
وسط أجواء من الغموض أحاطت بمستقبل زيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين في القطاع العام، انعقدت جلسة مجلس الوزراء التي تضمنت على جدول أعمالها ثلاثين بندًا، أبرزها مقترحات وزارة المالية المتعلقة بتصحيح الرواتب والأجور للعاملين في القطاع العام، وذلك في ظل التحديات الاقتصادية والمالية الراهنة، بالإضافة إلى مناقشة مشروع مرسوم يهدف إلى منح مساعدة مالية شهرية للعسكريين في الخدمة الفعلية والمتقاعدين، بهدف تحسين ظروفهم المعيشية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي داخل المؤسسات العسكرية.
سبق هذه الجلسة الكثير من التكهنات والتأويلات، حيث لم تحسم الحكومة مسبقًا طبيعة الزيادة المزمع تقديمها لموظفي القطاع العام والمتقاعدين. تباينت المقترحات بين زيادات تتراوح من 4 إلى 6 رواتب، وبين صرف الزيادات عبر بطاقات ائتمانية مخصصة للشراء والدفع الإلكتروني، وصولًا إلى مطالبات بإعادة الرواتب إلى مستوياتها قبل عام 2019، وهو ما يعني منح 17 راتبًا في المرحلة الأولى وتقسيط الباقي، وعليه، ترقب الموظفون والمتقاعدون نهاية الجلسة وهم على قناعة تامة بأن مخرجاتها ستكون سلبية، ومستعدون لخيار التصعيد.
زيادة الرواتب التدريجية والرفض النقابي
تحت مسمى “الزيادة التدريجية”، وافق مجلس الوزراء على رفع الرواتب بواقع ستة رواتب إضافية، وهو قرار قوبل بالرفض الشديد من قبل الموظفين والمتقاعدين الذين يرون أن قضية الرواتب لا يمكن معالجتها بزيادات طفيفة متفرقة. وفي هذا السياق، صرح إبراهيم نحّال، عضو الهيئة الإدارية لرابطة موظفي الإدارة العامة، بأن “الرواتب الستة المضافة غير كافية، فالأمر لا يتعلق بزيادة 100 دولار على الراتب أو أكثر أو أقل، بل هو يمس كرامة الموظف والمتقاعد وحياة كريمة ومستقبل الوظيفة العامة”، منددًا بسياسة التسويف والمماطلة التي تمارسها السلطة السياسية إزاء حقوق الموظفين والمتقاعدين بذريعة الحاجة إلى دراسات إضافية حول الزيادة.
وأضاف نحّال في تصريح لـ”المدن” أن الزيادة بواقع ستة رواتب تعني أن الموظفين أصبحوا يحصلون على 19 راتبًا إجماليًا، مما يمثل استعادة 35% فقط من قيمة رواتبهم التي كانوا يتقاضونها حتى عام 2019، في حين أن المطلوب هو البدء باستعادة 50% على الأقل. وأكد على أهمية استمرار صرف بدل المثابرة وبدل البنزين لفترة محددة، وذلك لحين استعادة الرواتب كاملةً كما كانت سابقًا، مشيرًا إلى ضرورة دمج كل هذه التقديمات في أساس الراتب لضمان الاستفادة منها في المعاش التقاعدي، الذي سيتأثر سلبًا بفقدان جزء من قيمته مع الحسومات المقترحة من مجلس الخدمة المدنية، والتي تشمل رفع الحسومات من المعاش من 6% إلى 8%، وتخفيض الراتب التقاعدي من 85% إلى 70%.
| المؤشر | التفاصيل |
|---|---|
| الزيادة المقترحة (تكهنات سابقة) | تتراوح بين 4 إلى 6 رواتب. |
| الزيادة المعتمدة من مجلس الوزراء | 6 رواتب إضافية. |
| نسبة استعادة الراتب (بعد الزيادة) مقارنة بـ 2019 | 35%. |
| نسبة استعادة الراتب المطلوبة | البدء بـ 50%. |
| رفع الحسومات من المعاش التقاعدي المقترح | من 6% إلى 8%. |
| تخفيض الراتب التقاعدي الأساسي المقترح | من 85% إلى 70%. |
تحديات التمويل ومصادره الجديدة
شكلت مصادر تمويل زيادة الرواتب التحدي الأبرز الذي واجه الحكومة، حيث توصل الوزراء إلى قرار بزيادة أسعار البنزين بمعدل 300 ألف ليرة لبنانية للصفيحة الواحدة، ورفع الضريبة على القيمة المضافة (TVA) بنسبة 1%. وعلى الرغم من ذلك، أكد وزير الإعلام، بول مرقص، أن هذه الزيادة على الرواتب هي بمثابة تعويض شهري يُحتسب على أساس الراتب، ولا تدخل في أساس الراتب الثابت، مما يعني أنها لن تُحتسب ضمن المعاش التقاعدي للموظفين.
