
السبت 28 فبراير 2026
(أقرأ نيوز 24/خاص:)
بقلم : القاضي أنيس صالح جمعان
في أحد محلات الملابس بمدينة عدن، يقف أب حائرًا أمام محل لبيع ملابس الأطفال، يحمل في يده 41 ألف ريال يمني، وهي قيمة 100 ريال سعودي صرفها بصعوبة بالغة بعد وقوف طويل في الطوابير، كان يحلم بشراء “كسوة العيد” لابنه الصغير، لكنه صُدم بأن المبلغ الذي كان يكفي العام الماضي لشرائها بالكامل، لا يكاد يغطي اليوم جزءًا منها بعد أن تجاوزت الأسعار أضعاف ما كانت عليه.
هذا المشهد يتكرر يوميًا في عدن، كاشفًا عن مفارقة اقتصادية عجيبة: فقد انخفض سعر 100 ريال سعودي من 78 ألف ريال يمني إلى 41 ألف ريال يمني، مما يعني أن الريال اليمني تحسنت قيمته نظريًا، ورغم ذلك، ازدادت معاناة المواطن، وارتفعت الأسعار بدلاً من أن تنخفض.
المعادلة المعكوسة: تحسن العملة وانهيار المعيشة
تشهد عدن تدهورًا ملموسًا في القوة الشرائية، فبالرغم من تحسن قيمة العملة المحلية ظاهريًا، إلا أن واقع الأسعار يروي قصة مختلفة تمامًا، إليكم مقارنة توضح الفارق الكارثي في تكلفة شراء “كسوة العيد” بين العام الماضي والعام الحالي:
| الصنف | السعر قبل عام (رمضان 2025) بالريال اليمني | السعر اليوم (رمضان 2026) بالريال اليمني | الفارق (زيادة/نقصان) |
|---|---|---|---|
| قيمة 100 ريال سعودي (سعر الصرف) | 78,000 | 41,000 | -37,000 (انخفاض قيمة الصرف) |
| معوز | 40,000 | 54,000 | +14,000 |
| قميص | 12,000 | 16,000 | +4,000 |
| قطرة (كشيدة) | 10,000 | 12,000 | +2,000 |
| مجموع الملابس | 62,000 | 82,000 | +20,000 |
| حذاء (صندل) | 16,000 (من المتبقي) | 28,000 | +12,000 |
| الإجمالي المطلوب لبدلة عيد متكاملة | 78,000 | 110,000 | +32,000 |
تُظهر هذه الأرقام بوضوح أن المواطن يحتاج اليوم إلى 110.000 ريال يمني لشراء ما كان يشتريه قبل عام بـ 78.000 ريال، بمعنى آخر، أصبح يحتاج إلى 268 ريالاً سعوديًا، أي ما يعادل 10,988,000 ريال يمني بسعر الصرف الحالي (268 ريالاً سعوديًا × 41,000 ريال يمني)، ليشتري نفس البضاعة التي كانت تكفيه 100 ريال سعودي فقط في العام الماضي.
باختصار، تراجعت القوة الشرائية للمواطن بأكثر من 60%، فالمواطن الذي كان يكفيه 100 ريال سعودي أصبح يحتاج إلى 268 ريالاً سعوديًا لشراء نفس البضاعة، مما يعني أنه يدفع 168 ريالاً سعوديًا إضافية من جيبه المنهك، وهو ما يفوق قيمة المبلغ الأصلي نفسه.
من المستفيد الحقيقي من هذه اللعبة؟
تشير التحليلات الاقتصادية إلى أن المستفيدين الأساسيين من هذه المفارقة الاقتصادية هم طرفان رئيسيان يتقاسمون الأرباح على حساب المواطن.
