
عام 2026 لن يكون سهلاً على الأردن، وهذه ليست مجرد مقولة إنشائية أو ترف تحليلي، بل هي وصف دقيق لواقع إقليمي ودولي يعاني من الاضطراب، حيث يتغير العالم من حولنا بسرعة تفوق قدرة كثير من الدول على التكيف، ولذلك، فالأردن، كونها دولة محورية، ليست بمعزل عن هذه المتغيرات، بل تتأثر بها وتتفاعل معها، شاءت أم أبت.
تحولات عميقة في الإقليم والعالم
تشهد المنطقة، التي تمثل قلب هذا العالم المتوتر، تحولات حاسمة وعميقة، وما نشهده ليس أزمات مؤقتة يعبر عنها بالصبر والانتظار، بل إعادة تعريف لمفاهيم الاقتصاد والعمل والأمن الاجتماعي، وستظهر تداعيات هذا الواقع بشكل واضح في حياتنا اليومية، ابتداءً من كلفة المعيشة وصولاً إلى فرص العمل، ومن تخطيط المدن إلى مفهوم الاستقرار نفسه، فالتشبث بأساليب الحياة المعتادة لم يعد مجدياً، بل قد يصبح عبئًا يفاقم الخسائر بدلاً من حمايتها.
ضرورة قبول التغيير
ما يمكن أن ينقذنا كأردنيين، إذا أحسنا فهمه، هو قدرتنا على تقبل التغيير كضرورة وجودية وليس كخطر، وهنا يأتي دور الدولة، التي يجب أن تكون أكثر من مجرد إدارة للأزمات، بل يجب أن تعمل كقائد للمسار، فالمزاج العام ميال للخوف من التغيير، وللتمسك بالحالة القائمة حتى وإن كانت مختلة، لكن الدولة يجب أن تتعامل بالعقل، وقيادة الأمور وسط هذه التقلبات، من خلال اتخاذ قرارات قد تكون صعبة على المدى القصير، إلا أنها تحمي الاستقرارعلى المدى البعيد.
مقابلة رئيس الوزراء كدليل على التحول
في هذا السياق، جاءت مقابلة رئيس الوزراء جعفر حسان الأخيرة على شاشة التلفزيون الأردني، لتبرز نبرة جديدة ومضمونًا واقعيًا، حيث لم تكن مجرد وعود أو طمأنة مجانية، بل كانت حديثًا صريحًا يعترف بصعوبة المرحلة، ويوضح التزامات حكومته بدلًا من توزيع توقعات سهلة، فقد أكد رئيس الوزراء أن الطريق ليس معبدًا، وأن هناك ضرورة لإنجاز مهمات محددة، مشددًا على أن الحكومة ستكون محكومة بالنتائج وليس بالنوايا، وهذا يمثل تحولًا مهمًا في خطاب السلطة التنفيذية.
فهم خطة التحديث الاقتصادي
من هنا، يمكن فهم خطة التحديث الاقتصادي، ليس كشعار سياسي، بل كمسار يتطلب تدخلات جراحية تشريعية وإدارية، قد تؤثر على ما اعتدناه من أمور اعتيادية، لكنها ضرورية للحفاظ على توازن الدولة، فالتحديث الحقيقي لا يمكن أن ينجح إذا خضع لإيقاع الأمنيات أو الاعتبارات الشعبوية، بل يجب أن ينطلق من منطق الواقع كما هو، وليس كما نحب أن نراه.
مشروع المدينة الجديدة والتخطيط السليم
خذ مثالًا على مشروع المدينة الجديدة، الذي يُختزل كثيرًا في نقاشات عقارية سطحية، بينما جوهره الحقيقي هو اجتماعي بالدرجة الأولى، فنحن نشهد مدينتين كبيرتين مثقلتين بالكثافة السكانية والضغط الخدمي، وأي قراءة هادئة تدرك أن إعادة توزيع السكان ضرورة لضبط التوازن الاجتماعي وتخفيف الاحتقان، ويجب أن يقوم تطوير المدينة كمشروع استثماري جذاب على تخطيط معرفي وإدارة حذرة، وليس وفق منطق البيع السريع أو الحلول السهلة.
مشروع الناقل الوطني كقضية استراتيجية
والأمر نفسه ينطبق على مشروع الناقل الوطني، الذي يجب أن يُعتبر ليس مجرد مشروع بنية تحتية تقليدي، بل كملف وجودي في بلد يعاني من فقر مائي حاد، فهذا المشروع يحتاج إلى إدارة على مستوى الأزمة، من حيث الحوكمة والتشريع والشفافية، فالمياه ليست خدمة عادية، بل هي مسألة أمن وطني.
تحديات تشريعات الضمان الاجتماعي
وفيما يتعلق بالتشريعات، مثل قانون الضمان الاجتماعي، فإنه لا مجال هنا لاستمرار قواعد الأمس المريحة، فتأمين ديمومة مدخرات الأردنيين يتطلب تحديثًا شجاعًا في الإدارة والاستثمار، حتى وإن تصادم ذلك مع العادات الراسخة، فالضمان الاجتماعي هو عقد ثقة طويل الأمد، وليس مجرد صندوق لحلول آنية.
الخلاصة والتوجه المستقبلي
الخلاصة أن عام 2026 سيكون عامًا صعبًا، لكنه ليس عامًا يتجه نحو الانهيار، فما يحدد الاتجاه هو قدرة الدولة على القيادة بعقل بارد، واتخاذ قرارات تتماشى مع منطق الواقع، وليس مع مزاج اللحظة، ففي عالم يتحرك بهذه السرعة، فإن الثبات ليس استقرارًا، بل هو تراجع، والنضج الحقيقي يكمن في اختيار التغيير قبل أن يُفرض علينا.
