مستقبل الذهب في قبضة الدولار والبيانات الاقتصادية الأميركية

مستقبل الذهب في قبضة الدولار والبيانات الاقتصادية الأميركية

شهدت أسواق الذهب والفضة انتعاشًا ملحوظًا مع انطلاق التداولات الأوروبية، وذلك بعد التراجعات الحادة التي مُنيت بها يوم الجمعة الماضية، وعلى الرغم من هذا الارتداد، لا يزال الذهب متراجعًا بنحو 3% حتى وقت إعداد هذا التقرير، بعد أن شهد هبوطًا تجاوز 10% خلال الساعات القليلة الماضية.

استمرت حالة التقلب الشديد في أسواق المعادن النفيسة مع بداية الأسبوع، حيث تراجع الذهب في البداية إلى مستوى 4400 دولار، قبل أن يستعيد عافيته ويرتفع سريعًا ليقترب من 4780 دولار في غضون بضع ساعات فقط، وفي السياق ذاته، هبطت الفضة إلى أدنى مستوى لها عند 71.38 دولار، لكنها سرعان ما ارتدت بقوة لتلامس نحو 83.50 دولارًا بحلول منتصف تعاملات لندن.

يأتي هذا التذبذب الحاد الذي طال أسعار الذهب والفضة في أعقاب ما يمكن وصفه بـ«الجمعة السوداء» للمعادن النفيسة، حيث استغل عدد من المتداولين الانخفاضات الكبيرة التي شهدتها السوق للدخول والشراء، مما كان له دور أساسي في دعم هذا الارتداد السريع والمفاجئ.

لتوضيح مدى التقلبات الأخيرة، يمكننا استعراض أبرز تحركات الأسعار:

المعدنأدنى مستوى مسجل (خلال التقلبات الأخيرة)أعلى مستوى مسجل (بعد الارتداد)تراجع يوم الجمعة (عند الإغلاق)أكبر تراجع أثناء الجلسة (الجمعة)
الذهب4400 دولار4780 دولارحوالي 9% (أدنى من 5000 دولار)حوالي 10%
الفضة71.38 دولار83.50 دولارأكثر من 26%حوالي 36%

من الممكن أن يدفع هذا الارتفاع القوي على المدى القصير بعض المستثمرين إلى جني الأرباح والخروج من السوق، الأمر الذي قد يمهد الطريق لموجة جديدة من التقلبات، خاصة مع دخول المستثمرين الأميركيين إلى التداولات، ويُرجح أن تظل أسعار الذهب شديدة التقلب، لا سيما في الأيام الأولى من هذا الأسبوع، وفي سياق آخر، تراجعت المخاوف الجيوسياسية بشكل ملحوظ بعد تصريحات الرئيس ترامب التي أعرب فيها عن أمله في التوصل إلى اتفاق مع طهران، مما خفّف من احتمالات التصعيد العسكري مع إيران، وقد انعكس هذا التهدئة أيضًا على أسعار النفط التي سجلت تراجعًا واضحًا.

لاحقًا هذا الأسبوع، سيتجه تركيز الأسواق نحو البيانات الاقتصادية الأميركية وحركة سعر الدولار، نظرًا لتأثيرهما المباشر على اتجاهات أسعار الذهب، وبعد الهبوط الحاد الذي شهده الأسبوع الماضي، من المحتمل أن يكون الذهب قد سجل قمة مؤقتة على المدى القريب، مما يجعله هدفًا جذابًا للمتداولين ذوي النظرة السلبية الذين يفضلون البيع عند مستويات المقاومة الرئيسية.

تداعيات “الجمعة السوداء” على المعادن النفيسة

شهدت أسواق الذهب والفضة يوم الجمعة أحد أكبر الانخفاضات النسبية منذ سنوات عديدة، وجاء ذلك بعد موجة صعود قوية دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية قبل يوم واحد فقط، ورغم أن الذهب أغلق بعيدًا عن أدنى مستوياته، إلا أنه أنهى الجلسة متراجعًا بنحو 9%، ليغلق دون مستوى 5000 دولار النفسي الهام، مسجلًا بذلك أكبر هبوط يومي له منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، أما الفضة، فقد كانت الخسائر أشد وطأة، حيث تراجعت بأكثر من 26% عند الإغلاق، ووصل تراجعها إلى 36% خلال الجلسة، وهو ما يمثل انخفاضًا قياسيًا داخل اليوم.

