
لطالما ارتبط الأسبرين، في وعي الكثيرين، بالوقاية من النوبات القلبية والسكتات الدماغية، ما جعل تناوله اليومي ممارسة شائعة حتى بين الأصحاء الذين لا يعانون من أمراض قلبية. لكن الأبحاث الطبية الحديثة، التي أعادت تقييم هذه القناعة الراسخة، أظهرت أن الفوائد الوقائية للأسبرين لدى الأشخاص غير المصابين بأمراض قلبية وعائية محدودة للغاية، بينما قد تنطوي على مخاطر صحية جسيمة في حالات معينة.
يناقش هذا المقال رحلة الأسبرين التاريخية، ودوره السابق في الوقاية القلبية، والأسباب التي دفعت إلى تغيير التوصيات الطبية المتعلقة باستخدامه اليومي، مع تقديم نظرة على البدائل العلاجية الأكثر أمانًا المتاحة اليوم.
بالرغم من أن الأسبرين معروف بشكل أساسي بخصائصه كمسكن للألم وخافض للحرارة، إلا أن العديد من الأفراد يتناولونه يوميًا، اعتقادًا منهم بقدرته على حماية القلب. على مدى عقود، كانت التوصيات الطبية تشجع مرضى منتصف العمر وكبار السن على تناول الأسبرين لتقليل خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية، حتى لمن لم يصابوا بأمراض قلبية سابقة.
ومع ذلك، أظهرت الدراسات الحديثة بوضوح أن الاستخدام اليومي للأسبرين لدى الأشخاص الأصحاء، والذين لا يعانون من أمراض قلبية وعائية، يوفر فائدة وقائية محدودة للغاية. في المقابل، يزيد بشكل ملحوظ من خطر التعرض لآثار جانبية غير مرغوبة، مثل سهولة الكدمات ونزيف المعدة، وفي بعض الحالات النادرة، قد يؤدي إلى نزيف دماغي مهدد للحياة.
شهدت السنوات الأخيرة تحولًا في التوصيات، حيث أكد خبراء الصحة على أن المرضى يجب ألا يتناولوا جرعات منخفضة من الأسبرين يوميًا، إلا بناءً على توصية صريحة من الطبيب المختص. ومع ذلك، لا تزال بعض الإرشادات تسمح باستخدامه للمرضى الذين عانوا مسبقًا من نوبة قلبية أو سكتة دماغية، حيث تعتبر الفوائد العلاجية في هذه الحالات تفوق بكثير المخاطر المحتملة.
رغم هذا التغيير، لا يزال العديد من الأفراد الأصحاء يجهلون المخاطر المحتملة المترتبة على الاستخدام المنتظم للأسبرين. وقد أشارت تقارير طبية إلى حالات خطيرة، حيث تعرض بعض المرضى لآثار جانبية شديدة، منها نزيف المعدة وتقيؤ الدم، بعد سنوات من تناوله اليومي.
أصل الأسبرين وتطوره
يعود اختراع الأسبرين إلى تسعينيات القرن التاسع عشر، حيث يعتمد على مركب “الساليسين” المستخلص من لحاء شجر الصفصاف، والذي استخدمه المصريون القدماء عبر التاريخ لتخفيف الألم وخفض الحمى. أما دوره البارز في الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية، فلم يكتشف إلا لاحقًا في ستينيات القرن العشرين.
لقد أثبتت الدراسات أن جرعة منخفضة من الأسبرين، تقدر بـ (75 ملجم)، تعمل بفعالية كمضاد للصفائح الدموية، مما يساهم في تقليل خطر تشكل الجلطات الدموية التي تهدد الحياة، خاصة في الأوعية الدموية الدقيقة بالقلب والدماغ، وهذا ما جعله يعتبر علاجًا وقائيًا فعالًا ومنخفض التكلفة. مع ذلك، تتوفر اليوم بدائل علاجية فعالة للأشخاص الذين يعانون من مشكلات قلبية وعائية، مثل أدوية “وارفارين” أو “ريفاروكسابان”، التي تعمل على منع التخثر. كما توجد تركيبات من الأسبرين “مقاومة للحموضة” تهدف إلى تقليل الأضرار التي قد تلحق بالمعدة، إلا أن استخدام هذه الأنواع لفترات طويلة يمكن أن يزيد من خطر الإصابة بالتهابات المعدة، وفي بعض الحالات، قد يساهم في زيادة خطر كسور العظام.
يؤكد الخبراء على ضرورة قيام الأطباء بتوعية المرضى الأصحاء بالمخاطر المحتملة المرتبطة بتناول الأسبرين بشكل منتظم. كما يشيرون إلى أن الجمع بين الأسبرين وأدوية خفض الحموضة لفترات طويلة ليس خيارًا مفضلًا على الإطلاق، نظرًا لتأثيراته الجانبية المحتملة. وفي الختام، لم تعد توصيات الصحة العامة، ووفقًا لأحدث الإرشادات، تشجع على استخدام الأسبرين اليومي للأشخاص الأصحاء، وذلك لتوافر علاجات بديلة أكثر أمانًا وفعالية لا تسبب آثارًا جانبية خطيرة، وهذا ما تسعى “أقرأ نيوز 24” لتقديمه دائمًا لقرائها.
