«قضية مصيرية على طاولة النقاش» عدلي قندح يستعرض أبعاد رفع سن التقاعد وتأثيراته المحتملة

«قضية مصيرية على طاولة النقاش» عدلي قندح يستعرض أبعاد رفع سن التقاعد وتأثيراته المحتملة

أثار إعلان المجلس الاقتصادي والاجتماعي في مطلع شباط 2026، والذي كشف عن نتائج الحوار الوطني حول التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، نقاشاً واسعاً ومحموماً في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية، وقد تضمن هذا النقاش ما “طرحه عطوفة الدكتور عدلي قندح من تحليل اقتصادي حول رفع سن التقاعد في الأردن”. تهدف هذه التعديلات الجوهرية إلى رفع سن تقاعد الشيخوخة بشكل تدريجي، إضافة إلى تشديد شروط التقاعد المبكر ورفع الحد الأدنى لفترات الاشتراك اللازمة لاستحقاقه. ويأتي هذا التوجه كاستجابة مباشرة وحتمية لنتائج الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة التي أعدتها المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، والتي حذّرت بوضوح من تحديات مالية متزايدة على المدى المتوسط والطويل، إذا ما استمر العمل بالقواعد الحالية دون إصلاحات هيكلية.

التعديلات المقترحة على سن التقاعد

تتمحور هذه التعديلات حول الرفع التدريجي لسن تقاعد الشيخوخة لتصبح على النحو التالي:

الفئةسن التقاعد الحاليسن التقاعد المقترح (تدريجياً)
الذكور60 عاماً63 عاماً
الإناث55 عاماً58 عاماً

بالإضافة إلى ذلك، سيتم تشديد شروط التقاعد المبكر ورفع الحد الأدنى لفترات الاشتراك اللازمة لاستحقاقه، بهدف معالجة الضغوط المالية المتزايدة على صندوق الضمان الاجتماعي.

تحدي التقاعد المبكر وأثره على الصندوق

تشير البيانات الاكتوارية إلى أن أحد أبرز مصادر الضغط المستمر على صندوق الضمان الاجتماعي يتمثل في الانتشار الواسع لظاهرة التقاعد المبكر، حيث يغادر عدد كبير من المشتركين سوق العمل في سن ما تزال ضمن سنوات الإنتاج والعطاء، وهذا الخروج المبكر يؤدي إلى تقليص ملحوظ في عدد سنوات الاشتراك وتزايد مستمر في عدد سنوات صرف الرواتب التقاعدية، الأمر الذي يخلق فجوة متنامية وخطيرة بين الإيرادات التأمينية والالتزامات المستقبلية. وبحسب تقديرات متداولة في الدراسات الوطنية، فإن متوسط فترة تقاضي راتب التقاعد قد تصل إلى ما بين 15 و17 عاماً، وهو ما يضاعف العبء المالي بشكل كبير في حال انخفاض سن الخروج من سوق العمل.

تأثير رفع سن التقاعد على سوق العمل

من زاوية سوق العمل، فإن تطبيق رفع سن التقاعد يعني إطالة فترة بقاء العاملين في وظائفهم لثلاث سنوات إضافية للذكور وثلاث سنوات للإناث، مقارنة بالقانون النافذ، وهذا التغيير يقلل من عدد الداخلين الجدد إلى صفوف المتقاعدين سنوياً، ويخفف بالتالي الضغط على صندوق الضمان من جهة، وعلى المالية العامة من جهة أخرى. وفي الوقت ذاته، فإن بقاء ذوي الخبرة في سوق العمل لفترة أطول قد يساهم في رفع متوسط الإنتاجية في بعض القطاعات الحيوية، خاصة تلك التي تعتمد على التراكم المعرفي مثل التعليم والصحة والإدارة العامة. غير أن هذا الأثر الإيجابي يبقى مشروطاً بقدرة سوق العمل على استيعاب الفئات العمرية الأكبر عبر برامج تدريب وتحديث مهارات فعالة، خصوصاً في القطاعات ذات الطابع التكنولوجي المتسارع.

الفوائد المالية المباشرة لرفع سن التقاعد

على الصعيد المالي البحت، يؤدي رفع سن التقاعد إلى نتيجتين مباشرتين يمكن قياسهما رقمياً بدقة: الأولى هي زيادة عدد سنوات الاشتراك، مما يعني تدفقات نقدية إضافية ومستقرة إلى الصندوق، والثانية هي تقليص عدد سنوات صرف الرواتب التقاعدية لكل مشترك. هذان العاملان مجتمعان يسهمان بفاعلية في تحسين مؤشرات الاستدامة المالية ورفع الملاءة الاكتوارية للصندوق، وهو الهدف الأساسي الذي تستند إليه التعديلات المقترحة. وتشير التقديرات إلى أن أي تأخير في سن التقاعد بثلاث سنوات ينعكس بشكل ملموس على تخفيض العجز المستقبلي المتوقع، ويؤخر النقطة الزمنية التي قد تتساوى فيها الإيرادات مع النفقات، مما يعزز استقرار الصندوق على المدى الطويل.

الأبعاد الاجتماعية وضرورة الانتقال السلس

رغم وجاهة المبررات الاقتصادية، يظل البعد الاجتماعي عاملاً حاسماً في تقييم هذه التعديلات، فالتغيير في قواعد التقاعد يؤثر بشكل مباشر على خطط الأفراد الحياتية، لا سيما أولئك الذين اقتربوا من سن الاستحقاق. لذلك، فإن مسألة حماية الحقوق المكتسبة والفترات الانتقالية الواضحة ليست تفصيلاً إجرائياً بسيطاً، بل شرطاً أساسياً وجوهرياً للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وضمان قبول مجتمعي معقول للإصلاحات. وتشير التوجهات المعلنة إلى أن التطبيق الفعلي للتعديلات، في حال إقرارها تشريعياً، قد يبدأ في منتصف عام 2026 أو مطلع 2027، مع مراعاة أوضاع المشتركين الذين استوفوا شروط التقاعد قبل نفاذ القانون، لضمان عدالة التطبيق.

