
نبأ الأردن –
يمثل تعديل قانون الضمان الاجتماعي في الأردن نقطة تحول جوهرية لمستقبل الدولة الاجتماعية، فالجدل المستمر حول مقترح رفع سن التقاعد إلى 65 عامًا لا يعد مجرد قضية فنية أو إجرائية محايدة، بل هو قرار استراتيجي يؤثر بعمق في العقد الاجتماعي، ويعيد صياغة مفهوم العدالة بين الأجيال المختلفة.
ضرورة الاستدامة المالية والبدائل الدولية
يجمع الجميع على الأهمية القصوى للاستدامة المالية لأنظمة الضمان الاجتماعي، حيث تُشير كافة الدراسات الاكتوارية، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، إلى أن أنظمة التقاعد التي لا تُعدّل معادلاتها الديموغرافية والمالية في الوقت المناسب قد تتحول إلى عبء اقتصادي ثقيل على الأجيال المستقبلية، وفي هذا السياق، أوضحت تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن الإصلاحات الفعالة لأنظمة التقاعد لا تعتمد على أداة واحدة فحسب، بل على مزيج متوازن من السياسات تشمل: سن التقاعد، ومعادلات الاحتساب، وعدالة توزيع المنافع، والسؤال المطروح هنا هو: هل يمثل رفع سن التقاعد الحل الوحيد المتاح؟ والإجابة الموضوعية لهذا التساؤل هي: لا.
تجارب دولية في إصلاح أنظمة التقاعد
في العديد من التجارب الدولية، لم يكن تمديد العمر الوظيفي هو الخطوة الإصلاحية الأولى، بل تم التركيز على إعادة تصميم “معامل المنفعة” بهدف السيطرة على الكلفة الاكتوارية المرتبطة بالرواتب التقاعدية المرتفعة، وتحقيق عدالة أوسع داخل النظام، وقد لجأت بعض النماذج إلى خفض معامل الاحتساب للفئات ذات الدخول العليا، وربط جزء من المنافع بمعايير الاستدامة طويلة الأجل، وذلك كبديل لتحميل كافة المستفيدين عبء تمديد سنوات العمل.
تحديات الضمان الاجتماعي في الأردن
تاريخيًا، تكمن الإشكالية الرئيسية في نظام الضمان الاجتماعي الأردني في ارتفاع تكاليف التقاعد المبكر، وتضخم المنافع التقاعدية للمستويات الوظيفية العليا، وذلك مقارنة بحجم الاشتراكات الفعلية المدفوعة، وبناءً على خبرتي كمدير لإدارة الدراسات ومدير لإدارة التخطيط الاستراتيجي في المؤسسة، يتضح أن الخلل لا يكمن في بلوغ سن الستين بحد ذاته، وإنما في تركيبة المعادلة الحالية التي تسمح بتراكم منافع تقاعدية مرتفعة، مما ينشئ أعباء مالية مستقبلية كبيرة.
مقترح الإصلاح الذكي لمعامل المنفعة
بناءً على ما سبق، فإن الإصلاح الفعال لا ينبغي أن يقتصر على تمديد سن التقاعد بشكل شامل إلى 65 عامًا، بل يجب أن يرتكز على إعادة ضبط معامل المنفعة، ويوضح الجدول التالي التعديلات المقترحة مقارنة بالوضع الحالي، والتي تهدف إلى تحقيق توازن عملي يخدم استدامة النظام:
| وصف المعامل/القيمة | الوضع الحالي (للحسابات المذكورة) | المقترح |
|---|---|---|
| معامل المنفعة لأول 1,500 دينار من الأجر | 2.5% | 2.5% (بدون تغيير) |
| معامل المنفعة للجزء الذي يزيد عن 1,500 دينار (وحتى 3,000 دينار) | 2% | 2% (يبقى كما هو حتى 3,000 دينار) |
| معامل المنفعة للجزء الذي يتجاوز 3,000 دينار من الأجر | 2% | 1.5% |
| زيادة الاشتراك على الجزء من الأجر الذي يتجاوز 3,000 دينار | لا يوجد (ضمنًا) | 1% |
| الحد الأدنى المقترح للرواتب التقاعدية | يختلف حسب الحالة | 220 دينارًا أردنيًا على الأقل |
| سن التقاعد المقترح (للرجال) | 60 عامًا (ضمنًا) | 62 عامًا |
| سن التقاعد المقترح (للنساء) | 55 عامًا (ضمنًا) | 58 عامًا |
| سنوات الاشتراك الأدنى (المقترح) | يختلف حسب الحالة | 20 عامًا |
ويهدف هذا التعديل إلى الحد من تضخم الرواتب التقاعدية المرتفعة دون التأثير سلبًا على ذوي الدخول المتوسطة، مع تعزيز الإيرادات التأمينية بشكل مباشر، وخلق هامش مالي يسمح برفع الحد الأدنى للرواتب التقاعدية إلى ما لا يقل عن 220 دينارًا أردنيًا، وهو ما يمثل تجسيدًا حقيقيًا لمبدأ التكافل الاجتماعي.
مقترح بشأن المعيار العمري للتقاعد
بالنسبة للمعيار العمري لسن التقاعد، أقترح تحديد سن 62 عامًا للرجال و58 عامًا للنساء، على أن لا تقل سنوات الاشتراك عن 20 عامًا، ويعتبر هذا التعديل حلاً وسطيًا يراعي الخصوصية الطبيعية لسوق العمل الأردني، حيث تنخفض فرص التوظيف بشكل ملحوظ مع التقدم في العمر، ويصعب في العديد من القطاعات الاحتفاظ بالموظفين حتى سن الخامسة والستين.
العدالة في الإصلاح البنيوي
إن الإصلاح الجوهري لا ينبغي أن يعتمد على تعميم الأعباء، بل على إعادة توزيع المنافع بشكل عادل ومنصف، وتؤكد الأدبيات الحديثة في مجال إصلاح أنظمة الضمان الاجتماعي أن العدالة العمودية، أي العدالة بين مستويات الدخل المختلفة، لا تقل أهمية عن العدالة بين الأجيال، فبينما قد يؤدي تمديد سن التقاعد إلى تحسين المؤشرات الحسابية على الورق، إلا أنه قد يُحدث توترات اجتماعية كبيرة ما لم يكن جزءًا من حزمة إصلاحية متكاملة، وفي المقابل، يمثل تعديل معامل المنفعة إصلاحًا بنيويًا يعالج جوهر الخلل من أساسه، بدلًا من مجرد تأجيله.
الضمان الاجتماعي: ركيزة للاستقرار والتكافل
الضمان الاجتماعي يتجاوز كونه مجرد صندوق أرقام وإحصائيات، فهو يمثل ركيزة أساسية للاستقرار الوطني، ولا تتحقق استدامته عبر إطالة سنوات العمل فحسب، بل من خلال تصحيح شامل لمعادلة توزيع العائد التأميني، بما يضمن حماية الصندوق ويعزز الثقة العامة به، إن الإصلاح المطلوب اليوم ليس قرارًا يسيرًا، لكنه يجب أن يكون قرارًا يتسم بالعدالة، فالعدالة تبدأ دائمًا من المعادلة الصحيحة.
*أمين عام سابق
تابعوا نبأ الأردن على
