
`
صراحة نيوز- انس الرواشدة
تُمثل مؤسسة الضمان الاجتماعي الأردني حجر الزاوية في توفير شبكة الأمان الاجتماعي للمواطنين، حيث تُشكل المبالغ المقتطعة من رواتب موظفي القطاع العام دعامة أساسية لمواردها التمويلية. هذه الاشتراكات، التي يُفترض بها أن تكفل للموظفين مستقبلاً كريماً بعد التقاعد، أو في حالات العجز والمرض، تواجه حالياً عقبات كبيرة أدت إلى تآكل قيمتها جزئياً، أو تأخير في صرف مستحقاتها، الأمر الذي يثير قلقاً مجتمعياً واسع النطاق. لذا، فإن استيعاب مسببات الخسائر التي تتعرض لها هذه الأموال، وبلورة خطط استباقية لمعالجة التحديات المستقبلية، يُعد ضرورة وطنية قصوى لضمان استدامة المؤسسة وتحقيق رسالتها السامية.
مصادر الإيرادات وأسباب الخسارة
تستمد مؤسسة الضمان الاجتماعي إيراداتها الأساسية من الاشتراكات الإلزامية التي تُخصم شهرياً من أجور العاملين وأصحاب العمل، إضافةً إلى العوائد الاستثمارية المُحققة من توظيف تلك الأموال. لكن الخسائر التي تواجهها هذه الأموال لا تقتصر على التحديات الاستثمارية المعروفة، بل تمتد لتشمل عوامل هيكلية، تشغيلية، وإدارية. من أبرز العوامل التي تسهم في تدهور قيمة الأموال، أو صعوبة إدارتها، هي التحديات الديموغرافية المتنامية التي يشهدها الأردن، حيث يتزايد النمو السكاني وارتفاع متوسط الأعمار، مما يؤدي إلى زيادة ملحوظة في أعداد المتقاعدين مقارنةً بعدد المشتركين النشطين. هذا الاختلال في التوازن بين المساهمين والمستفيدين يفرض ضغوطاً هائلة على النظام الاكتواري للمؤسسة، ويستدعي مراجعات دورية لنسب الاشتراكات وتواريخ الاستحقاق.
التحديات الاستثمارية وإدارة الأصول
تُمثل التحديات المرتبطة بالاستثمار واجهة أخرى للخسائر، حيث اتجهت المؤسسة تاريخياً نحو الأصول الآمنة نسبياً، مثل الودائع الحكومية والعقارات. إلا أن العوائد المحققة من هذه الاستثمارات غالباً ما تكون متدنية، ولا تتناسب مع معدلات التضخم أو طموحات تنمية رأس المال على المدى الطويل. في أحيان عديدة، تسببت القرارات الاستثمارية غير الموفقة أو غير المدروسة بعناية، لا سيما في فترات افتقرت للرقابة والحوكمة الفعالة، في خسائر مالية مباشرة. فضلاً عن ذلك، فإن بطء تحويل بعض الاستثمارات غير السائلة إلى نقد قد يؤدي إلى تجميد جزء من السيولة الضرورية لتلبية الالتزامات الفورية، مما يعطي انطباعاً بوجود عجز مالي رغم امتلاك المؤسسة لأصول إجمالية ضخمة.
تداعيات التهرب والتأخر في السداد
لا شك أن مشكلة التهرب والتأخر في سداد الاشتراكات تلعب دوراً سلبياً في تقويض الإيرادات المتوقعة، فعلى الرغم من الجهود الرقابية المبذولة، لا تزال هناك فجوة واضحة في تحصيل الاشتراكات المستحقة من بعض القطاعات التجارية، خاصةً من المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تعاني من تحديات اقتصادية. إن إهمال الشركات في تسديد الاشتراكات يؤدي إلى تأخر المؤسسة في تحقيق العوائد المرجوة من هذه المبالغ، وقد يتطلب الأمر في بعض الأحيان اتخاذ إجراءات قانونية طويلة ومكلفة لاستردادها. هذا التسرب المالي يفرض عبئاً إضافياً على الاشتراكات المنتظمة، ويهدد بذلك المبدأ الأساسي للتكافل الاجتماعي الذي يقوم عليه نظام الضمان.
