
استعاد سوق الطاقة الشمسية في مصر زخم نشاطه بآلية «صافي القياس»، التي جذبت العديد من الشركات للقطاع منذ إقرارها قبل أكثر من عقد، فبعد فترة من الترقب، أصدرت وزارة الكهرباء هذا الأسبوع كتابًا دوريًا، ينظم هذه الآلية ويُعزز حماية شركات الطاقة المتجددة من أية قرارات قد تهدد استقرار سوقها.
أزمة إلغاء صافي القياس وآلية التعافي
كان جهاز تنظيم مرفق الكهرباء، التابع للوزارة، قد أصدر في ديسمبر الماضي قرارًا غير مبرر رسميًا، يقضي بإلغاء العمل بآلية «صافي القياس» بحلول نهاية العام ذاته، مما أثار استياء شركات الطاقة المتجددة التي تقدمت بشكاوى متعددة إلى الحكومة، أدت هذه الشكاوى إلى مشاورات مكثفة بين الطرفين، ليتم في النهاية إصدار الكتاب الدوري الذي يضمن استمرار العمل بالآلية، ولكن بشروط مُحسّنة، حسبما أفادت مصادر مطلعة على التطورات الأخيرة في القطاع تحدثت مع «أقرأ نيوز 24».
ما هي آلية صافي القياس؟
تُعد آلية صافي القياس، التي بدأ تطبيقها في عام 2013، بمثابة اتفاق تعاقدي بين الحكومة ومستخدمي الطاقة الشمسية، يتيح لهم ربط وحداتهم بشبكة الكهرباء، شريطة ألا تتجاوز قدرة محطة الطاقة الشمسية الواحدة 20 ميجاوات، وبموجب هذه الآلية، يقوم المستهلك بشراء الكهرباء من الدولة عند الحاجة، بينما يبيع الفائض منها للشبكة، ثم تُجرى تسوية نهائية سنويًا تشتري الحكومة بموجبها الكيلووات بسعر 71 قرشًا، وتبيعه للمستهلكين بأسعار تعريفة الكهرباء التقليدية، كلٌ حسب شريحته الاستهلاكية.
الفوائد الاقتصادية والبيئية لصافي القياس
لقد لعبت هذه الآلية دورًا محوريًا في دعم دخول مستخدمين جدد، وتمكينهم من تجاوز التحديات التي كانت تعرقل الإقبال على الطاقة المتجددة، مثل غياب مصدر الطاقة لعدد كبير من ساعات اليوم، كما ساهمت الآلية بفعالية في تحفيز الطلب على بناء وتصميم وصيانة الوحدات الشمسية للمنشآت الراغبة في الاعتماد على الطاقة الشمسية لتقليل تكاليفها التشغيلية، وفي هذا الإطار، ازدهرت العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في قطاع الطاقة الشمسية.
تحديات القطاع وتأثير إلغاء صافي القياس
هدد قرار وقف العمل بـ«صافي القياس» بالقضاء على الطلب على بناء وتركيب وحدات الطاقة الشمسية، وهو النشاط الأساسي لشركات الطاقة المتجددة، خاصة وأن الغالبية العظمى منها تُصنف كشركات صغيرة ومتوسطة، لا تُمكّنها ملاءتها المالية من المشاركة في مشاريع الطاقة الشمسية الضخمة، وقد بلغ عدد الشركات في السنوات الماضية 250 شركة، لكنه يقدر حاليًا بنحو 191 شركة مرخصة لدى هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، وفقًا لما ذكره الرئيس السابق للهيئة، محمد السبكي.
يُعزى هذا الانخفاض في عدد الشركات إلى تضارب القرارات التنظيمية الحكومية، مثل قرار ديسمبر الماضي، بالإضافة إلى تأثير التقلبات المتكررة في سعر الدولار على تكلفة الوحدات، بحسب كل من السبكي والرئيس الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، حافظ السلماوي.
إمكانات مصر الشمسية والعوائق التنظيمية
بينما تتمتع مصر بمستويات عالية جدًا من الإشعاع الشمسي على مستوى العالم، مما يفتح آفاقًا واسعة للإمكانات، أشار السلماوي إلى تكرار صدور قرارات من مرفق تنظيم الكهرباء خلال السنوات العشر الماضية كانت غير مبررة ومتناقضة مع الأهداف الحكومية الرامية إلى تعزيز الطاقة النظيفة، هذه القرارات قوضت فرص نمو القطاع، ومن أمثلتها فرض رسوم الدمج على الشبكة، والتي أطلقت عليها الشركات اسم «ضريبة الشمس»، ووقف العمل بآلية صافي القياس مرتين خلال أقل من عام، إضافة إلى تثبيت أسعار الكهرباء للقطاع الصناعي لمدة خمس سنوات، مما لم يحفز المصانع على البحث عن بدائل واستكشاف حلول الطاقة النظيفة.
