«طموح يتصادم مع الواقع» شركات السيارات الكهربائية بين واقع التحديات ورهان الطموح الكبير

«طموح يتصادم مع الواقع» شركات السيارات الكهربائية بين واقع التحديات ورهان الطموح الكبير

اقرأ في هذا المقال:

  • تحديات جمة تواجه معظم شركات صناعة السيارات الغربية حاليًا.
  • فشل التحول السريع نحو السيارات الكهربائية، الذي كان أمل المصنعين والسياسيين.
  • تأثير ارتفاع أسعار البنزين عقب الحرب الأوكرانية في دعم مبيعات السيارات الكهربائية مؤقتًا.
  • السعر المرتفع للسيارات الكهربائية هو العقبة الرئيسية أمام انتشارها الواسع.

تواجه شركات تصنيع السيارات الكهربائية صعوبات متزايدة في تحقيق طموحاتها، وسط تباين إقبال المستهلكين، وتقلبات السوق، وتحديات البنية التحتية لمحطات الشحن. في هذا السياق، صرّح جيم فارلي، الرئيس التنفيذي لشركة “فورد Ford” الأميركية، قائلًا: “أعتقد أن رأي المستهلك قد حُسِم، وهذه هي الخلاصة”. وقد كشفت شركة فورد عن خسارة سنوية بلغت 3.7 مليار جنيه إسترليني (أي ما يعادل 5 مليارات دولار أميركي)، وذلك بعد شهرين فقط من تسجيل خسارة فادحة أخرى بلغت 19.5 مليار دولار، وفقًا لما رصدته منصة الطاقة المتخصصة. ويرى المحللون أن هذا الرهان الجريء على السيارات الكهربائية قد ارتد بنتائج عكسية كارثية على الشركة.

تراجع مبيعات السيارات الكهربائية

شهدت مبيعات سيارة موستانج ماك-إي كروس أوفر وشاحنة إف-150 لايتنينج، التي وصفها الرئيس التنفيذي لشركة فورد، جيم فارلي، ذات مرة بأنها “شاحنة المستقبل”، تراجعًا ملحوظًا. والأسوأ من ذلك، تكبّد قسم سيارات فورد موديل إي الكهربائية خسائر تجاوزت 13 مليار دولار منذ عام 2023. ونتيجة لهذه التحديات، تخلّت الشركة عن إنتاج شاحنة فورد إف-150، وألغت معظم خططها المستقبلية للسيارات الكهربائية، مع تركيزها بشكل أكبر على تطوير السيارات الهجينة.

ليست فورد وحدها من عمالقة صناعة السيارات التي تتكبد خسائر نتيجة الرهان غير الناجح على السيارات الكهربائية، ففي العام الماضي، شطبت كبرى شركات صناعة السيارات العالمية أكثر من 60 مليار دولار من موازناتها العمومية، في تراجع واضح عن طفرة السيارات الكهربائية التي لم تتحقق بالقدر المأمول.

يوضح الجدول التالي أبرز الخسائر التي تكبدتها شركات السيارات الكبرى:

الشركةالخسائر المعلنةملاحظات
فورد (Ford)3.7 مليار جنيه إسترليني (5 مليار دولار)، ثم 19.5 مليار دولار لاحقًا. قسم موديل إي: أكثر من 13 مليار دولار (منذ 2023).جنيه إسترليني = 1.35 دولار.
ستيلانتيس (Stellantis)22 مليار يورو (25.89 مليار دولار).يورو = 1.18 دولار.
جنرال موتورز (General Motors)7.6 مليار دولار.
فولكسفاغن غروب (Volkswagen Group)5.1 مليار يورو (حوالي 6.018 مليار دولار).
هوندا (Honda)4.5 مليار دولار.
فولفو (Volvo)1.2 مليار دولار.

أشار المحلل فيليبي مونيوز من شركة “كار إندستري أناليسيس Car Industry Analysis” إلى أن “معظم شركات صناعة السيارات الغربية تواجه الآن مشكلات كبيرة”. وعلى الرغم من أن مبيعات السيارات الكهربائية تشهد نموًا عامًا، فإن التحول السريع الذي كان يأمله المصنعون والسياسيون لم يتحقق بعد. وأضاف مونيوز: “لا يزال العديد من السائقين غير مرتاحين لهذا التحول الجذري”.

