
شهدت الفنانة السعودية زينب الماحوزي رحلة فنية استثنائية، حيث انتقلت بريشتها من عزلتها في القاعات الضيقة إلى فضاءات الشارع الواسعة، وذلك بهدف تمهيد الطريق للفنانات السعوديات لترك بصماتهن الفريدة على جدران الوطن. بدأت هذه الرحلة في كنف حرفة والدها، حيث نشأت موهبتها بشكل عفوي لم تخطط له، ونما شغفها كأحلام نمت بشكل تلقائي وجميل، لتصبح مسيرتها الفنية مزيجًا بين الأصالة، وتمثيل موروث القطيف، والمعاصرة من خلال فن الاستنسل جرافيتي. وقد اختارت زينب طريقًا أصعب، وحرصت على أن تنهض كالعنقاء من الرماد، لتجسد جدارياتها رؤية عميقة تتقاطع فيها خيوط المجتمع والتاريخ والمستقبل. بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، نتعمق في تجربة زينب الماحوزي الملهمة، ونستعرض مشهد الفن السعودي وتأثير البصمة النسائية في المملكة بنظرة جديدة.
عن البدايات والجذور
يقال إنه بالنسبة لكل فنان “البيت هو المرسم الأول”، هل كان لبيئتك الأسرية دور في تشكيل هويتك الفنية منذ عام 2009؟
أثار شغف والدي، رحمه الله، فضولي منذ المرحلة الابتدائية، فقد كان لديه مجموعة من الألوان والفُرش، ويحتفظ بها في خزانة خاصة بعد انتهائه من الرسم، ويقوم بالرسم على جدار الممشى الخارجي للمنزل، وكنت أراقبه وألعب بالألوان والأدوات، دون أن يدرك. لذا يمكن القول إنه ساهم في حبي للرسم من دون أن يشعر، وحتى من دون أن أشعر أنا، بل بشكل تلقائي بسبب ممارسته لهوايته. عندما كنت طفلة، انبهاري بوالدي الذي كان يصنع فنًا مذهلاً ازداد مع الزمن، وتحولت هذه المشاعر من انبهار إلى شغف. في عام 2006 اتخذت القرار بتعلم قواعد الفن بشكل احترافي، وشاركت في أولى مشاركاتي الفنية الرسمية في عام 2009.
تصفين نفسك بـ”العنقاء” التي تولد من جديد، ما هي اللحظة أو التجربة التي شعرتِ فيها بأنك وُلدتِ فنيًا من وسط الرماد لتصبحي ما أنت عليه اليوم؟
الإنسان دائمًا يمر بولادات جديدة، ويجب أن يكون مدركًا لذلك، وكذلك الفنان. واحدة من اللحظات الصعبة في مسيرتي كانت خلال مهرجان “RUSH 2023” في الرياض، الذي نظمته وزارة الثقافة، حيث اضطررت بعد يومين من العمل لترك جداريتي والذهاب إلى المدينة المنورة بسبب مرض والدي المفاجئ. بعد وفاته وعودتي لاستقبال العزاء، كان أمامي خياران، لكنني قررت العودة إلى الرياض بعد العزاء لإكمال ما بدأته. أنهيت العمل في يومين فقط، وقبل افتتاح المهرجان بساعات، وعلمتني تلك اللحظة أنه يجب علي عدم ترك الأمور في منتصفها، وأن الفن هو طريقي للنهوض من جديد.
لكِ مقولة قوية، وهي: “لا تنتظر التشجيع من أحد”. كيف ساعدكِ هذا المبدأ على الاستمرار عندما واجهتِ صعوبات في بداياتكِ؟
تواجد الصعوبات في أي رحلة هو أمر طبيعي، وهي تأتي بمستويات وأشكال مختلفة، لكن لا يمكننا ربط أهدافنا بمقدار التصفيق الذي نحصل عليه. لماذا لا نبدأ بإرضاء أنفسنا أولاً، قبل توقع تقدير الآخرين لنا. حتى إن لم يصفق لنا الآخرون، يجب أن نصفق لأنفسنا على إنجازاتنا، ونكون فخورين بما نقوم به، ونساند أنفسنا دائمًا.
الجرافيتي: حديث الفنان مع مجتمعه
لماذا اخترتِ فن “الإستنسل جرافيتي” (الرسم بالبخاخ والقوالب) ليكون بوابتك للجمهور؟ وهل ترين أنكِ فتحتِ باب مشاركة الفنانات السعوديات بهذا النوع من الفنون؟
أغراني تحدي فكرة “عدم قدرة الفتاة” على خوض مجالات معينة. كنت أول فنانة تمارس فن “الاستنسل جرافيتي” في المنطقة الشرقية بالمملكة، ومن ضمن أول “الباريستات” في مقهى القهوة المختصة. كان دافعي هو تجربة ما أرغب فيه، مع المحافظة على هويتي المجتمعية. أعتقد أن تجربتي ساعدت العديدين على فهم هذا الفن وتقبله كأداة تعبير راقية.
