«مستقبل آمن» استراتيجيات جديدة لتحصين منظومة الضمان الاجتماعي

«مستقبل آمن» استراتيجيات جديدة لتحصين منظومة الضمان الاجتماعي

نستعرض في هذا الطرح مجموعة من الحلول المقترحة لمواجهة التحديات المتعلقة بالضمان الاجتماعي، والتي ناقشها العديد من الأطراف، مع إضافة بعض التصورات الجديدة، أملًا في أن تجد هذه الأفكار قبولًا ودراسة جادة من الجهات المعنية لتطبيق الممكن منها، وكلها في تقديرنا قابلة للتنفيذ. من الضروري التأكيد، مبدئيًا، على أن تطبيق القوانين بأثر رجعي يعد خرقًا دستوريًا جسيمًا لمبادئ الشرعية والعدالة، لذا، يجب ألا يسري أي تعديل قانوني مقترح بأثر رجعي على الأفراد، وإذا استدعت الضرورة ذلك، فليكن ضمن إطار العدالة الشاملة، بعيدًا عن أي ظلم أو انتقائية. إن عدم جواز تطبيق القانون بأثر رجعي ينبع من كونه يمس الأمن القانوني، ومبدأ اليقين، والعدالة، والمساواة، والكرامة الإنسانية، واستقرار المراكز القانونية، والحقوق المكتسبة، هذه المبادئ الأساسية التي تضمن احترام إرادة الإنسان وتوقعاته المشروعة. وقبل الشروع في عرض هذه المقترحات، نتقدم بجزيل الشكر والتقدير لجميع المسؤولين والمعنيين والمشاركين، سواء كانوا من الحكومة أو المؤسسات أو المواطنين، على النقاشات المثمرة حول التعديلات المقترحة لقانون الضمان الاجتماعي، والتي تستحق الإشادة، ونترقب بشوق المشروع الجديد لتقييم أحكامه. تجدر الإشارة إلى أن الأردن قد شهد مؤخرًا أجواءً إيجابية وصعبة في آن واحد، وهي أجواء نحتاجها ونُحسد عليها، حيث أتيحت الفرصة للمواطنين للمشاركة والتعبير عن آرائهم ومخاوفهم وأفكارهم بحرية، دون أي تشكيك أو إقصاء.

أسس المقاربة للحلول

إن معالجة التحديات المتوقعة للضمان الاجتماعي تتطلب مشاركة جماعية من الجميع، فإذا كانت المشكلة نابعة من تقصير أو سوء إدارة، فمن الضروري أولًا مساءلة كل من كان له دور في نشأتها، تحقيقًا للشفافية وإبراءً للذمم. أما إذا كانت التحديات ناجمة عن تغيرات طبيعية في الأوضاع، فإن المقترحات المطروحة تسعى لمعالجتها أو تخفيف حدتها. نؤكد أن الجميع مدعوون للمساهمة في هذا الحل، ويشمل ذلك الهيئات والأفراد التالية أسماؤهم، مع العلم أن كل اقتراح يحمل في طياته تفاصيل دقيقة يدركها أهل الاختصاص، والأردن بفضل الله، غني بالكفاءات والطاقات المبدعة في شتى المجالات.

إسهامات الدولة في الحل

تُعد الدولة شريكًا أساسيًا في استدامة الضمان الاجتماعي، ويمكن أن تساهم من خلال نقطتين رئيسيتين:

  1. سداد مديونيتها المستحقة للضمان الاجتماعي، وذلك ضمن برنامج زمني مدروس يتراوح بين 10 إلى 15 عامًا، لضمان عدم إثقال كاهل الحكومة والموازنة العامة.
  2. تخصيص حزمة مالية سنوية في الموازنة العامة لدعم الضمان الاجتماعي، وفق الجدول الزمني التالي، مع منح الحكومة الحق في مراقبة أوجه إنفاق واستثمار هذه المبالغ لضمان كفاءتها:
الفترة الزمنية (من بدء تنفيذ القانون)قيمة الدعم السنوي (مليون دينار)
أول 10 سنوات100
الـ 10 سنوات التالية200
الـ 5 سنوات اللاحقة300
ما بعد ذلكيُحدد وفق المؤشرات وواقع الحال

من المهم الإشارة إلى أن استخدام مصطلح “دعم الدولة” قد لا يكون الأدق، بل هو قيام الدولة بمسؤوليتها تجاه كبرى المؤسسات المالية والاجتماعية في البلاد، وذلك في إطار العقد الاجتماعي الضمني مع مواطنيها.

