قمة طاقة المستقبل تكشف استثمارات ضخمة ورؤى جديدة للتحول الأخضر العالمي

قمة طاقة المستقبل تكشف استثمارات ضخمة ورؤى جديدة للتحول الأخضر العالمي

انطلقت فعاليات الدورة الثامنة عشرة من القمة العالمية لطاقة المستقبل، أحد أبرز محاور أسبوع أبوظبي للاستدامة، لتؤكد أن التحول الشامل في قطاع الطاقة لم يعد مجرد التزام مناخي، بل بات مشروعًا اقتصاديًا متكاملًا يُعاد من خلاله صياغة سلاسل الإمداد العالمية، وأنماط الاستثمار الجديدة، وأطر الشراكة بين الدول.

ومنذ ساعاتها الأولى، حملت القمة رسائل واضحة ومباشرة: فالطاقة النظيفة غدت بنية تحتية استراتيجية بالغة الأهمية، والهيدروجين الأخضر في طريقه ليصبح العملة الأساسية للمرحلة المقبلة، في حين لم تعد قضايا الطبيعة والتنوع البيولوجي شأنًا بيئيًا ثانويًا، بل تحولت إلى عنصر مؤثر وحيوي في استقرار الاقتصادات والأسواق العالمية.

الهيدروجين الأخضر… حجر الأساس في التحول

افتتحت ديته يول-يورجنسن، المديرة العامة لإدارة الطاقة في المفوضية الأوروبية، فعاليات اليوم الأول بكلمة رئيسية ركزت على الدور المحوري للهيدروجين ضمن مسار التحول الطاقي الأوروبي، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي ينظر إلى الهيدروجين منخفض الكربون باعتباره ركيزة لا غنى عنها لتحقيق الحياد المناخي وخفض الانبعاثات الكربونية.

وأوضحت أن الإطار القانوني الذي وضعه الاتحاد الأوروبي لدعم إنتاج الهيدروجين عالميًا يفتح آفاقًا واسعة أمام دول مجلس التعاون الخليجي، مشيرة إلى أن برنامج “توصيل أوروبا للطاقة” – المخصص لتمويل شبكات الطاقة العابرة للحدود – مرشح للارتفاع بمقدار خمسة أضعاف، في مؤشر واضح على حجم التحول في أولويات الاستثمار الأوروبية.

ومع استمرار المفاوضات بين الجانبين، وصفت يول-يورجنسن التعاون الأوروبي – الخليجي بأنه “ضرورة متبادلة”، مؤكدة أن بناء إطار تجاري واستثماري طموح ومستقر من شأنه إطلاق موجة جديدة من الاستثمارات الخاصة، لا سيما في المواد الخام الحيوية اللازمة لتطوير التقنيات الخضراء وسلاسل الإمداد المستقبلية.

وعلى المنصة ذاتها، كشفت لوسي بيرجر، سفيرة بعثة الاتحاد الأوروبي لدى دولة الإمارات، أن الإمارات تُعد الشريك الاستثماري الأول للاتحاد الأوروبي في المنطقة، وأكدت أن المرحلة المقبلة تحمل فرصًا أكبر، مع إمكانية إبرام اتفاقيات شراكة استراتيجية واتفاقيات تجارة حرة مع دول الخليج، بما يعزز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة، والهيدروجين، وتقنيات الطاقة النظيفة.

الهيدروجين الأخضر قد يجذب تريليونات الدولارات

وفي جلسة نظمها مشروع “التعاون من أجل التحول الأخضر” بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون، أوضح محمد عبد القادر الرمحي، الرئيس التنفيذي لإدارة الهيدروجين الأخضر في “مصدر”، أن الاستثمارات المتبادلة بين الإمارات والاتحاد الأوروبي مرشحة للارتفاع لتصل إلى تريليونات الدولارات على المدى الطويل.

وأشار إلى تقديرات البنوك الدولية التي تتوقع أن يتجاوز الاستثمار العالمي في الهيدروجين الأخضر وحده 11 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2040، ما يعكس التحول الجذري في خريطة الطاقة العالمية.