تكهنات حول أسباب قرار الإلغاء
في غياب أي توضيح رسمي لقرار وقف العمل بآلية صافي القياس، عزى مصدر مطلع بجمعية تنمية الطاقة المستدامة «سيدا» القرار إلى شكاوى شركات التوزيع التابعة للشركة القابضة لكهرباء مصر، والتي سجلت خسائر كبيرة في ميزانياتها بسبب لجوء كبار المستخدمين، المشتركين بالشرائح الاستهلاكية الأعلى، إلى شركات الطاقة الشمسية للاستفادة من الآلية على حساب الكهرباء التقليدية، غير أن تكهنات أخرى قدمتها لـ«أقرأ نيوز 24» مصادر عديدة في القطاع لتفسير القرار، تنوعت بين الإحباط الحكومي من عدم تحقيق طفرة في إجمالي القدرات العاملة بصافي القياس، بالإضافة إلى تخوفات لدى «الكهرباء» تتعلق بالمشكلات الفنية بشبكات التوزيع الناجمة عن الربط مع محطات «صافي القياس».
تدخل الصناعة وإطلاق الكتاب الدوري الجديد
بعد إصدار القرار، تحركت جمعية «سيدا» بفعالية، وقدمت مذكرة إلى مجلس الوزراء، نتج عنها عقد اجتماعين بين ممثلي القطاع والوزارة خلال يناير الماضي، توصل الجانبان فيهما إلى تعهدات شفهية من جانب «الكهرباء» بتأجيل وقف تلقي طلبات الاشتراك بنظام صافي القياس إلى أجل غير مُسمى، وذلك لحين تطوير القواعد المنظمة للآلية في كتاب دوري جديد، تبع ذلك انعقاد جلسة مشورة في 24 يناير الماضي، ضمت ممثلي الوزارة وجهاز تنظيم مرفق الكهرباء والقطاع، لمناقشة مسودة الكتاب، بهدف إيجاد مرجع تنظيمي يتفق عليه الجانبان ويضمن للقطاع المضي قدمًا في مأمن من القرارات المتضاربة أو تعليق الآلية بشكل مفاجئ مجددًا، وبعد إدخال بعض التعديلات على المسودة، صدر الكتاب الدوري رقم (4) لسنة 2026.
أبرز ملامح الكتاب الدوري الجديد لصافي القياس
يُعد أهم ما جاء في الكتاب الدوري الأخير هو تحديد مُنظمات عمل الشركات بدقة أكبر، إلى جانب التأكيد على ضرورة مراجعتها كلما دعت الحاجة أو تغيرت توجهات السوق أو واجه تحديًا، على أن تكون المراجعة مشروطة بـ«دراسة لتقييم الأثر التنظيمي»، بحسب السلماوي، وألزم الكتاب جهاز تنظيم مرفق الكهرباء بالتشاور مع ممثلي شركات الطاقة الشمسية، أو الأطراف ذات الصلة، قبل إقرار أي تعديل أو مراجعة، وذلك وفقًا لنص المادة رقم (9)، كما أوضح السلماوي، الذي شدد على أهمية هذه المادة في ظل التغيرات الكثيرة التي أعاقت دخول بعض الشركات إلى السوق.
كما حدد الكتاب قواعد تنظيم وضبط الصيانة لجميع وحدات الطاقة الشمسية التي تعمل وفق «صافي القياس»، وأوضح السلماوي أنه خلال المناقشات مع الوزارة، استنتج أن أحد تحفظات المرفق وتشكيكه في جدوى الآلية، كان يعود إلى تدني الإنتاج الفعلي من الوحدات المُركبة بالفعل مقارنة بقدراتها الإنتاجية القصوى، وذلك بسبب مشكلات تتعلق بصيانة تلك الوحدات.
