
عندما أقدم مصرف ليبيا المركزي على خطوة تنظيم مكاتب وأسواق الصرافة، وإغلاق الأماكن غير المرخصة منها في بنغازي وطرابلس، برر هذا الإجراء بالرغبة في الحد من النشاط غير المنظم للسوق الموازية، وتقليص تداول النقد الأجنبي خارج النظام المصرفي الرسمي، بالإضافة إلى السيطرة على الأسعار.
لكن النتائج الفعلية لهذه الخطوة جاءت مغايرة لما كان يُرجى منها، إذ سجلت سلة العملات الأجنبية الرئيسية ارتفاعًا أكبر أمام الدينار الليبي مما كانت عليه قبل اتخاذ القرار، ووصل سعر صرف الدولار الأمريكي إلى عتبة 9 دنانير.
وفي ظل بلوغ سعر صرف الدولار في السوق الموازية نحو 8.86 دنانير مقابل متوسط سعر رسمي قدره 5.4 دنانير للدولار الواحد، رأى مصرف ليبيا المركزي أن هذه السوق هي المسؤولة عن تفاقم أزمة الدولار.
| المؤشر | السعر (دينار ليبي) | الوصف |
|---|---|---|
| سعر الدولار قبل الإجراءات | أقل من 9 | قبل قرار المركزي |
| سعر الدولار بعد الإجراءات | 9 | بعد قرار المركزي |
| سعر الدولار في السوق الموازية | 8.86 | مقابل الدولار الواحد |
| سعر الدولار الرسمي | 5.4 | مقابل الدولار الواحد |
ومع انقضاء كل هذا الوقت واستمرار التجار في تداول العملات الأجنبية بعيدًا عن الأطر الرسمية، بحسب مصادر خاصة لـ”الجزيرة نت”، وتفاقم أزمة السيولة النقدية في المصارف، ومواصلة الدولار مساره التصاعدي، تتعاظم الأسئلة حول جديد هذه الخطوة، وتوقيتها، وتداعياتها المحتملة على السوق والعملة الوطنية.
اقرأ أيضا
- حراك مناهض للمهاجرين غير النظاميين في ليبيا.
- الإعلام في ليبيا.. تجنيد لصالح السلطة.
- ليبيا بين يقظة الأمة وضياع الكيان.
- ليبيا.. ضريبة الموقع والثروة.
قرار متأخر
في قراءته للخطوة وتوقيتها، رأى المحلل الاقتصادي محمد درميش أن قرار المصرف المركزي جاء متخبطًا ومتأخرًا، مشيرًا إلى إخفاقه منذ عام 2015 في القيام بدوره كسلطة نقدية فاعلة.
ودعا درميش، في حديث لـ”الجزيرة نت”، إلى تبني خطة متكاملة وواضحة بعيدًا عن البيانات المنقوصة والمقتضبة، مع ضرورة التنسيق الفعّال مع وزارة المالية.
صلاحيات أوسع
مصدر خاص من داخل مصرف ليبيا المركزي، فضّل عدم الكشف عن هويته، رجّح أن تشهد سياسات المركزي تحولًا جذريًا خلال المرحلة المقبلة، لا سيما بعد استدعائه من مجلس النواب لاستيضاح آخر المستجدات الاقتصادية في اجتماع مقرر عقده الاثنين المقبل، وتنصل الأخير من مراجعة قرار الضريبة المفروضة على مبيعات النقد الأجنبي.
وحول جديد شركات الصرافة المرخصة، أكد المصدر لـ”الجزيرة نت” توجه المركزي لمنح المزيد من أذونات المزاولة لشركات ومكاتب الصرافة التي تقدمت بطلباتها حتى نهاية أغسطس/آب الماضي، مشيرًا إلى أن المركزي سيمنحها صلاحيات أوسع لتنفيذ عمليات بيع النقد الأجنبي للمواطنين الخاصة بالأغراض الشخصية، بحد أقصى 2000 دولار سنويًا، لأغراض مثل السفر والعلاج والدراسة، وتنفيذ بعض الحوالات الخارجية.
وتوقع المصدر أن يكون شهر أبريل/نيسان المقبل موعدًا لعقد اجتماع يجمع محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى مع شركات الصرافة المرخصة لمناقشة المستجدات.
