
التهب انتظار المواطن الأردني طويلًا، معلقًا آماله على الوعود المتكررة والتصريحات التي لا تتجاوز “خلال أيام”، لكنه اصطدم بواقع مرير وصارخ، فزيت الزيتون المستورد يُطرح بكميات شحيحة جدًا على رفوف المؤسسات العسكرية والمدنية، وهي كميات لا تكفي لسد حاجة السوق ولا تعكس حجم الطلب الحقيقي، مما يدفع المواطنين للوقوف في طوابير تمتد لساعات أمام هذه المؤسسات، لتكون النتيجة المتوقعة دائمًا: “من يلحق يلحق، ومن لا يلحق فاته الأمر”، وهذا ليس تنظيمًا للسوق ولا إدارة فعالة، بل هو دفع للمواطن نحو سباق محموم على بقية ما يُطرح، وكأن احتياجاته اليومية مرهونة بالحظ والتوقيت فحسب.
لم يلجأ المواطن إلى هذه المؤسسات عبثًا، ولم يأتِ مدفوعًا بالطمع، بل لأنه ببساطة لم يعد قادرًا على شراء زيت الزيتون من السوق المفتوح، حيث يتوفر الزيت هناك بكميات، لكن بأسعار تكاد تضاهي أسعار الزيت البلدي، وتنافسها أحيانًا، وهي أسعار تفوق قدرة غالبية المواطنين وتزيد من أعبائهم المعيشية، مما يجعل الحصول على سعر معقول حلمًا بعيد المنال، ولهذا، كان اللجوء إلى المؤسسات الاستهلاكية هو الملاذ الأخير، المكان الذي يضمن لهم إمكانية الحصول على السلعة بسعر يتحمله دخلهم، لكن هذا الملاذ تحول إلى سباق مرير على كميات شحيحة جدًا.
استغلال الفرص وتلاعب بالأسعار
الأدهى من ذلك، أن هذه الكميات المحدودة قد فتحت الباب على مصراعيه أمام استغلال صارخ، فظهر على الساحة صيادو الفرص، وهم أشخاص يحضرون مع أبنائهم وأقاربهم، يشترون عدة عبوات من الزيت، لا لتلبية حاجة بيوتهم، بل لإعادة تعبئتها وبيعها لاحقًا على أنها زيت بلدي وبأسعار قد تصل أحيانًا إلى ١١٠ دنانير للتنكة، فهذه الممارسات ليست مجرد مخالفات فردية، بل هي نتيجة طبيعية لنقص الكميات الحاد وغياب الرقابة الفعالة، مما يحول سلعة أساسية إلى أداة للربح الفاحش على حساب المواطن، الذي يبقى المستهلك الوحيد المتضرر من هذه المعادلة.
مفارقة السوق ودور المؤسسات
المفارقة الصارخة هنا تكمن في أن المؤسسات لا تبيع بخسارة، ولا تهدف للربح من هذه السلعة، بل تطرحها بسعر قريب من الكلفة لخدمة الناس وتخفيف العبء عليهم، لكن السوق الخارجي يفتقر إلى أي سقف حقيقي للأسعار، وبلا حماية تذكر للمستهلك، فالمواطن هو الحلقة الأضعف في هذه المنظومة، يُطلب منه الصبر والدفع معًا، بينما يُترك السوق للمضاربة والاستغلال بلا رادع، فكيف يُعقل أن تتحول سلعة أساسية إلى فرصة للمضاربة والتربح غير المشروع؟ وكيف يُعقل أن يظل المواطن مكبلاً أمام سعر ومصدر محدودين بينما الأسعار في الخارج مرتفعة بشكل جنوني؟
صورة الأردن بين الواقع والمقارنة الإقليمية
ما يزيد الأزمة وقعًا، هو أن ما يحدث يُخرج صورة قاسية عن الأردن، وكأن البلد في حالة شح أو مجاعة، بينما الواقع مختلف تمامًا، ففي دول الجوار، يُطرح الزيت بكميات كبيرة، ومن مصادر متعددة، دون ازدحام، ودون هلع، ودون استغلال مفتوح، أما عندنا، فإن المواطن يقف لساعات طويلة على أبواب المؤسسات، في انتظار القليل جدًا من الكمية التي قد لا تكفي، وكأن وجوده هنا ليس أكثر من لعبة حظ.
دعاوى “حماية المنتج الوطني” بين الحقيقة والمغالطة
لا يمكن تبرير هذه الأسعار الخيالية تحت شعار “حماية المنتج الوطني”، فحماية المنتج لا تكون بإرهاق المواطن، ولا بإغلاق السوق عليه، ولا بدفع الناس إلى العجز عن تلبية احتياجاتهم الأساسية، بل الحل الوحيد والمنطقي لهذه المعضلة يكمن في السوق المفتوح المنظم، حيث يتوفر زيت بلدي لمن يستطيع شرائه، ويتوفر زيت مستورد بكميات كافية وبأسعار عادلة ومقبولة لمن لا يستطيع.
مقارنة أسعار زيت الزيتون في السوق الأردني
| نوع الزيت | مصدر البيع | الأسعار التقريبية | ملاحظات |
|---|---|---|---|
| زيت الزيتون المستورد | المؤسسات العسكرية والمدنية | قريب من الكلفة | كميات شحيحة جدًا، يُطرح لخدمة المواطن |
| زيت الزيتون المستورد | السوق المفتوح | يضاهي أسعار الزيت البلدي أو ينافسها | متوفر بكميات لكن بأسعار مرتفعة |
| زيت الزيتون البلدي | السوق المفتوح | مرتفعة | المنتج الوطني |
| زيت الزيتون (معاد تعبئته) | يباع من قبل صيادي الفرص | قد يصل إلى 110 دنانير للتنكة | يُباع على أنه زيت بلدي، استغلال للوضع |
حلول عملية لإنقاذ الموقف
في ظل هذه الأزمة المتفاقمة، ما المطلوب عمليًا لإنهاء معاناة المواطن؟
- طرح كميات كافية ومتواصلة من الزيت المستورد، بدلًا من الدفعات المحدودة التي تخلق الازدحام والتنافس.
- تحديد سقف شراء عادل يمنع الاحتكار والشراء العائلي المتكرر الذي يهدف للتربح.
- رقابة فعلية ومشددة على عمليات إعادة التعبئة والبيع والتلاعب بمنشأ الزيت وجودته.
- تحقيق تقارب سعري حقيقي بين أسعار السوق والمؤسسات لحماية المستهلك وكبح جماح المضاربة.
نداء لإنصاف المواطن
المواطن الأردني تعب، أصبح غاضبًا ومنهكًا من هذا الوضع، وما وصلنا إليه اليوم غير طبيعي أبدًا، واستمرار هذا النهج يعني أن الثمن سيدفعه المواطن وحده، مرة بعد مرة، دون حلول جذرية ودون تحقيق للعدالة، ما نحتاجه الآن ليس وعودًا جديدة قد تضاف إلى سابقاتها، بل قرارًا حقيقيًا، سريعًا، وصارمًا، يضع المواطن في مركز اهتمامه، ويحمي كرامته وقوته الشرائية، وينصفه أخيرًا.
والله ولي التوفيق