تفعيل الذراع الاستثماري للضمان الاجتماعي

يُقترح تأسيس ذراع تمويلية تابعة للضمان الاجتماعي، مهمتها توجيه جزء من موجوداته لتمويل مشاريع إنتاجية واستثمارية، صغيرة ومتوسطة وكبيرة، وذلك لخدمة المشتركين وغيرهم، بشروط ميسرة، وعوائد معقولة، وضمانات قوية. يجب أن تركز هذه المشاريع على تلك التي تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وتساهم في تشغيل الأيدي العاملة في قطاعات حيوية مثل الزراعة، والصناعة، والسياحة، والتقنية، والتعليم العام والعالي والمهني. من شأن هذه المبادرة أن تدفع عجلة الاقتصاد، وتزيد من معدلات النمو، وتوسع قاعدة المشتركين في الضمان، وتقدم حلولًا لمشكلتي البطالة والفقر، بالإضافة إلى منافع متعددة كتحريك الاقتصاد المحلي والحد من استنزاف العملات الصعبة بتقليل الاستيراد وزيادة الصادرات. ولإدارة المخاطر التمويلية، يُنصح ببدء هذه الصناديق برصيد محدود، يتراوح مثلاً بين 5% و10% من أموال الضمان في المرحلة الأولى، مع إمكانية زيادته بعد دراسة وتقييم التجربة كل ثلاث إلى خمس سنوات. هذا المقترح من شأنه أن يحوّل الضمان الاجتماعي إلى مشروع وطني رائد للتشغيل والتنمية، ويشكل نواة لجهاز استثمار وطني يخدم الدولة والمجتمع والضمان الاجتماعي.

تعديل رواتب التقاعد المرتفعة

يُمكن دراسة تخفيض رواتب المتقاعدين ذوي الدخل المرتفع، التي تتجاوز 3000 دينار، وذلك بنسب متفاوتة تتراوح بين 5% و10% سنويًا، حتى يصل سقف أي راتب تقاعدي في الضمان الاجتماعي إلى 3000 دينار كحد أقصى. يهدف هذا الإجراء إلى تحقيق العدالة بين الأجيال، حيث لا يستقيم منح رواتب تقاعدية ضخمة بينما تُفرض قيود على الرواتب الجديدة لا تتجاوز 3000 دينار، مما يخلق فجوة تخل بمبدأ العدالة وتستوجب المعالجة. ومع إدراكنا بأن هذا المقترح قد يتعارض مع مبدأ عدم رجعية القوانين، يمكن التخلي عنه إذا ما تقرر عدم تطبيق أي تعديلات جديدة بأثر رجعي على المشتركين الحاليين في الضمان الاجتماعي بموجب القانون الساري.

معالجة أوضاع الأجهزة الأمنية والعسكرية

نظرًا لأن منتسبي القوات المسلحة وكافة الأجهزة الأمنية قد شملوا تحت مظلة الضمان الاجتماعي، فإن أي تمييز بينهم وبين باقي المشتركين يخل بمبدأي المساواة والعدالة. لذا، قد يكون من الأنسب، إما إعادة العمل بنظام التقاعد العسكري بشكل منفصل عن الضمان الاجتماعي كما كان الحال سابقًا، أو تطوير آليات تدريجية تضمن مساواة المشتركين العسكريين والأمنيين بنظرائهم المدنيين في جميع الأعباء والمنافع المترتبة على الاشتراك.