اتسمت أسواق المعادن النفيسة في الأيام الأخيرة بتقلبات حادة للغاية، وبشكل خاص الفضة التي شهدت تحركات سعرية عنيفة خلال الجلسات اليومية، مما شكّل إشارة تحذيرية مبكرة للمتداولين، وقد التقط بعض المستثمرين هذه الإشارات وسارعوا بالخروج من السوق عند ظهور أولى علامات الاضطراب، ومن المحتمل أن نشهد سلوكًا مشابهًا خلال الفترة المقبلة، خاصة مع الارتدادات السعرية الحالية.

عوامل مؤثرة في أسعار المعادن النفيسة

تعد المخاوف من تآكل قيمة العملات أحد العوامل الرئيسية التي دفعت المستثمرين نحو الإقبال على الذهب والفضة، خاصة في ظل الشكوك حول استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، بالإضافة إلى ضغوط الرئيس ترامب المتكررة لخفض أسعار الفائدة، إلا أن اختياره لكيفن وورش، المعروف بتوجهاته الأكثر تشددًا نسبيًا، بدلاً من جيروم باول، قد غيّر موازين القوى في السوق.

وقد أدى هذا القرار إلى تعافٍ قوي في الدولار الأميركي، بعدما قلّص المستثمرون رهاناتهم على خفض أسعار الفائدة، وأقبلوا على شراء الدولار الذي كان يعاني من بيع مفرط، وإذا استمر هذا التعافي في الأيام المقبلة، فمن المرجح أن يشكّل ضغطًا إضافيًا على أسعار المعادن النفيسة.

في الوقت ذاته، كانت التوترات الجيوسياسية والحروب التجارية قد عززت جاذبية المعادن كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين، إلا أن اللهجة التصالحية التي تبناها ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع، خففت من احتمالات اندلاع صراع عسكري مع إيران، وأي إشارات إضافية على تهدئة الأوضاع الإقليمية قد تكون سلبية للأصول الآمنة، بما في ذلك الذهب والفضة.

البيانات الاقتصادية واجتماعات البنوك المركزية المرتقبة

سيتحول اهتمام المستثمرين تدريجيًا نحو الاقتصاد الأميركي مع ترقب صدور مجموعة من البيانات الاقتصادية الهامة هذا الأسبوع، يتصدرها تقرير الوظائف الأميركي يوم الجمعة، كما تترقب الأسواق عن كثب اجتماعات وتصريحات كل من البنك المركزي الأوروبي، وبنك إنجلترا، وبنك الاحتياطي الأسترالي.

عانى الدولار الأميركي من أداء ضعيف في بداية العام، قبل أن يسجل قفزة قوية يوم الجمعة الماضية، ويبقى السؤال مطروحًا: هل يمثل هذا التحرك بداية لتغير في الاتجاه العام؟ بيانات الوظائف القوية قد تعزز هذا السيناريو الصعودي للدولار، في حين أن أي نتائج مخيبة للآمال قد تعيد إحياء التوقعات بخفض أسعار الفائدة، مما قد يمنح الذهب دفعة صعودية جديدة في السوق.

التحليل الفني لأسعار الذهب

يؤكد كسر الذهب لمستوى 5000 دولار النفسي النظرة السلبية على المدى القصير، وهو ما انعكس بالفعل في استمرار الضغوط البيعية، قبل أن يجد السعر دعمًا قويًا في المنطقة ما بين 4350 و4550 دولارًا، وتمثل هذه المنطقة تلاقي مقاومة سابقة مع خط اتجاه صاعد قصير الأجل، مما يعزز أهميتها كمنطقة دعم حرجة.

من المرجح أن يحتاج السوق إلى وقت كافٍ لاستيعاب هذه التحركات الحادة قبل ظهور إشارات واضحة على تكوّن قاع جديد ومستقر، وحتى ذلك الحين، يظل الاتجاه الأقرب هو الهبوط، مع تحمّل المشترين مسؤولية إثبات قدرتهم على استعادة السيطرة على الأسعار بعد الصدمة الكبيرة التي شهدها سوق الذهب يوم الجمعة الماضية.