
تُعد صراحة نيوز، بقلم عوض ضيف الله الملاحمة، أن مبدأ “العقد شريعة المتعاقدين” يُمثل ركيزة أساسية في القانون المدني الأردني، كما تنص المادة (٢٤١) منه. وهذا المبدأ يعني أن العقد هو القانون الخاص الذي يحكم العلاقة بين أطرافه، فلا يجوز نقضه أو تعديله إلا بالتراضي بين الطرفين، أو عن طريق التقاضي، أو بمقتضى نص قانوني صريح. ويفرض هذا المبدأ ضرورة تنفيذ العقد بحسن نية، ليشمل ذلك الالتزامات الصريحة وما يترتب عليها وفقًا للعرف والعدالة، وهو ما يُعتبر “مقتبسًا” من أسس التعاقد.
عندما يُقدم أي مواطن على الاشتراك في الضمان الاجتماعي، فإنه يكون قد اقتنع بضرورة هذا الاشتراك، بهدف رئيسي وهو الحصول على راتب تقاعدي عند إحالته على التقاعد، بعد أن يكون قد أفنى سنوات عمره في الكد والتعب، وخدم الوطن بشرف وأمانة. ينظر المشترك إلى هذا الراتب كدرع يستر كبره ويحميه من العوز والحاجة عندما يبلغ من الكبر عتيًا، وفي عمر لا يقوى فيه على العطاء، مستندًا إلى قاعدة “قليل دائم خيرٌ من كثيرٍ منقطع”، باحثًا عن سِتر الحال والطمأنينة.
الالتزام بالعقد وتوقعات المشتركين
يُركز المشترك في الضمان الاجتماعي منذ لحظة اشتراكه على الحسبة التقاعدية، ويتابع سنوياً تطور راتبه المتوقع عند التقاعد، معتمدًا بشكل كامل على شروط العقد الذي وقّعه مع الضمان الاجتماعي. فالعقد يمثل اتفاقًا بين طرفين توافقا وقبلا شروطه، والتي يُفترض أن تكون هي المرجع والحَكَم الأساسي لتحديد الراتب التقاعدي بدقة وشفافية.
سلوك الضمان الاجتماعي: الطرف القوي والمتجاهل
لكن الملاحظ، للأسف، أن الضمان الاجتماعي في وطننا الحبيب يتصرف كطرف قوي، يستعلي على المشترك الذي يُمثل الطرف الأضعف في هذه المعادلة. فهو لا يُعير اهتماماً ولا يكترث، ولا يلتزم بالشروط التي وقّع عليها، والتي يُفترض أن يكون ملتزماً بها أمام المشترك لحظة إبرام عقد الاشتراك. بهذا السلوك، يبدو الضمان الاجتماعي متغطرسًا ومتجبرًا، ولا يحترم تعهداته مع المشتركين والمنتسبين إليه.
جدل التعديلات القانونية وتأثيرها على حقوق المشتركين
في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الثانية، شهد الأردن جدلاً واسعًا واعتراضات قوية من قِبل جهات شعبية ووطنية عديدة، بسبب ما أُثير حينها حول نية إجراء تعديلات جوهرية على قانون الضمان الاجتماعي. هذه التعديلات كانت ستُغير الحسبة التقاعدية بشكل كبير، مما كان سينتج عنه ظلمٌ وجورٌ وهضمٌ لحقوق المشتركين من خلال الانتقاص منها. استمر هذا الجدل لعدة سنوات، ما دفع بأعداد كبيرة من المشتركين، لا سيما أصحاب الرواتب المرتفعة آنذاك، إلى طلب التقاعد المبكر.
حل بسيط وفعال: اقتراح الكاتب لإنهاء الأزمة
في عام ٢٠٠٢، كنتُ مدعواً على مأدبة عشاء في منزل المرحوم الدكتور عبد الله زعل الضمور، بحضور عدد كبير من الوزراء العاملين والمتقاعدين، إضافة إلى نخبة من كبار رجالات الدولة. كان موضوع التعديلات الجوهرية على قانون الضمان الاجتماعي ما زال يشغل الشارع الأردني بقوة، ولهذا سيطر الموضوع على مجريات الجلسة، وشهد نقاشًا حادًا. وعندما أدلى الجميع بآرائهم، استأذنت بالكلام وقلت: “أنا أرى أنه أمر بسيط، ويمكن حله بسهولة، والحل عندي أنا”. استغرب الجميع، وقال أحد الوزراء العاملين وقتها: “الحكومة والشعب يؤجلون الحسم في الموضوع، لعدم وجود حل، والشارع يغلي، والحل عندك؟” قلت له: “نعم عندي”. قال: “تفضل”. قلت له ولهم: “العقد شريعة المتعاقدين، فعلى الضمان الاجتماعي أن يلتزم ببنود العقد الذي وقّع عليه مع كافة المشتركين. وبإمكانه أن يغير قانون الضمان الاجتماعي ولو سنويًا إذا أراد، لكن بشرط أن تنطبق التعديلات على المشتركين الجدد فقط، وليس على المشتركين السابقين. عندها، لن يعترض أحد على التعديلات في قانون الضمان، حتى لو تمت بشكل سنوي”. انبهر الجميع بهذا الطرح، وقال أحد الوزراء العاملين: “أشكرك بشدة، وسوف أطرح الموضوع على الحكومة والضمان الاجتماعي غداً”.
رؤية لمستقبل الضمان الاجتماعي العادل
يُفترض في الضمان الاجتماعي أن يكون عادلاً ومنصفًا، وأن يحترم تعاقداته مع المشتركين، وألا يتغطرس أو يتجبر، وألا يتجاهل ما التزم به. كما يجب ألا يستخدم سلطاته كونه جهة حكومية للتسلط على المشتركين الأعضاء، الذين هم أساس وجوده وعماد استمراره وديمومته.
مرونة التعديلات مع احترام الحقوق المكتسبة
بإمكان الضمان الاجتماعي أن يُجري دراساته الاكتوارية، كما يريد ومتى شاء، ويمكنه أن يعدل قانون الضمان الاجتماعي متى أراد وكيفما شاء. كما يمكنه أن يطبق ما توصي به هذه الدراسات، ويُجري التعديلات التي يراها مناسبة على القانون، ولو بشكل سنوي، دون أن يحتج أي أردني واحد على تلك التعديلات، مهما بلغت من قسوة وشدة. ولكن، يجب أن يُفعل ذلك بشرط أن يعتبر الضمان الاجتماعي أن سريان القانون الجديد يبدأ تطبيقه على المشتركين الجدد فقط، دون أن يعدل ولو بندًا واحدًا على القانون الساري للمشتركين الحاليين. لكن مع الأسف، ما يزال هناك قلة ممن يستمع أو يقرأ أو يستفيد مما يُقال ويكتب من أصحاب الرأي الراجح والثمين.