تُلزم الإجراءات التنظيمية الجديدة المستهلك صاحب الوحدة، وشركة الطاقة الشمسية بالتعاقد على الصيانة الدورية، وينص الكتاب على الحد الأدنى المطلوب لعمليات الصيانة للألواح الشمسية بما يضمن استمرار عملها، ويتوجب على الشركات صاحبة عقود الصيانة إبلاغ منصة مصر للطاقة الشمسية «PV-Hub» بتحديثات الصيانة وبيانات الوحدة، بحسب المادة رقم (8)، وتتضمن هذه البيانات الحالة الفنية ومؤشرات أداء المحطة وموقعها، وهو ما يساعد، بحسب السلماوي، على توفير إحصاءات دقيقة عن هذا السوق.
دعم المكون المحلي وتعزيز الصناعة
اشترطت المادة رقم (7) على ضرورة ألا تقل نسبة المكون المحلي في المحطة عن 25% من إجمالي التكلفة، كشرط أساسي تُعاينه هيئة تنمية واستخدام الطاقة الجديدة والمتجددة قبل أن تُصدر موافقتها على المحطة، ومن ضمن التعديلات التي أُدخلت على الكتاب الدوري استبدال كلمة «منتج» محلي بـ«مكون»، ليدخل ضمن إطاره الأعمال المدنية، مثل التصميم ودراسات الجدوى وأعمال التركيب، إلى جانب المنتج المحلي مثل الكابلات الكهربائية وهياكل الوحدة، وبحسب السلماوي، ووفقًا لدراسة داخلية أُجريت على جميع مشاريع الطاقة الشمسية، وُجد أن نسبة المكون المحلي تكون في حدود 35% من إجمالي التكلفة، كما يقول السلماوي.
تُشكل المحطات محدودة القدرة، وهي قاعدة مستخدمي نظام صافي القياس نظرًا لسقف الـ 20 ميجاوات المنصوص عليه، سوقًا حيويًا يسمح بنمو الصناعات المحلية في مجال الطاقة الشمسية، في الوقت الذي يصعب عليها المنافسة للتوريد للمشروعات الضخمة، وذلك لأن التعاقدات في تلك المشاريع غالبًا ما ترفض تحديد نسبة للمكون المحلي خارج أسعار السوق الحرة، كونها تُبنى باشتراطات قروض أو تمويل أجنبي، بحسب السلماوي والسبكي.
يُضيف السلماوي أن السوق المصري ما زال في مراحله المبكرة، ويتطلب هذا الدعم فيما يتعلق بالصناعات المغذية لقطاع الطاقة الشمسية، مثل استخلاص الزجاج قليل الامتصاص للشمس، واستخلاص السيليكون، وغيرها من المكونات الرئيسية، بينما اقتصر العمل سابقًا على ثلاثة مصانع، أحدها يتبع الهيئة العربية للتصنيع المملوكة للدولة، على التجميع فقط، حيث «نجلب الخلايا جاهزة ونقوم باللحام والتجميع والتوصيلات الكهربائية»، بحسب السلماوي.
أهداف القدرة ومعدلات النمو
كما شملت القواعد المنصوص عليها بالكتاب تحديد هدف زمني للوصول بالقدرات المربوطة بشبكة الكهرباء وفق نظام «صافي القياس» إلى الحد الأقصى الذي حددته الحكومة – 1000 ميجاوات – بحلول عام 2030، وهو هدف قابل للزيادة، بحسب المادة رقم (3)، وكانت الحكومة قد حددت هدف ربط الألف ميجاوات في مؤتمر المناخ الذي عُقد بشرم الشيخ 2022، إلا أن منذ إطلاق «صافي القياس» في فبراير 2013، لم يصل إجمالي الطاقات المركبة سوى 25% فقط من هذه الحصة الطموحة.