أهمية الحوكمة والشفافية في إدارة الضمان الاجتماعي

في موازاة النقاش الاقتصادي، برزت قضية الحوكمة وإدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي كعنصر لا يقل أهمية عن مسألة سن التقاعد نفسها، فقد أُثيرت تحفظات جدية، من بينها ما طرحته حول هيكلية الإدارة وتركيز الصلاحيات مقالي المنشور بتاريخ بعنوان ……، خاصة في ظل رئاسة محافظ البنك المركزي لمجلس إدارة الضمان الاجتماعي. هذه التحفظات تعكس مخاوف مشروعة تتعلق بتضارب المصالح وضعف الفصل بين الأدوار الرقابية والتنفيذية، وهي مخاوف تكتسب ثقلاً أكبر عندما يتعلق الأمر بأكبر صندوق ادخاري للمواطنين الأردنيين.

تشير التجارب الدولية إلى أن نجاح أي إصلاح في أنظمة التقاعد لا يعتمد فقط على صحة الأرقام الاكتوارية ودقتها، بل يعتمد بشكل أساسي على مستوى الثقة العامة في الجهة التي تدير الأموال. وفي الأردن، هناك ثقة كبيرة بإدارة الضمان وأموال الضمان، نظراً للكفاءات والكوادر الأردنية المسؤولة التي تشرف على هذا الصندوق الحيوي. فغياب الشفافية أو ضعف المساءلة يمكن أن يقوّض أي تعديل تشريعي، مهما بلغت دقته الفنية وإحكامه، ومن هذا المنطلق، فإن معالجة الاختلالات الإدارية وتعزيز استقلالية الحوكمة يمثلان شرطاً موازياً وحتمياً لأي قرار برفع سن التقاعد أو تقييد التقاعد المبكر.

مقاربة شاملة لإصلاح الضمان الاجتماعي

وبالتالي، يمكن القول إن رفع سن التقاعد في الأردن يستند إلى معطيات اقتصادية واكتوارية حقيقية وضرورية تهدف إلى حماية استدامة صندوق الضمان الاجتماعي وتعزيز ملاءته المالية، غير أن تحويل هذا الخيار إلى إصلاح ناجح ومستدام يتطلب مقاربة شاملة ومتكاملة تأخذ في الحسبان أثره على سوق العمل، والعدالة بين الأجيال، ومستوى الثقة بإدارة المؤسسة. فالإصلاح الذي يوازن بذكاء بين الأرقام والحوكمة، وبين الاستدامة المالية والاستقرار الاجتماعي، هو وحده القادر على تحقيق هدفه المنشود دون كلفة اجتماعية مرتفعة وغير مقبولة.

رؤية الدكتور عدلي قندح: إصلاح شامل ومتوازن

إن التحدي الحقيقي من خلال النقاش الدائر حول رفع سن التقاعد، لا يكمن في القرار بحد ذاته فحسب، بل في كيفية تنفيذه وفي الإطار المؤسسي القوي والشفاف الذي يُدار من خلاله، فالمعطيات الاكتوارية التي استند إليها الطرح، كما أوضح الدكتور عدلي قندح، تشير بوضوح إلى أن استمرار العمل بالقواعد الحالية، لا سيما التوسع في التقاعد المبكر، يفرض ضغوطاً مالية متزايدة وخطيرة على صندوق الضمان الاجتماعي ويهدد استدامته على المدى الطويل. هذه القراءة تستند إلى أرقام واقعية تتعلق بتراجع سنوات الاشتراك مقابل ازدياد سنوات صرف الرواتب التقاعدية، وهي معادلة لا يمكن تصحيحها دون تدخل تشريعي مدروس وشجاع.

ويُحسب للدكتور عدلي قندح أنه لم يتعامل مع رفع سن التقاعد بوصفه إجراءً محاسبياً ضيقاً ومجرداً، بل قدّمه ضمن حزمة حلول متكاملة ومترابطة تراعي الأبعاد الاقتصادية، ومتطلبات سوق العمل، ومعايير العدالة الاجتماعية، فقد ربط ببراعة بين رفع سن التقاعد وضبط التقاعد المبكر من جهة، وبين الحاجة الملحة إلى إبقاء الكفاءات والخبرات في سوق العمل لفترة أطول من جهة أخرى، مع التأكيد على أن هذا التوجه يجب أن يترافق مع برامج تدريب وتأهيل مستمر لضمان الحفاظ على الإنتاجية والتنافسية، خصوصاً للفئات العمرية الأكبر، مما يعزز الاقتصاد الوطني ككل.

في المحصلة، فإن ما طرحه عطوفة الدكتور عدلي قندح يشكل مقاربة متوازنة تجمع بين ضرورات الإصلاح الاكتواري ومتطلبات العدالة الاجتماعية وسوق العمل، وإذا ما جرى البناء على هذه الرؤية الشاملة، إلى جانب تعزيز الحوكمة الرشيدة والشفافية الكاملة في إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي، فإن رفع سن التقاعد يمكن أن يتحول من إجراء مثير للجدل إلى خطوة إصلاحية حيوية قابلة للاستدامة وتحظى بقبول أوسع لدى المؤمن عليهم والرأي العام، مما يضمن مستقبل مالي آمن للجميع.

* المدير العام مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

[email protected]