استراتيجية معالجة التحديات: نهج متعدد الأبعاد
لمواجهة هذه التحديات الجسيمة، ووضع خطة شاملة لمعالجة المشكلات المستقبلية، لا بد من تبني نهج متعدد الأبعاد يركز على تحقيق الاستدامة المالية، وتطبيق الحوكمة الرشيدة، وتحديث آليات الإدارة. وتتمثل الخطوة الأولى والأكثر أهمية في إعادة تقييم شامل للسياسات الاكتوارية للمؤسسة، حيث يجب إجراء دراسات اكتوارية دورية، شفافة، ومستقلة، بهدف تحديد النسب المثلى للاشتراكات ومعدلات التقاعد المستهدفة، وذلك لضمان توازن الإيرادات والنفقات على مدى الخمسين عاماً القادمة. قد يستلزم ذلك مراجعة مرنة لسنوات الخدمة، أو وضع سقف محدد للراتب الخاضع للاشتراك، مع ضرورة إيجاد آليات تعويضية للقطاعات التي قد تتأثر بهذه التغييرات.
تحسين المحفظة الاستثمارية
يتوجب ثانياً تحسين المحفظة الاستثمارية للمؤسسة بشكل جذري، وذلك عبر تنويع الاستثمارات والابتعاد عن الاعتماد المفرط على الأصول ذات العوائد المنخفضة. ينبغي توجيه نسبة أكبر من الأموال نحو استثمارات استراتيجية تدعم الاقتصاد الوطني، وتُحقق عوائد مجزية، كالمشاريع الحيوية في البنية التحتية، أو الاستثمار في أسهم الشركات الكبرى ذات الأداء المستقر والنمو الواعد، مع تطبيق ضوابط صارمة لإدارة المخاطر، وتحديد سقف للمخاطرة المسموح بها. يجب أن تتكامل هذه الخطوة مع تعزيز كفاءة فرق إدارة الاستثمار، والاستفادة من الخبرات المالية الدولية لتقييم الفرص الاستثمارية الواعدة.
مكافحة التهرب والتأخير في السداد
ثالثاً، من الضروري تفعيل منظومة صارمة لمكافحة التهرب والتأخير في سداد الاشتراكات، وذلك من خلال الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، كالربط الإلكتروني الشامل بين دائرة ضريبة الدخل، المؤسسة، والضمان الاجتماعي، بهدف الكشف الفوري عن أي تلاعب في بيانات الرواتب، أو التخلف عن الإبلاغ. ينبغي أن تكون العقوبات المفروضة على المتخلفين رادعة، وأن تتضمن، عند اللزوم، إيقاف بعض التراخيص التجارية، أو تجميد الحسابات البنكية للمنشآت المتهربة، وذلك لضمان تسوية الالتزامات المستحقة للمتقاعدين في المستقبل.
تعزيز الشفافية والمساءلة
رابعاً، يتعين تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة المؤسسة، فبناء ثقة الموظفين بمستقبل مدخراتهم يتطلب إطلاعهم بشكل دوري ومفصل على كيفية استثمار أموالهم والنتائج المحققة، سواء كانت إيجابية أم سلبية. كما أن إنشاء هيئات رقابية مستقلة تتمتع بصلاحيات واسعة لمراجعة القرارات الاستثمارية والإدارية من شأنه أن يقلل من فرص اتخاذ القرارات الفردية غير المدروسة، ويضمن أن مصلحة المشترك تظل الهدف الأسمى.
في الختام، تُعد أموال الضمان الاجتماعي المقتطعة من موظفي القطاع العام بمثابة رأس مال مجتمعي ثمين لا يجوز التفريط فيه بأي حال من الأحوال. إن الخسائر التي تكبدتها المؤسسة، سواء كانت ناجمة عن الضغوط الديموغرافية، أو ضعف الحوكمة الاستثمارية، تتطلب تحركاً وطنياً عاجلاً ومسؤولاً. لذا، يجب أن تستند الخطة المستقبلية إلى أسس اكتوارية علمية متينة، واستثمارات ذكية تُدار بمخاطر محسوبة، بالإضافة إلى تطبيق قانوني صارم لمكافحة التهرب. فقط من خلال تبني هذه الإصلاحات المتكاملة والجريئة، يمكن ضمان استمرارية مؤسسة الضمان الاجتماعي كضامن حقيقي لعيش كريم ومستقر للأجيال الأردنية القادمة.