اختلالات بنيوية
وللبحث في جذور الأزمة، يرى أستاذ الاقتصاد يوسف يخلف مسعود أن جذور أزمة السوق الموازية تعود إلى العام 2011، في ظل سوء إدارة السياسات النقدية لدى مصرف ليبيا المركزي، الذي ضخ آنذاك كتلًا نقدية ضخمة خارج الأطر النظامية لتحقيق إيرادات سريعة، وفق ما وثقه تقرير ديوان المحاسبة في العام 2012.
ووقع الخطر الأكثر كلفة، بحسب مسعود، في آخر 2014، حين فرض المركزي قيودًا انتقائية على تداول الدولار على خلفية اندلاع الحرب في طرابلس، وبرر الخطوة بأنها محاولة لاستعادة السيطرة النقدية، بيد أن هذه الخطوة عززت من احتكار العملة الأجنبية عبر منحها لفئات محدودة، ما دفع السوق الموازية لرأب هذه الفجوة وتولي إدارة النقد الأجنبي.
طبع النقود لتمويل العجز
أوضح الخبير الاقتصادي محمد المنفي أن أحد أهم أسباب تدهور قيمة الدينار الليبي هو اللجوء إلى ما يعرف بـ “التمويل النقدي” لسد العجز في الموازنة العامة، فالحكومات المتعاقبة منذ العام 2014 ضغطت على المركزي لطباعة نقود جديدة لتغطية العجز الناتج عن انخفاض الإيرادات النفطية.
وأشار إلى أن هذا النوع من التمويل يرفع مستويات التضخم، إذ يؤدي إلى طرح المزيد من العملة المحلية في الأسواق دون زيادة مقابلة بالعملات الأجنبية، الأمر الذي يزيد الضغوط على سعر الصرف.
واعتبر المنفي أن قرار إغلاق الأسواق الموازية كان خاطئًا، ورأى أنه خطوة سياسية بامتياز بغية تشتيت انتباه الرأي العام عن جذر المشكلة، وهو الإنفاق الحكومي الكبير مقابل ضعف الإيرادات.
المستوردون يفضلون السوق الموازية
من سوق فينيسيا في مدينة بنغازي، وهو أكبر أسواق تداول العملات الأجنبية، نفى مصدر خاص يعمل في السوق الموازية ويمتلك شركة صرافة أن تكون السوق الموازية هي سبب ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية أمام الدينار، عازيًا السبب إلى سوء سياسات المركزي في ملف النقد الأجنبي.
وأضاف، في حديث لـ”الجزيرة نت”، أن شريحة واسعة من المستوردين تفضل التعامل مع السوق الموازية، لضمان سرعة إنجاز التحويلات الخارجية رغم فارق السعر، في حين أن إجراءات مصرف ليبيا المركزي قد تمتد لثلاثة أشهر.
من جهته، رأى مصدر يعمل في سوق المشير بطرابلس، وهو أكبر سوق شعبي لتداول وبيع العملات الأجنبية ويبعد بضع خطوات عن مقر مصرف ليبيا المركزي، أن السوق تمكنت من توفير العملات الأجنبية للمواطنين وللشركات الخاصة بسرعة ومرونة، في ظل تعثر توفيرها من قبل المركزي.
وأوضح المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن المركزي يفرض شروطًا إجرائية معقدة للحصول على الاعتمادات المستندية، لافتًا في حديثه لـ”الجزيرة نت” إلى أن المواطنين وتجار العملة فقدوا ثقتهم في سياسات المركزي نتيجة تخبط قراراته.
تنظيم السوق وبدائل المركزي
بعد توجه المركزي لإغلاق عدد من مكاتب الصرافة في السوق الموازية، أكد الخبير الاقتصادي علي الصلح لـ”الجزيرة نت” امتلاك المركزي لبدائل تغطية الطلب على النقد الأجنبي، باعتباره المصدر الرئيسي للعملة الصعبة من عوائد النفط.
بيد أن امتلاك القدرة يختلف عن امتلاك الآلية، وفق ما قاله الصلح، معتبرًا أن الحل يتجسد في انسيابية فتح الاعتمادات المستندية وتقليص الفجوة الزمنية بين طلب العملة والحصول عليها.