يتضح من البيانات والتفاصيل المذكورة أعلاه بعض الأرقام والمقارنات الهامة التي يمكن تلخيصها في الجدول التالي:
| المقياس | التفاصيل |
|---|---|
| عدد شركات الطاقة الشمسية (سابقًا) | 250 شركة |
| عدد شركات الطاقة الشمسية (حاليًا) | 191 شركة مُرخصة |
| الحد الأدنى لنسبة المكون المحلي المطلوب | 25% من إجمالي التكلفة |
| نسبة المكون المحلي الفعلية (دراسة داخلية) | 35% من إجمالي التكلفة |
| هدف قدرة “صافي القياس” بحلول 2030 | 1000 ميجاوات |
| القدرة المركبة حاليًا بنظام “صافي القياس” | 25% من الهدف (250 ميجاوات) |
| سعر شراء الحكومة للكيلووات الفائض | 71 قرشًا |
| سعر بيع الحكومة للكيلووات للمستهلك | بأسعار التعريفة التقليدية |
تباطؤ النمو وعوامل مؤثرة
لا يختلف تباطؤ نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة بقطاع الطاقة الشمسية كثيرًا عن تأخر الحكومة في تحقيق مستهدفاتها من الطاقة النظيفة، والتي أجلت مواعيد تحقيقها أكثر من مرة، كما يُشير السلماوي، تعود بعض الأسباب إلى الأزمة الاقتصادية والتقلبات العنيفة في أسعار الصرف، مما رفع أسعار مدخلات الإنتاج وبالتالي تكلفة الوحدات الشمسية، ودفع ذلك عددًا من المستهلكين إلى العزوف ولو مرحليًا عن تركيب محطات للربط بنظام صافي القياس، بحسب عدد من المصادر بالقطاع من جمعية «سيدا»، والشركات، والسلماوي والسبكي.
يُضاف إلى ذلك تثبيت الحكومة لأسعار الكهرباء، وبالأخص قرار الحكومة في 2020 بتخفيض سعر الكهرباء للقطاع الصناعي وتثبيته لخمس سنوات انتهت منتصف العام الماضي، مما أثر سلبًا على الجاذبية الاقتصادية لنظام صافي القياس، بحسب السلماوي والسبكي وثلاثة مصادر أخرى من جمعية «سيدا»، في حديثهم لـ«أقرأ نيوز 24»، وبحسب المصادر، فإن الشريحة الأكبر من المشتركين بنظام صافي القياس هي المنشآت الصناعية والإدارية والتجارية، نظرًا للجدوى الاقتصادية الكبيرة، بينما يُمثل القطاع المنزلي الحصة الأصغر.
تطورات أسعار الكهرباء والتوجه نحو الطاقة النظيفة
دفعت انقطاعات التيار الكهربائي في البلاد، التي حدثت على خلفية نقص الوقود خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة، وما خلفته من استياء واسع بين المواطنين، الحكومة إلى تجميد زيادات أسعار الكهرباء لعامين، قبل أن تستأنف الزيادة مرتين في عام 2024، بينما يستمر تأجيل الزيادات المقررة للعام الماضي حتى الآن، مع توقعات بتطبيقها بداية يوليو القادم، في ظل وصول فاتورة استيراد الغاز الطبيعي، الوقود الأساسي الذي تعتمد عليه الكهرباء في مصر، إلى مستويات قياسية خلال العام الماضي، والمرشحة للزيادة هذا العام، هناك حاجة ماسة للتوسع في اللجوء إلى الطاقات النظيفة، وخاصة الطاقة الشمسية، التي تُعد الأرخص والأسرع في التنفيذ مقارنة بطاقة الرياح على سبيل المثال، بحسب السبكي والسلماوي ووزير البترول الأسبق، أسامة كمال.
الفرص الواعدة لقطاع الطاقة الشمسية في مصر
هذا التوسع في الطاقة الشمسية سيُسهم في خلق وفر دولاري كبير، كما أن وحدات الطاقة الشمسية الذاتية والصغيرة، كتلك التي يُتيحها نظام صافي القياس، لها تأثير إيجابي من ناحية عدم الضغط على شبكات توزيع الكهرباء، فحتى مع وجود فائض من محطة ما يُباع إلى الشبكة، يُنقل هذا الفائض إلى أقرب مستهلك لكهرباء الشبكة، ما يقلل الضغط من ناحية ويُقلص كميات الفاقد من الكهرباء الناجمة عن نقلها لمسافات أطول عبر الشبكة، بحسب السبكي والسلماوي.
يُعد التوقيت الحالي مثاليًا لقطاع الطاقة الشمسية الصغيرة والمتوسطة، بسبب استيعاب السوق وامتصاصه للزيادات في الأسعار التي تلت تحرير أسعار الصرف في 2024، فضلًا عن عودة الحكومة إلى زيادة أسعار الكهرباء، مما يعزز الجدوى الاقتصادية من وحدات الطاقة الشمسية، إلى جانب اقتراب تطبيق ضريبة الكربون «CBAM»، ما سيخلق طلبًا أكبر من جانب القطاعات المصدّرة إلى أوروبا على تدشين وحدات طاقة شمسية لتجنب الضريبة والحفاظ على تنافسيتها في السوق الأوروبي.