البيان القيمة/التقدير
ارتفاع تمويل برنامج “توصيل أوروبا للطاقة” من 6 مليارات يورو إلى 30 مليار يورو (5 أضعاف)
الاستثمارات المتبادلة بين الإمارات والاتحاد الأوروبي نحو 328 مليار يورو
الاستثمار العالمي المتوقع في الهيدروجين الأخضر بحلول 2040 أكثر من 11 تريليون دولار أمريكي
نسبة سكان الإمارات الذين يستخدمون النقل العام بسبب صعوبة الوصول 33%
نسبة الناتج المحلي الإجمالي العالمي المعتمد على الطبيعة والتنوع البيولوجي 50%

التنقل المستدام… فجوة الوصول وتحدي التكامل

وفي محور التنقل الكهربائي، كشفت إيلورا-جولي باريك، الرئيس التنفيذي لشؤون الاستدامة في مجموعة الفطيم، عن نتائج ورقة بحثية حديثة أظهرت أن 33% من سكان الإمارات يستخدمون وسائل النقل العام بسبب صعوبات الوصول، داعية إلى تبني نهج متكامل يعالج تحديات البنية التحتية، والتخطيط الحضري، والعدالة في الوصول إلى خدمات التنقل المستدام.

الطبيعة تدخل معادلة الاقتصاد

في جلسة عكست اتساع مفهوم الاستدامة، شددت مارينا أنتونوبولو، الرئيسة التنفيذية لشؤون المناخ والحفاظ على الطبيعة في جمعية الإمارات للطبيعة بالتعاون مع الصندوق العالمي للطبيعة، على أن التكيف مع تغير المناخ في المنطقة يتطلب حلولًا مبتكرة تراعي الخصوصية البيئية الفريدة لدول الخليج.

وأشارت إلى أن نماذج الحفاظ على المساحات الخضراء في مدن عالمية مثل نيويورك ولندن لا يمكن استنساخها حرفيًا في الخليج، مؤكدة أن مبادرات محلية مثل استعادة أشجار المانجروف في أبوظبي، أو حماية مسارات هجرة الطيور في دبي، تمثل نماذج قادرة على تحقيق التوازن الأمثل بين التنمية والبيئة.

رسم ممرات الطاقة

وفي جلسة حوارية مع الإعلامي ريتشارد دين، وصف تريفور دوشارم، الرئيس التنفيذي لشركة “جلوبال سي إم إكس”، اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات وأستراليا بأنها نقطة تحول مفصلية في ممر الطاقة بين البلدين، مؤكدًا أنها تمهد الطريق لاستثمارات بمليارات الدولارات في قطاع الطاقة المتجددة.

وأشار إلى أن القمة العالمية لطاقة المستقبل 2026 تمثل أول منصة عالمية تجمع الجهات المعنية بعد التصديق على الاتفاقية في نوفمبر 2025، مما يمنحها أهمية خاصة في تحويل هذه الاتفاقيات إلى مشاريع فعلية وملموسة على أرض الواقع.

الطبيعة كأصل استثماري

وخلال مؤتمر الطريق إلى 1.5 درجة مئوية، حذر عمر شيخ، الشريك المؤسس لمبادرة التمويل الأخلاقي العالمية، من أن تدهور النظم البيئية يشكل مخاطر مباشرة على الاقتصادات وسلاسل الإمداد العالمية، مشيرًا إلى أن نحو 50% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي يعتمد بشكل مباشر على الطبيعة والتنوع البيولوجي.

وأكد مشاركون من بنك HSBC وجامعة نيويورك أبوظبي، على ضرورة معاملة النظم البيئية الساحلية كبنية تحتية وطنية حيوية، داعين إلى تطوير نماذج مالية مبتكرة تعكس القيمة الحقيقية للطبيعة والخدمات التي تقدمها.

الطاقة المتجددة والصناعة

وفي إطار يوم الابتكار لدى الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا)، ناقشت جلسة “دمج الطاقة المتجددة من أجل قطاعات تنافسية” دور اتفاقيات شراء الطاقة طويلة الأجل (PPAs) في تمكين الصناعات من التحول إلى الكهرباء الخضراء بأسعار مستقرة، مع التركيز على مشاريع الرياح والطاقة الشمسية وإنتاج الميثانول في عُمان والسعودية والمغرب.

وأكد خبراء الجلسة أن تمديد مدة هذه الاتفاقيات يعزز من قابليتها للتمويل ويجذب مستثمرين صناعيين كبار، مما يسهم بشكل فعال في تسريع وتيرة التحول الصناعي نحو اقتصاد منخفض الكربون.