
مدينة الزاوية الليبية (غرب) عاشت ليلة دامية، حيث هزّت أرجاءها أصداء الرصاص والقذائف، وذلك نتيجة اشتباكات عنيفة بين مجموعتين مسلحتين، محسوبتين على حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بقيادة عبد الحميد الدبيبة، وقد أسفرت هذه المواجهات عن سقوط قتلى وجرحى.
أسباب الاشتباكات وتفاصيلها
وقعت هذه الاشتباكات المؤسفة، والتي تُضاف إلى سجل المدينة المثقل بتغول الميليشيات، مساء يوم الخميس واستمرت حتى الساعات الأولى من يوم الجمعة، وقد دارت المعارك بين «الكتيبة 103 مشاة»، المعروفة بـ«كتيبة السلعة» بقيادة عثمان اللهب، وتشكيل آخر يتبع لقوة «الإسناد الأولى – الزاوية»، بقيادة محمد بحرون، الملقب بـ«الفأر».
الذعر بين السكان وإغلاق الطرق
أدى هذا التصادم العنيف بين التشكيلين إلى بث الرعب والهلع في نفوس المواطنين، مما اضطر جهاز الإسعاف والطوارئ إلى إصدار تحذيرات عاجلة للمسافرين عبر الطريق الساحلي – الزاوية، تحديداً من الإشارة الضوئية – أولاد صقر وحتى بوابة الحرشة، ودعاهم إلى البحث عن طرق بديلة، وذلك بعد إغلاق الطريق بسبب التوتر الأمني الشديد.
ضحايا الاشتباكات
مع بداية القصف العشوائي، أعلن جهاز الإسعاف والطوارئ عن إصابة أحد المدنيين الأبرياء، نتيجة سقوط قذيفة بالقرب منه على الطريق الساحلي، ومع ذلك، ومع هدوء الأوضاع نسبياً، أفادت مصادر طبية بمقتل مواطنين اثنين في هذه المواجهات الدامية، بالإضافة إلى إصابة عدد آخر من الأشخاص، لتسجل هذه الأحداث حلقة جديدة ومؤلمة من الصراع المستمر على النفوذ والسيطرة.
تبعّية القوات المتناحرة
تجدر الإشارة إلى أن قوة «الإسناد الأولى» تتبع مديرية أمن مدينة الزاوية، والتي بدورها تتبع وزارة الداخلية في حكومة «الوحدة»، بينما تتبع «كتيبة السلعة» منطقة الساحل الغربي العسكرية.
شهادات من قلب الحدث
عكست متابعات شهود العيان صورة قاتمة عن الصدام المسلح بين الأذرع الأمنية والعسكرية للحكومة، وفي هذا السياق، قال الناشط السياسي منصور الأحرش: «ما إن هطلت الأمطار البارحة في سماء الزاوية، حتى رافقها هطول من الضرب العشوائي بالأسلحة المتوسطة بين تشكيلين مسلحين، أحدهما يتبع وزارة الدفاع، والآخر يتبع وزارة الداخلية؛ ما أدى إلى مقتل مواطنين وإصابة آخرين».
سخرية من الوضع الراهن
عبّر الأحرش عن رفضه واستيائه لما يجري في الزاوية على يد التشكيلات المسلحة، وذكّر بسخرية لاذعة بأن الجبهتين المتقاتلتين «تتقاضيان مرتباتهما من الدولة؛ طبعاً خارج منظومة (راتبك لحظي)، وعلينا ألا ننسى العمل الإضافي أيضاً؛ لأن الاشتباكات وقعت خارج الدوام الرسمي».
منظومة “راتبك لحظي”
يُذكر أن مصرف ليبيا المركزي كان قد أطلق مطلع شهر سبتمبر (أيلول) الماضي منظومة «راتبك لحظي»، والتي تهدف إلى «تسريع وصول المرتبات لمستحقيها، بدلاً من النظام المعمول به لدى وزارة المالية، والذي كان يستغرق عدة أسابيع لصرف الرواتب للموظفين».