مسؤولية القطاع الخاص والمؤسسات

تتحمل الشركات، والبنوك، والجامعات، والبلديات، وغيرها من الهيئات مسؤولية وطنية واجتماعية، ويُقترح أن تساهم في دعم الضمان الاجتماعي باقتطاع نسبة بسيطة، تتراوح بين نصف إلى واحد بالمائة (0.5% – 1%) من أرباحها أو موازنتها السنوية، وذلك لمدة 25 عامًا. بعد انقضاء هذه المدة، يُعاد تقييم الوضع المالي للضمان لاتخاذ القرار المناسب بشأن استمرارية هذا الدعم أو زيادته، مع ضرورة منح حوافز مالية، وإدارية، وإعلامية للشركات والجهات التي تلتزم بدعم الضمان الاجتماعي.

حلول إضافية مقترحة لتعزيز استدامة الضمان الاجتماعي

بالإضافة إلى الحلول الشاملة المطروحة، يمكن دراسة وتبني المقترحات التالية لتعزيز استدامة الضمان الاجتماعي:

  1. رفع قيم الاشتراكات الشهرية بواقع 1% على جميع المشتركين الحاليين كل 3-5 سنوات، بحد أقصى يتراوح بين 3% و5% خلال الفترة المستهدفة لمعالجة المشكلات، مع الحفاظ على اشتراكات من لا يزيد راتبه الخاضع للضمان عن 500 دينار.
  2. تخفيض معادلة حساب رواتب التقاعد لكافة المشتركين، أو تطبيق تخفيض تدريجي يتراوح هامشه بين 1% و5% بناءً على سنوات الاشتراك ونوع التقاعد، مع استثناء من لا يزيد راتبه المستحق من الضمان عن 500 دينار.
  3. تعديل معادلة احتساب راتب التقاعد المبكر لجعله أقل جاذبية، بحيث يدرك المشترك أن اختياره للتقاعد المبكر سينتج عنه راتب أقل بشكل ملحوظ مقارنة بالتقاعد المتأخر.
  4. الرفع التدريجي لسن التقاعد المبكر بواقع سنة واحدة كل خمس سنوات، حتى الوصول إلى السن المستهدفة للتقاعد المبكر.
  5. الرفع التدريجي لسن التقاعد العادي (المتأخر) بواقع سنة واحدة كل خمس سنوات، حتى الوصول إلى السن المستهدفة.
  6. توسيع مظلة الشمول الإلزامي للضمان الاجتماعي وتطبيقه بقوة القانون، مدعومًا بالعقوبات المناسبة، مع تقديم حوافز للجهات الملتزمة.
  7. تشجيع الاشتراك بالشمول الاختياري عبر حوافز مالية وإدارية وإجرائية، مع فرض مبدأ الثبات التشريعي المطلق للمشتركين اختياريًا، بحيث لا يطبق أي تعديل قانوني عليهم إذا كانوا قد اشتركوا في ظل قانون نافذ.
  8. إسناد إدارة الضمان الاجتماعي لفريق من الخبراء المستقلين تمامًا عن الحكومة، مع مراعاة تمثيل الحكومة شريطة التزامها بسداد مديونيتها ودعمها للضمان وفق المقترحات المذكورة.
  9. توسيع قاعدة التمثيل في مجالس الضمان الاجتماعي لتشمل كافة الفئات، بما في ذلك المشمولين إلزاميًا واختياريًا، والمرأة، والعاملين في المهن الخطرة، وذوي الهمم، والشباب، وممثل محايد من خارج الحكومة والضمان لتمثيل أجيال المستقبل.
  10. فرض رقابة مشددة من قبل مجلس النواب، والإعلام، والجمهور على أعمال الضمان الاجتماعي، ووضع قواعد حوكمة وتدقيق صارمة.
  11. توجيه جزء من إيرادات وزارة الأوقاف والجمعيات الخيرية لدعم مشاريع استثمارية وقفية يشارك فيها الضمان الاجتماعي.
  12. إنشاء بنك مقترحات يستقبل الأفكار من الجميع، ليتم دراستها وتقييمها وتبني الجدوى منها.

دعوة للعمل المشترك

إن استدامة الضمان الاجتماعي قضية وطنية بامتياز، تستدعي تكاتف الجهود، فكلنا مع الأردن، وكلنا مسؤولون عن مستقبله. والله على ما نقول شهيد.