لوائح الحياد الكربوني والتحديات السوقية

بدأت لوائح الحياد الكربوني تُطبق بصرامة في المملكة المتحدة وأوروبا، مما يضع الشركات المصنعة أمام غرامات محتملة إذا لم تلتزم بأهداف متزايدة الصعوبة لخفض الانبعاثات. وتتفاقم هذه الضغوط مع دخول المنافسين الصينيين بقوة إلى السوق، مقدمين سيارات كهربائية بأسعار تنافسية للغاية، مما يقوّض حصص الشركات الغربية. وقد كشفت البيانات أن مبيعات السيارات الكهربائية لا تزال أقل من الأهداف الحكومية المحددة. حتى العديد من المصنعين الصينيين يواجهون تحديات جمة في تجاوز الأزمة، مع توقف المبيعات تقريبًا في السوق المحلية. الحقيقة المرة التي تتضح لشركات صناعة السيارات حول العالم هي أن السائقين ببساطة لا يرغبون في شراء السيارات الكهربائية بالقدر الذي كان متوقعًا. وعلق فيليبي مونيوز، قائلًا: “كانت الخطط التي وضعوها طموحة للغاية، وما نشهده الآن هو الواقع الفعلي للسوق”.

اضطرابات سوق السيارات وأثر الجائحة

يمكن إرجاع جزء كبير من الفوضى الحالية في سوق السيارات إلى فترة ذروة جائحة كورونا، عندما شهد السوق ظواهر غير مألوفة. فمع انتشار الفيروس، وإغلاق المصانع عالميًا، وحالة الذعر التي سيطرت على الحكومات، قُدّم دعم سخي للسيارات الكهربائية في محاولة لإنعاش صناعة السيارات المتعثرة. تزامن ذلك مع خفض البنوك المركزية الأوروبية لأسعار الفائدة لإنعاش اقتصاداتها، مما جعل الاقتراض أكثر سهولة ويسرًا. في مرحلة معينة، كان شراء سيارة كهربائية في ألمانيا رخيصًا للغاية، لدرجة أنه كان بالإمكان استئجار طرازات مثل رينو زوي أو حتى مرسيدس-بنز إي كيو سي كروس أوفر بتكلفة أقل من عقد هاتف محمول. في الوقت نفسه، كانت الحكومات تعزز بقوة سياسات الحياد الكربوني. ففي بريطانيا، أعلن رئيس الوزراء آنذاك بوريس جونسون عن حظر بيع سيارات البنزين الجديدة بحلول عام 2030، بينما اقترح الرئيس الأميركي جو بايدن حزمة تحفيزية ضخمة بقيمة 174 مليار دولار لدعم السيارات الكهربائية. وخلال هذه الفترة، كانت شركة “تيسلا Tesla”، الرائدة في صناعة السيارات الكهربائية والتي أسسها إيلون ماسك، محط أنظار منافسيها التقليديين، حيث شهدت مبيعات طرازاتها الشهيرة مثل موديل 3 وموديل واي نموًا سريعًا وملحوظًا.

تأثير ارتفاع أسعار البنزين وتراجع الدعم الحكومي

ساهمت الزيادة الحادة في أسعار البنزين، التي أعقبت اندلاع الحرب الأوكرانية، في دعم مبيعات السيارات الكهربائية، مما جعلها تبدو خيارًا اقتصاديًا جذابًا مقارنةً بسيارات محركات الاحتراق الداخلي. في ظل هذه الظروف، بدا أن مسار التحول نحو السيارات الكهربائية لا رجعة فيه. وردًا على ذلك، أعلنت العديد من شركات السيارات عن خطط طموحة لتحويل تشكيلاتها بالكامل إلى سيارات كهربائية، فمثلًا، أعلنت “جاكوار لاند روفر Jaguar Land Rover” أن علامة جاكوار ستصبح “كهربائية بالكامل” بحلول عام 2025، وتعهدت فورد بالتحول الكامل إلى السيارات الكهربائية بحلول عام 2030، في حين ضاعفت فولكسفاغن هدفها لمبيعات السيارات الكهربائية بنهاية العقد من 35% إلى 70%.

ولكن في السنوات التي تلت تلك الإعلانات، تباطأت مبيعات السيارات الكهربائية مع تراجع العديد من العوامل المؤقتة التي عززت السوق. انخفضت أسعار البنزين من ذروتها، وارتفعت أسعار الفائدة، وقلّصت الحكومات الدعم المتاح للسائقين. ففي الولايات المتحدة، ألغى الرئيس دونالد ترامب الدعم السخي الذي أُقر في عهد بايدن، واصفًا التحول إلى الطاقة النظيفة بأنه “خدعة”. أجبر هذا التغير المفاجئ الشركات المصنعة على التراجع عن معظم تعهداتها أو تأجيلها، مما أدى إلى الإعلان عن خسائر فادحة.