كبار الصرافين: مهندسو الأزمة
تكشف تقارير اقتصادية حديثة أن ما يحدث في عدن هو “لعبة مضاربة منظمة” تتم على حساب المواطنين، ففي الفترة الأخيرة، شهد سوق الصرف في عدن تقلبات حادة دفعت المواطنين لبيع عملاتهم الأجنبية بأسعار متدنية، قبل أن يعاود السعر ارتفاعه لاحقًا لصالح المضاربين. يقوم هؤلاء الصرافون بتكتيكات عدة لتحقيق أرباحهم:
- خلق أزمة سيولة مفتعلة: يقوم كبار الصرافين بسحب العملة المحلية (الريال اليمني) من السوق وتخزينها في خزائنهم، هذه الندرة المصطنعة هي التي تخلق أزمة السيولة الحقيقية التي يعاني منها المواطنون يوميًا، ولهذا السبب تجد أن محلات الصرافة ترفض تحويل مبالغ كبيرة، وتحدد سقفًا لا يتجاوز 100-200 ريال سعودي للفرد يوميًا، بحجة “لا يوجد سيولة بالريال اليمني”.
- المضاربة على العملة: هؤلاء الصرافون اشتروا الريال اليمني بأسعار منخفضة جدًا، عندما كان الريال السعودي يعادل 78 ألف ريال يمني والدولار بـ 2800 ريال يمني، واليوم، بعد أن تسببوا في ندرته وارتفاع قيمته، يبيعونه للمواطنين والمستوردين بأسعار مرتفعة، محققين أرباحًا خيالية من فرق السعر.
- التحكم المزدوج: هم من يحددون سعر الصرف صباحًا ومساءً وفق مصالحهم، وهم من يتحكمون بتدفق العملة إلى السوق، بهذه الطريقة، يضمنون أن يكون سعر الشراء (عندما يشتري المواطن الريال السعودي) وسعر البيع (عندما يبيعون الريال اليمني) دائمًا في صالحهم.
كبار المستوردين والتجار: المستفيد الأكبر
وهنا تكمن الإجابة الحقيقية على سؤال: لماذا لم تنخفض الأسعار بينما انخفضت العملة الأجنبية؟
الاحتكار وهشاشة السوق
يعاني السوق اليمني من هيكل شبه احتكاري، حيث يتحكم عدد محدود جدًا من المستوردين بالسلع الأساسية من غذاء وملابس، في غياب المنافسة الحقيقية، لا يوجد ضغط على هؤلاء التجار لخفض الأسعار، فهم يستوردون البضائع اليوم بالريال السعودي الذي انخفض سعره، لكنهم يبيعونها للمواطن بالريال اليمني بأسعار العام الماضي أو أعلى، وقد يتحجج البعض بمخزون سابق، لكن استمرار الغلاء لأشهر يثبت أن الفارق الهائل بين التكلفة وسعر البيع يذهب مباشرة إلى جيوب المحتكرين.
الربح المزدوج
المستورد يربح مرتين، مرة عندما يشتري البضاعة من الخارج بعملة رخيصة (الريال السعودي منخفض السعر)، ومرة عندما يبيعها في السوق المحلية بأسعار مرتفعة لم تنخفض، الفارق الهائل بين التكلفة الحقيقية للبضاعة وسعر بيعها يذهب بالكامل إلى جيبه.
الأرقام تثبت ذلك
- قبل عام: 100 ريال سعودي = بدلة للعيد كاملة.
- اليوم: 268 ريال سعودي = نفس البضاعة.
- الفارق: 168 ريالاً سعوديًا إضافيًا من جيب المواطن إلى جيب التاجر والصراف.
غياب الرقابة
مع ضعف أو انعدام الرقابة الحكومية على الأسواق، يستمر هؤلاء التجار في فرض أسعارهم دون أي مساءلة، لا توجد آليات لحماية المستهلك أو محاسبة المحتكرين.
الخاسر الأكبر: المغترب والعسكري والمواطن العادي
في هذه المعادلة الظالمة، هناك أطراف يدفعون الثمن غاليًا.
المغتربون
المغترب اليمني الذي يعمل في السعودية أو دول الخليج كان يرسل أمواله لعائلته في المحافظات المحررة هو الخاسر الأكبر، قبل عام، كان يحول 500 ريال سعودي فتصبح 390.000 ريال يمني (500 × 780)، تكفي عائلته، اليوم، نفس المبلغ 500 ريال سعودي لا يتجاوز 205.000 ريال يمني (500 × 410)، أي أقل من النصف بمقدار 185.000 ريال يخسرها المغترب، ولكي يحافظ على نفس القوة الشرائية لعائلته، كان عليه أن يحول قبل عام 500 ريال، أما اليوم فيحتاج إلى تحويل 950 ريالاً سعوديًا (950 × 41 = 38.950).