قلتِ إنكِ تريدين تصحيح “الفهم الخاطئ” لفن الشارع. برأيك، متى يتحول الجرافيتي من “تشويه بصري” إلى “رسالة توعوية وجمالية”؟ وأيّة مهارات وصفات شخصية يتطلبها هذا النوع من الفن؟
السر في “تزامن الحدث”، فعلى سبيل المثال، بعد فوز المنتخب السعودي على الأرجنتين في مونديال 2022، شعر الجميع بسعادة غامرة، وحتى اليوم لا زلنا نسترجع تلك اللحظة. نظرا لأهمية تلك اللحظة في تاريخ كرة القدم السعودي، قررت توثيقها بجدارية في حي “الخضيرة” بالقطيف بعنوان “نحن مَن نصنع التاريخ”. تزامن الحدث يجذب جمهورًا أكبر، خصوصًا حين يكون الفن في الشارع، مما يحول المكان إلى “غاليري” فني مفتوح يمكن للجميع التفاعل معه. بهذا تتكسر فكرة أن “الجرافيتي” تشويه للمكان، بل يتحول إلى حوار بين الفنان والمجتمع. عند وجود رسالة جمالية، بينما تعتمد الرسالة التوعوية على الذكاء في اختيار الموقع، كما في جدارية “عامل النظافة” في الكورنيش، التي تتحدث للناس بصمت بليغ.
محطات وإنجازات
فوزكِ بجائزة القطيف للإنجاز في مجال الفن التشكيلي كان أول فوز في مسيرتكِ، ماذا غيّرت هذه الجائزة في نظرة “زينب الماحوزي” لنفسها كفنانة واعدة؟
منحتني تلك الجائزة شعورًا جميلًا بأنني مقدرة من منطقتي “القطيف”، وحتى الآن لا أستطيع نسيان حفاوة الناس ومعايدتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. أدركت عندها أن الفنان، عندما يسعى لتقديم فن جميل ويحب ما يفعله، يستطيع أن يجعل الآخرين يقدّرون جهوده. شعرت حينها بأن فني أصبح مرئيًا، ورسالتي مسموعة، وأن الاحتفاء المحلي له وقع خاص بغض النظر عن قيمة الجوائز الأخرى.
تنقلتِ بين معارض شخصية وجماعية، أيّة محطة منها تشعرين بأنها كانت “القفزة الحقيقية” في مسيرتكِ؟
كانت هناك عدة قفزات مؤثرة في رحلتي، من بينها ثلاث: الأولى كانت معرضي الشخصي الأول “فواصل” عام 2013، حيث قدّمت تكنيك “الإستنسل جرافيتي” الحديث لأول مرة في القطيف، مما جذب انتباه الوسط الفني. الثانية كانت في عام 2017، عندما أنجزت أول جدارية لي في الشارع. والثالثة كانت في عام 2022، حين شاركت في تحدي مهرجان فن الجداريات “Shift 22” بمستشفى عرقة في الرياض، حيث أنجزت عمل “استنسل” ضخماً بطول 7 أمتار وعرض 10 أمتار وسافرت به إلى الرياض.
سحر الماضي في قالب عصري
نلاحظ تأثركِ الواضح بحقبات الماضي في معارضكِ، ما الذي يجذبكِ في جماليات تلك الحقبات لتدمجيها مع فن الشارع الحديث؟
تتميز حقبات الماضي ببساطتها، إذ لم تكن تحكمها المظاهر أو ما يُسمّى “التقليد الأعمى” الذي نراه اليوم. كل شيء كان يحمل قيمة كبيرة، كرسالة ورقية منتظرة من المحبين. رغم امتلاكنا للتكنولوجيا الحديثة، نفقد شيئًا كبيرًا من أجواء الماضي. بالنسبة لي، جزء منّي يعيش في الحاضر والمستقبل، لكن الآخر يشعر بأنه خُلِق في عبق الكلاسيكيات القديمة.
المرأة كمصدر إلهام
بمناسبة يوم المرأة، كيف ترَين اليوم مشاركة المرأة السعودية في قطاع الفنون عامة وفن الجرافيتي بشكل خاص؟ ومَن مِن الفنانات السعوديات ألهمتكِ في مسيرتك وتأثرتِ بفنها؟
إبداع المرأة دائمًا ينبع ويضفي لمسة مبهرة على كل ما تصنعه، وهذا ينطبق على نساء المملكة. أؤمن بدور المرأة في الحراك الفني والثقافي، ولدينا العديد من النماذج المشرفة من الفنانات اللواتي قدن هذا الحراك، بالإضافة إلى الأسماء الجديدة الواعدة التي تتجلى كل يوم. بفضل دعم وزارة الثقافة وهيئة الفنون البصرية، تم تسليط الأضواء مؤخرًا على فنون الجرافيتي، مما ساعد في ازدهار الثقافة الفنية في الشارع.
حدثينا عن أعمال كانت المرأة مصدر إلهام لكِ فيها؟ وما الصورة التي تحبين لفنكِ أن ينقلها عن المرأة السعودية؟
اتصال المرأة بعالمها الروحي هو ما أحب تصويره، كتجسيد حدسها وقدرتها على الشعور بأشياء قبل حدوثها في لوحة “بوصلة القلب”، أو رؤيتها الخاصة للتمور ككنوز تَرِثها من أجدادها في إحدى اللوحات، أو حتى بطلتها التخيلية في قصص السفر عبر الزمن في لوحة “ذات”. كما ألهمتني صفات الرحمة والعطف في جدارية “روح من نور”، والتي قدّمتها في مهرجان “Shift 22”. أحب أيضًا تسليط الضوء على جداتنا وارتدائهن للعباية والردا القطيفي التقليدي للحفاظ على هذا الموروث الجميل للأجيال القادمة. وبمناسبة هذا اليوم، إليكم مجموعة كلمات تعبّر عن امتنان وفخر المرأة القوية والمسؤولة في يومها العالمي.