وقال بن نيلمز من شركة الاستشارات “نيو أوتوموتيف”: “أحد أهم العوامل التي تحفز شركات السيارات هو ما يفعله منافسوها، لذا، عندما حققت تيسلا نجاحًا باهرًا في تلك السنوات كان هناك تسابق محموم لمحاولة تكرار هذا النجاح”. وأوضح أن “الكثير من تلك الأهداف واللوائح الحكومية خُففت أو أُلغيت منذ ذلك الحين”. وأردف نيلمز: “كانت صناعة السيارات تأمل بشدة في عودة حجم المبيعات عالميًا إلى مستويات ما قبل الجائحة، ولكن في معظم الحالات لم يتحقق ذلك”.

السيارات الكهربائية: تحدي القيمة مقابل السعر

لعل السبب الرئيسي وراء عدم تحقيق مبيعات السيارات الكهربائية للقوة المرجوة هو السعر المرتفع. ففي أوروبا، بلغ متوسط سعر السيارة الكهربائية نحو 63 ألف يورو في عام 2024، مقارنةً بـ51 ألف يورو لسيارة تعمل بمحرك احتراق داخلي، وفقًا لتحليل أجرته شركة “جاتو داينميكس Jato Dynamics”. يأتي هذا التفاوت على الرغم من التوقعات التي أشارت إلى أن انخفاض أسعار البطاريات سيؤدي إلى انخفاض مماثل في أسعار السيارات. ونتيجة لذلك، لم تتجاوز مبيعات السيارات الكهربائية في أوروبا حتى الآن نسبة 20% من إجمالي السوق.

يوضح الجدول التالي مقارنة أسعار السيارات الكهربائية وسيارات الاحتراق الداخلي في مناطق مختلفة:

المنطقةمتوسط سعر السيارة الكهربائيةمتوسط سعر سيارة الاحتراق الداخلينسبة مبيعات السيارات الكهربائية من الإجمالي
أوروبا (2024)حوالي 63 ألف يوروحوالي 51 ألف يوروأقل من 20%
الصينحوالي 22 ألف يورو (مماثل لـ ICE)حوالي 22 ألف يوروحوالي 50%

في المقابل، وصلت السيارات الكهربائية داخل الصين إلى مستوى مماثل في السعر لسيارات الاحتراق الداخلي، بمتوسط ​​نحو 22 ألف يورو، وتمثل الآن نحو 50% من إجمالي مبيعات السيارات الجديدة، وقد تحقق هذا إلى حد كبير بفضل الدعم السخي من بكين.

يُلقي المدير التنفيذي المخضرم في صناعة السيارات، آندي بالمر، اللوم على الشركات المصنعة الغربية لعدم استثمارها في تطوير طرازات بأسعار معقولة. وأشار بالمر، المعروف بـ”عراب” السيارات الكهربائية لدوره في تطوير طراز نيسان ليف الشهير، إلى أن العديد من العلامات التجارية في الولايات المتحدة وأوروبا ركزت على طرازات سيارات الدفع الرباعي الأغلى ثمنًا والأكثر ربحية، بدلًا من سيارات المدينة الأرخص. وأضاف: “أعتقد أن المشكلة الأساسية تكمن في ارتفاع أسعار هذه السيارات، وتعويض ذلك بالدعم الحكومي، وهذا في نهاية المطاف غير مجدٍ”. وشدد على أن تكلفة السيارات الكهربائية يجب أن تتساوى مع تكلفة سيارات الاحتراق الداخلي، وأن تقدم السيارات الكهربائية أكثر من مجرد كونها “نظيفة”، بل يجب أن توفر قيمة جيدة مقابل المال، وتجربة استعمال مختلفة، بدلًا من أن تكون مجرد نسخة من سيارات الاحتراق الداخلي. وأكد أن “هذا ما نجح فيه الصينيون، فقد حددوا أسعار سياراتهم الكهربائية لتكون مماثلة، إن لم تكن أرخص، وهم يتبنون هذه التقنية بمعدلات تحقق وفورات هائلة في الإنتاج”.

مع فشل مبيعات السيارات الكهربائية في تحقيق النمو المأمول، حتى القوانين المخففة المتعلقة بالسيارات الكهربائية في أوروبا بدأت تشكل تحديًا للمصنعين. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، اشترط قانون المركبات عديمة الانبعاثات أن تكون 28% من مبيعات السيارات الجديدة كهربائية العام الماضي، مقارنةً بنسبة 23.9% التي حققها القطاع فعليًا.

المصدر:

حتى عمالقة صناعة السيارات يدركون ذلك: لقد انتهى عصر السيارات الكهربائية من ذا تيليغراف

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.