| عنصر التمويل / الكلفة | التفاصيل |
|---|---|
| زيادة أسعار البنزين | 300,000 ليرة لبنانية لكل صفيحة. |
| زيادة الضريبة على القيمة المضافة (TVA) | 1%. |
| الكلفة التقديرية للزيادة الإجمالية | 800 مليون دولار أمريكي. |
ولمنح القرار صبغة إصلاحية، أوضح مرقص أن مجلس الوزراء، لسد كلفة رفع الرواتب بطريقة مدروسة، شدد على قراراته السابقة المتعلقة بالتدقيق في أموال الدعم، وتحسين عملية الجباية، والنظر في ملف الأملاك البحرية، إضافة إلى تشديد الرقابة على المعابر، ما يشير إلى أن المصادر الأساسية لتمويل هذه الزيادة ستأتي من هذه القنوات. وأشار مرقص إلى أنه، تفاديًا لحدوث أي خلل اقتصادي أو نقدي إضافي، تقرر أن تُدفع هذه الرواتب الإضافية بعد صدور قانون زيادة الضريبة على القيمة المضافة وقانون فتح الاعتمادات الإضافية اللازمة، مؤكدًا أن هذه الزيادة ستُصرف بعد إقرار القوانين ذات الصلة في المجلس النيابي وليس قبل ذلك.
وفي المقابل، اعتبر نحّال أن مجلس الوزراء بهذا القرار “يضع المواطنين في مواجهة الموظفين والمتقاعدين، عبر تمويل زيادة الرواتب من رفع أسعار المحروقات وزيادة الضرائب، في حين أن هناك أبوابًا أخرى لتأمين التمويل، أهمها استعادة أرباح سندات الخزينة، والهندسات المالية، ومستحقات الدولة المنهوبة من الأملاك العامة البحرية والنهرية، فضلًا عن المقالع والكسارات”. وأضاف أن ربط إقرار الزيادة بموافقة مجلس النواب يعني “المزيد من التسويف والمماطلة، وانتظار اتخاذ القرار من السلطة التشريعية بدلًا من إصدار الزيادة بمرسوم من مجلس الوزراء”.
على صعيد متصل، أصدرت “روابط التعليم الرسمي” بيانًا ذكرت فيه أنه “بعد النضال الطويل للأساتذة والمعلمين، استمعنا إلى مقررات مجلس الوزراء، والتي أقرت زيادة 6 أضعاف، وهي لا ترقى إلى مستوى تطلعاتنا ولا تحقق مطالبنا”، مؤكدة رفضها تحميل الشعب اللبناني كلفة هذه الزيادة، سواء أكانت عبر رفع أسعار البنزين أو زيادة الضريبة على القيمة المضافة، وأعلنت الروابط أنها ستعقد اجتماعًا لتحديد خطوات المرحلة المقبلة، مع إبقاء كافة الخيارات مفتوحة. وفي السياق ذاته، أكدت مصادر من العسكريين المتقاعدين في حديث لـ”المدن” أن اجتماعًا سيعقد “اليوم الثلاثاء، لاتخاذ القرارات المناسبة”، مشيرةً إلى أن الزيادة التي أقرت “غير مناسبة”.
تداعيات القرار: ترحيل الأزمات وتصعيد محتمل
باتخاذ قراره بمنح زيادة مجتزأة للرواتب وتحميل المواطنين تكلفتها عبر رفع الأسعار التي ستمتص بدورها قيمة هذه الزيادات الإضافية، يقوم مجلس الوزراء بتأجيل الأزمة إلى وقت لاحق، مما يفتح الباب أمام موجة جديدة من الاعتصامات والإضرابات التي يستعد لها الموظفون والمتقاعدون. إن عدم التوصل إلى حل جذري يؤكد أن قضية الرواتب أصبحت “مسألة فاضحة”، وفقًا لوصف النائبة نجاة صليبا، عضو لجنة المال، التي أكدت في حديث سابق لـ”المدن” أنه “من المعيب أن تستمر هذه المسألة على هذا النحو، فهذه الصيغة في التعامل مع القطاع العام لا تُسمى سوى ترقيع مؤقت، والحلول الحقيقية تبدأ بزيادة الموارد المالية وهيكلة القطاع العام”.
وبناءً على مقررات مجلس الوزراء، تكون وزارة المالية والحكومة قد أوفت بتعهدها بزيادة الرواتب “في منتصف شهر شباط”، وهو الوعد الذي أُطلق في مطلع الشهر الجاري بالتزامن مع اعتصامات الموظفين والمتقاعدين، التي رافقت جلسة إقرار موازنة العام 2026 التي لم تتضمن أي زيادات على الرواتب، مما أثار غضب المعتصمين الذين صعّدوا تحركاتهم، وصولًا إلى الاشتباك مع القوى الأمنية المكلفة بتأمين إغلاق الطريق المؤدية إلى مبنى مجلس النواب، ولاحقًا اقتحم العسكريون المتقاعدون مبنى المجلس، مؤكدين على حقهم في الزيادة. وعليه، لم تضع هذه الزيادة الآنية حدًا لمشكلة الرواتب، بل تركتها كفخ يؤسس لأزمة أوسع نطاقًا على مستوى البلاد بأسرها، وأُلقيت مهمة إشعال هذه الأزمة رسميًا على عاتق مجلس النواب.
