادّي تعتز به القصر الكبير.

وفي هذا السياق، أوضح أحمد الطلحي، خبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية، أن تحديد الأضرار المحتملة التي تعرضت لها المدينة ومرافقها التاريخية لا يزال مبكراً، خصوصاً أن الجهود تتركز حالياً على إنقاذ السكان، ولم تُصرف المياه التي غمرت أجزاء واسعة من المدينة، ولا تزال هناك أمطار غزيرة متوقعة قد تزيد الوضع سوءاً.

وذكر الطلحي أن المدينة تتضمن أربع معالم أثرية مُدرجة في عداد التراث الوطني منذ عام 2019، وهي دار بنجلون، وضريح مولاي علي بوغالب، والمسجد الأعظم، وسور الموحدين، بينما هناك معالم أخرى لم تُصنف بعد، أهمها موقع معركة وادي المخازن التي شهدت هزيمة الجيش البرتغالي أمام مقاتلي الدولة السعدية.

مشاهد إنسانية

مثل أي كارثة طبيعية، تبرز مشاهد إنسانية بين الفينة والأخرى، لتخفف من وطأة المعاناة التي يعيشها السكان المتضررون، حيث تجلّت فيضانات القصر الكبير في قيام شباب مغاربة من مدن قريبة وبعيدة بالمشاركة في جهود إنقاذ السكان المحليين، مثل حالة شاب من مدينة القنيطرة الذي استخدم دراجته المائية “جيت سكي” لنقل المتضررين، خاصة من المرضى والنساء وكبار السن.

كما أعلنت عائلات في مدن مجاورة استعدادها لاستقبال وإيواء الأسر المتضررة، حتى تنجلي الأزمة وتعود الحياة إلى طبيعتها، حيث نشرت أرقام هاتفية عبر منصات التواصل الاجتماعي لاستضافة المتضررين من السيول.

شوهد كذلك رجال الإسعاف والوقاية المدنية وهم ينقذون قطة صغيرة عالقة في أغصان شجرة أثناء انشغالهم بإنقاذ البشر، كما ارتفعت النداءات لإنقاذ ورعاية الحيوانات الأليفة التي جرفتها المياه أو حوصرت وسط السيول.