واقترح الخبير الاقتصادي علي الصلح الخطوات التالية لتحقيق الإصلاح المنشود:
- تنظيم السوق عبر دمج كبار الفاعلين في السوق الموازية ضمن إطار قانوني خاضع لرقابة المركزي، يسمح ببيع وشراء العملة بهامش ربح محدد فوق السعر الرسمي.
- تعديل سعر الصرف، إذ إن اعتماد سعر بعيد عن واقع العرض والطلب يؤدي إلى خلق سوق موازية للعملات الأجنبية.
- أهمية التعويم المُدار، حيث يتدخل المركزي لضمان وفرة العملة عند السعر الجديد.
وأضاف الصلح أن نجاح هذا التوجه يتوقف على حجم الإنفاق المقترح في الميزانية، والمقدر بنحو 155 مليار دينار (28.5 مليار دولار)، إضافة إلى حجم الاحتياطات النقدية، وتوقعات إنتاج النفط لعام 2026.
| المؤشر الاقتصادي | القيمة | ملاحظات |
|---|---|---|
| الإنفاق المقترح في الميزانية | 155 مليار دينار ليبي | ما يعادل 28.5 مليار دولار أمريكي |
ويرى الصلح أن “سعر التوازن” القادر على تقليص الفجوة والقضاء على السوق الموازية يتراوح بين 6.50 و7.50 دنانير للدولار الواحد، شريطة صرف علاوة تضخم نقدية فورية للمواطن لتعويض فرق السعر.
وبحسب الصلح، فإن هذا السعر يحقق ثلاثة أهداف رئيسة:
- توليد سيولة بالدينار لتغطية بنود المرتبات والباب الأول من الموازنة دون عجز.
- كبح الطلب الوهمي، إذ يقلل السعر المرتفع نسبيًا من استنزاف النقد الأجنبي.
- تحقيق قدر من العدالة في التوزيع عبر تقليص الفجوة بين السعرين، بما ينهي ثراء تجار الاعتمادات المستندية على حساب المواطن، ويجعل السلع في السوق أكثر انسجامًا مع مستويات الدخل.
منصة إلكترونية موحدة
بدوره، يرى رئيس الغرفة الاقتصادية والتجارية الليبية المصرية إبراهيم الجراري، أن المشاريع الصغرى والمتوسطة هي الحلقة الأضعف في ظل ما تعانيه من صعوبات كبيرة في الوصول إلى الاعتمادات المستندية، وأرجع ذلك إلى التعقيدات الإجرائية والتأخير في توفير النقد الأجنبي.
وقال الجراري لـ”الجزيرة نت” إن هذه التحديات مجتمعة تؤدي إلى تآكل سريع في رؤوس أموال المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتهددها بالإغلاق، ما يزيد من معدلات البطالة.
وطالب الجراري بتفعيل منصة إلكترونية موحدة وشفافة لتوزيع النقد الأجنبي وتكريس عدالة تحد من الاحتكار، بالإضافة إلى تخصيص حصة واضحة من العملات الأجنبية للمشاريع الصغرى والمتوسطة، فضلاً عن تبسيط شروط فتح الاعتمادات للسلع الأساسية.
أي سيناريو ينتظر الدينار؟
وحول مستقبل الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية، رجّح أستاذ الاقتصاد يوسف يخلف مسعود استمرار الضغوط عليه، وعزا ذلك إلى عاملين رئيسيين:
- ضعف كفاءة صناع القرار الاقتصادي.
- الانخراط في وصفات اقتصادية جاهزة مفروضة من مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي.
وشدد مسعود على ضرورة تحقيق الإصلاحات التالية:
- وقف التمويل بالعجز وضبط نمو عرض النقد.
- توحيد أدوات السياسة النقدية.
- إصلاح المصارف تجاريًا وماليًا.
- ضبط منظومة الاعتمادات المستندية ومنع الاحتكار والتهريب.
- الالتزام بالشفافية الكاملة في سعر الصرف والرسوم، وربط أي إجراء بخطة معلنة ومؤقتة.
