كائنات بحرية تتحدى الشيخوخة أسرار الحياة الأبدية

كائنات بحرية تتحدى الشيخوخة أسرار الحياة الأبدية

قد يبدو الخلود حلمًا بعيد المنال، لكن قنديل البحر الخالد يمتلك القدرة على العودة بالزمن إلى مراحل حياته السابقة، ليتفادى الموت ويقاوم ضغوط البيئة المحيطة. صورة من: Kim Jens Bauer/PantherMedia/IMAGO

منذ الأزل، استحوذ سر الشباب الدائم على أذهان البشر، وتحول إلى هدف يسعون إليه جاهدين، ورغم المحاولات المضنية لإبطاء الشيخوخة والحفاظ على النضارة، لم يتمكن الإنسان من تحقيق إنجازات كبيرة في هذا المجال، فكل ما استطاع فعله هو إطالة العمر أو تأخير ظهور علامات التقدم في السن لبضع سنوات.

أما الرقم القياسي لأطول عمر موثق لإنسان، فهو من نصيب الفرنسية جين لويز كالمينت، التي عاشت 122 عامًا و164 يومًا، وذلك وفقًا لموسوعة غينيس للأرقام القياسية.

لكن، في عالم البحار، توجد كائنات حية نجحت في تحقيق ما لم يستطع الإنسان تحقيقه، إذ تمكنت من العيش لمئات السنين، بل وحتى الخلود إلى الأبد، وذلك بفضل أسرار جينية فريدة وحيل طبيعية مذهلة.

هذه الكائنات البحرية تمتلك آليات دفاعية مذهلة تمكنها من مواجهة تحديات الحياة، والتغلب على عوامل الشيخوخة، مما يثير فضول العلماء ويدفعهم إلى البحث عن أسرارها، أملاً في الاستفادة منها في تطوير علاجات وأساليب لإطالة عمر الإنسان وتحسين صحته.

أسماك قرش غرينلاند: أعمار مديدة في أعماق البحار

تتميز أسماك قرش غرينلاند بأعمارها الطويلة التي قد تصل إلى 500 عام، ويعود ذلك إلى قدرتها الفائقة على إبطاء وتيرة حياتها، وإطالة كل مرحلة من مراحل نموها.

فسمك قرش غرينلاند لا ينمو بسرعة، ويستغرق وقتًا طويلاً جدًا للوصول إلى مرحلة النضج الجنسي، إذ يصبح بالغًا في عمر يتراوح بين 120 و150 عامًا، أما فترة الحمل لديه فتستمر ما بين 8 و18 عامًا، وذلك بحسب صحيفة فرانكفورتر روندشاو.

ووفقًا لمنظمة أوشيانا الدولية، وهي منظمة تعمل على حماية المحيطات والحياة البحرية، اكتشف العلماء أنثى قرش غرينلاند يبلغ عمرها 400 عام، مما يجعلها أقدم حيوان فقاري حي على وجه الأرض، وهذا الاكتشاف يثير تساؤلات جديدة حول آليات الشيخوخة وكيفية إبطائها.

الكركند: ترميم الكروموسومات للحفاظ على الشباب

تقترح نظرية الجذور الحرة للشيخوخة أن تراكم التلف في الجزيئات الخلوية الكبيرة، الناتج عن أنواع الأكسجين التفاعلية، هو السبب الرئيسي للشيخوخة، وهو ما يؤدي إلى ظهور علامات التقدم في السن مثل ابيضاض الشعر وترهل الجلد والأنسجة عند معظم الكائنات الحية.

لكن، يبدو أن كركند البحر يمتلك القدرة على التغلب على هذه العوامل، إذ يصبح أكثر خصوبة وشبابًا كلما تقدم في العمر، وذلك لأنه قادر على تجديد بعض كروموسوماته بنفسه، فالكروموسومات تلعب دورًا حيويًا في الحفاظ على صحة الخلايا، وتآكلها يسبب الشيخوخة.

ويموت كركند البحر في حالة واحدة فقط، وهي عند حدوث خلل أو خطأ في عملية انسلاخ جلده، هذه العملية ضرورية لنمو الكركند وتطوره، وأي مشكلة فيها قد تؤدي إلى وفاته.

قنديل البحر الخالد: سر الحياة الأبدية

قنديل البحر من نوع توريتوبسيس دورني ليس فقط لا يُصاب بالشيخوخة، بل إنه لا يموت أبدًا، ولهذا أُطلق عليه لقب “الخالد”، وحتى اليوم، لا يوجد سوى نوع واحد على وجه الأرض يعتبر خالدًا بيولوجيًا، وذلك بحسب الأكاديمية الأسترالية للعلوم، وهذا النوع هو قنديل البحر توريتوبسيس دورني.

يكمن السر وراء هذه القدرة الفريدة في قدرة قنديل البحر هذا على العودة إلى مرحلة عمرية سابقة من حياته، إذ يبدأ حياته ببويضة مخصبة، ثم يتحول إلى يرقة تسمى البلانولا، ثم تلتصق هذه اليرقة بسطح ما لتصبح بوليبًا ينمو في مستعمرة صغيرة.

بعد ذلك، تتكون النتوءات أو الأجزاء المنفصلة التي تتطور إلى الإيفيرا (قنديل صغير)، ثم الميدوسا البالغة القادرة على التكاثر الجنسي، وهذه المرحلة تمثل نهاية المطاف بالنسبة لأنواع قناديل البحر الأخرى.

لكن، قنديل البحر الخالد يبقى على قيد الحياة لأنه يعود إلى كتلة نسيجية صغيرة تتحول بدورها إلى مرحلة السليلة غير الناضجة جنسيًا عندما يتعرض للإجهاد البيئي، مثل الجوع أو الإصابة، هذه القدرة المذهلة تسمح له بتجاوز الظروف الصعبة والاستمرار في الحياة.

والحالة الوحيدة التي يموت فيها قنديل البحر الخالد هي افتراسه من قبل كائنات أخرى، أو عندما يُقتل بطريقة ما، فبالرغم من قدرته على تجديد نفسه، إلا أنه لا يزال عرضة للمخاطر الخارجية.

الهيدرا: تجديد مستمر للشباب الدائم

الهيدرا هي كائن بحري يتميز بجسم أنبوبي وفم مُحاط بمخالب في أحد طرفيه، وقدم لاصقة في الطرف الآخر، وتعيش في المياه العذبة والأنهار، وتستخدم مخالبها لاصطياد فرائسها، وذلك وفقًا للأكاديمية الأسترالية للعلوم.

يكمن سر الهيدرا في الحفاظ على الشباب الدائم في قدرة خلاياها الجذعية على تجديد نفسها ذاتيًا وبصورة لا نهائية، وذلك بسبب جينات محددة تتمتع بها، وموجودة أيضًا في الديدان والبشر، ووظيفتها تنظيم مدة حياة الخلايا.

هذه الجينات تلعب دورًا حيويًا في الحفاظ على صحة الخلايا وتجديدها، مما يسمح للهيدرا بالبقاء شابًا وقويًا على الدوام، وهذا الاكتشاف يفتح آفاقًا جديدة في مجال أبحاث الشيخوخة وإمكانية تطوير علاجات للحفاظ على الشباب.

تحرير:ع.ج.م

هذا المقال لا ينتمي لأي تصنيف.