تدخل جهاز دعم الاستقرار
تمكّن «جهاز دعم الاستقرار»، التابع للمجلس الرئاسي بقيادة حسن أبو زريبة، من استعادة الهدوء الحذر في الزاوية، وذلك بعد تدخله الحاسم للفصل بين التشكيلين المتناحرين.
تكرار الاشتباكات في الزاوية
إن الصدام المسلح بين الميليشيات ليس بجديد على مدينة الزاوية، حيث سبق أن شهدت المدينة اشتباكات مماثلة بين مجموعات تعتبر من أذرع حكومة «الوحدة»، وذلك إثر محاولة اغتيال قيادي بارز في تشكيل مسلح في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
محاولة اغتيال “تشارلي”
في ذلك الوقت، أُصيب قائد ميليشيا «قوة احتياط الزاوية»، محمد سليمان، الملقب بـ«تشارلي»، ومرافقه عبد الرحمن كارزو، بجروح خطيرة، وذلك بعد استهداف سيارتهما بقذيفة «آر بي جي»، أطلقتها مجموعة مسلحة تابعة لـ«الفأر».
استهداف خزانات النفط في السابق
في حوادث سابقة، امتدت الاشتباكات المسلحة في الزاوية لتطال خزانات النفط الموجودة في محيط مصفاة الزاوية للتكرير، مما أسفر عن مقتل شخص واحد وإصابة ما لا يقل عن 15 آخرين بجروح، وقد اضطرت «المؤسسة الوطنية للنفط» حينها إلى إعلان حالة «القوة القاهرة»، قبل أن تتمكن فرق الإطفاء من إخماد النيران.
جهود أممية لتعزيز الأمن
عشية الاشتباكات الأخيرة التي شهدتها الزاوية، اختتمت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ندوة فنية استمرت لمدة يومين، وذلك بتعاون وثيق مع وزارات الدفاع والداخلية والخارجية، وتناولت الندوة موضوع «تطبيق مدونة قواعد السلوك للوحدات والمؤسسات العسكرية والأمنية والشرطية»، التي أقرّتها السلطات الليبية في وقت سابق من هذا العام.
مخرجات الندوة الأممية
أوضحت البعثة الأممية أن الندوة جمعت «كفاءات رفيعة المستوى» من الوزارات المعنية، ورئاسة الأركان العامة، وأعضاء لجنتي الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، بالإضافة إلى تمثيل فعال للمرأة.
محاور النقاش
تركزت المناقشات، بحسب البعثة، حول كيفية ترجمة مبادئ المدونة إلى ممارسات عملية، وذلك من خلال وضع خطط تدريبية مُعتمدة في جميع المؤسسات الأمنية الليبية، مع التركيز بشكل خاص على الامتثال القانوني، والمساءلة والسلوك الأخلاقي، والمسؤولية الاجتماعية، والاحترافية، باعتبارها عناصر أساسية لتعزيز الانضباط المؤسسي، واستعادة ثقة المواطنين، وتعزيز التماسك والوحدة داخل قطاع الأمن.
خريطة طريق شاملة
اعتمدت الندوة الفنية «خريطة طريق شاملة لتوجيه المرحلة التالية في تعميم مدونة قواعد السلوك»، وتُحدّد هذه الخريطة تدابير عملية لتعزيز وحدة المؤسسات الأمنية ونزاهتها، وترسيخ آليات المساءلة، وضمان الالتزام الكامل بالمبادئ الدستورية، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
دعم أممي مستمر
اعتبر بدر الدين الحارثي، مدير شعبة المؤسسات الأمنية في البعثة الأممية، هذه الخطوة «مهمة نحو ترجمة مدونة قواعد السلوك إلى إجراءات عملية بقيادة وطنية»، وأكد أن البعثة «لا تزال ملتزمة التزاماً كاملاً بدعم السلطات الوطنية في مساعيها لتحقيق هذه الإصلاحات، وغيرها من الإصلاحات الاستراتيجية والتشغيلية الضرورية لبناء قطاع أمني مهني، خاضع للرقابة وضوابط المساءلة».