العسكريون والموظفون
من يتقاضى راتبه بالريال اليمني، يجد أن قيمته تحسنت قليلاً على الورق، لكنه لا يستطيع شراء ما كان يشتريه سابقًا، الراتب الذي كان 100 ألف ريال يمني، كان يعادل قبل عام 1.282 ريالاً سعوديًا تقريبًا (1.282 × 78 = 99.996 ريال يمني)، اليوم، نفس الراتب يعادل 2.439 ريالاً سعوديًا (2.439 × 41 = 99.999 ريال يمني)، ولكن لأن الأسعار لم تنخفض بل ارتفعت، فإن قدرتهم الشرائية قد تدهورت بشكل كبير.
من المسؤول؟
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: من المسؤول عن هذه الفوضى الاقتصادية التي تستنزف جيب المواطن في عدن؟
تتوزع المسؤولية على عدة جهات:
- السلطة المحلية في عدن: غائبة تمامًا عن الرقابة الفعلية على الأسواق ومحاسبة المحتكرين، والمطالبة بفرض رقابة صارمة على الأسواق ومحاسبة المحتكرين.
- البنك المركزي في عدن: ورغم حظر تحويل العملات الأجنبية إلى الخارج دون تغييرها أولاً إلى العملة المحلية، إلا أن هذه السياسة لم تنجح في كسر الاحتكار، بل ربما زادت الطلب على الريال اليمني وساعدت في ارتفاع قيمته دون أن يستفيد المواطن، والمطالبة بضبط سوق الصرف وكسر شوكة المضاربين وتوفير السيولة.
- الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي بشكل عام: فشلوا في توفير شبكة أمان اجتماعي تحمي المواطنين من تقلبات السوق وجشع التجار وكسر احتكار كبار المستوردين.
خلاصة: من يربح عندما يخسر المواطن؟
الإجابة المختصرة: تحالف المصالح بين كبار الصرافين وكبار المستوردين هو المستفيد الوحيد.
- الصرافون يربحون من المضاربة على العملة وخلق أزمات السيولة.
- المستوردون يربحون من استيراد البضائع بعملة رخيصة وبيعها بأسعار مرتفعة في سوق محتكر.
- الفارق للتاجر والصراف: أرباح استثنائية لم يدفعوا مقابلها شيئًا.
أما المواطن العادي، والمغترب، والعسكري، فهم الخاسرون الوحيدون في هذه المعادلة، يدفعون ثمن غلاء الأسعار، ويعانون من تآكل مدخراتهم وقوتهم الشرائية، بينما تنتقل أموالهم إلى جيوب فئة قليلة تتحكم بمقدرات السوق.
لقد تحسنت العملة محليًا وانهار المستوى المعيشي فعليًا، فتحالف المصالح بين الصراف والتاجر هو الرابح الوحيد، بينما يدفع المواطن البسيط ثمن هذه الفوضى (الفاتورة) من قوته وقوت أطفاله، إنها مفارقة اقتصادية خطيرة: حين تتحسن الأرقام على الورق، ويتدهور الواقع في الأسواق، رغم أن العملة الأجنبية أصبحت أرخص نظريًا.
يبقى الأمل لتصويب الأخطاء معقودًا على تحرك جاد ومسؤول من قيادة المجلس الرئاسي والحكومة الجديدة لكسر الاحتكار، وإعادة توازن السوق، وفرض رقابة حقيقية على الأسواق، وحماية المواطن من استنزاف قدرته الشرائية وإنقاذه من براثن جشع التجار قبل فوات الأوان، قبل أن تصبح بدلة العيد حلمًا بعيد المنال، وحلمًا مستحيلاً في مدينة كانت يومًا رمزًا للتجارة والرخاء.
القاضي أنيس صالح جمعان
28 فبراير 2026م
