
انقضى النصف الأول من شهر رمضان، حيث شهدنا عرض الحلقات الأخيرة من المجموعة الأولى، واستمرارنا بمشاهدة الخمس حلقات الأولى من مسلسات النصف الثاني من الموسم الدرامي الحالي، الذي كان بداية قوية مع تصدر اتهامات بالتحرش الجنسي لأحد الكتّاب، ما أدى إلى إصدار أمر بضبطه، وهو ما انعكس سلبًا على نسب مشاهدة العمل.
تغيرات المشهد الدرامي وتأثيراتها
ظهرت هذه الأحداث كعلامة سلبية أدت إلى تراجع الجماهير من حول الأعمال الدرامية بنهاية الأسبوع الأول، حيث بقيت فقط ثلاثة أعمال في المقدمة من أصل أكثر من عشرين، وفقًا لإعلان لجنة الدراما: وهي صحاب الأرض، ورأس الأفعى، وعين سحرية.
حصلت الأعمال الثلاثة على تصنيفات مختلفة، بينما تمكنت بعض المسلسلات من الصمود عبر ما يمكن اعتباره أسبابًا سياسية، مثل إنتاج مسلسل “صحاب الأرض” الذي شهد إشادات واسعة، رغم صعوبة تتبع أحداثه التي عايشها الجمهور على مدى سنتين، وهو يوثق زمن الإبادة. وبنفس المنطق، يعيد مسلسل “رأس الأفعى” دراما الجماعة الإسلامية إلى مربع التهديد، في تكرار لحالة انتهت منذ 13 عامًا.
أما “عين سحرية”، فقد استطاع فريق عمله، من خلال كتابة متميزة، وإخراج لافت، وتمثيل حقيقي، أن يخترق حالة الإحجام العام، ويجذب الجمهور لمتابعة رحلة المحامي والمهندس في سعيهما وراء العدالة.
الأسباب وراء عزوف الجمهور عن الدراما
يمكن ببساطة استنتاج أن أسباب تراجع المشاهدين عن الأعمال المقدمة لا تقتصر على قضية التحرش، التي أثارت نقاشات واسعة وفتحت الباب أمام شهادات صادمة، بل تشمل أيضًا زخم الأحداث المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي استحوذت على اهتمام الجمهور في الأسبوع الثاني.
كما أن العزوف مرتبط بشكل كبير بـ”وصايا” لجنة دراسة “التأثيرات الاجتماعية للدراما المصرية والإعلام”، التي أُنشئت بقرار من رئاسة مجلس الوزراء في مارس/آذار الماضي، بعد أن أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ضرورة التركيز على الدراما “الصالحة” التي تبني الأمة، بعيدًا عن الهزل والمحتوى غير البنّاء.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، انتشرت ملاحظات قيل إنها من تلك اللجنة، تتضمن توجيهات بعدم الترويج للمخدرات، وعدم إظهار الخيانة الزوجية أو الفساد، والحد من مشاهد البلطجة، وتجنب تصوير تجارة الأعضاء بشكل مفتوح، مع احترام عقلية الجمهور، وإظهار الواقع المصري بشكل غير مشوه، مع إبراز القيم الاجتماعية والأخلاقية ودعم دور المرأة.
رغم نفي اللجنة والرقابة تلقيها تعليمات رسمية، إلا أن الواقع على الشاشة يكذب ذلك، حيث أظهر العديد من الأعمال تأثرها بهذه التوجيهات، ونتيجة لذلك، شهد الموسم تغييرات ملحوظة داخل الورش الفنية، وتوقف بعض المشاريع، بينما أُعيدت صياغة خطوط درامية كاملة لتتوافق مع المعايير الجديدة، في سابقة غير معتادة للتحضير لشهر رمضان.
وفي أحد الاحتفالات بانطلاق الموسم، اعتراف الشركة المتحدة، بشكل غير مباشر، بالتأثير الذي أحدثته هذه التوجيهات، حيث أكدت حرصها على تقديم محتوى ذي هدف، يجمع بين الترفيه والقيم، وهو ما أدى إلى تشكيل لجنة متخصصة للمحتوى، تضم نخبة من الخبراء والمبدعين لضمان توازن التمثيل لمختلف القطاعات، وتحقيق رؤية شاملة لتطوير المحتوى الإعلامي.
وبمراجعة شاملة للأعمال، سعت الشركة إلى تقييم نقاط القوة والضعف، واتباع توصيات لتحقيق التوافق مع الأهداف الوطنية، وكذلك تعزيز الوعي من خلال تقديم محتوى يعكس القيم المجتمعية، ويعمل على بناء وعي متوافق مع متطلبات المرحلة الحالية.
تجسيد الالتزام بالوصايا من خلال الأعمال
تطبيقًا لهذه المعايير، ظهر تطبيقها بشكل واضح في مسلسل “مناعة”، الذي يوثق حياة المعلمة نبوية، أشهر تاجر مخدرات في الثمانينيات، والتي انتهت بالسجن، في رسالة واضحة للردع.، وفي هذا المسلسل، الذي تلعب بطولته هند صبري، تظهر صورة تاجر المخدرات بشكل يكسر الصورة النمطية، مع تقليل المشاهد التي تتضمن رقص أو تدخين أو كحول، مع تنويه في بداية كل حلقة بنصيحة تحذر من أن العمل مستوحى من قصة حقيقية، ويعكس زمنًا خاصًا بكل قصة.
على الرغم من ذلك، حافظت الدراما على صورة ضباط الشرطة بشكل نقي، حيث تظهر الأقسام بواجهات حديثة ومداخل رخامية، ويظهر الضباط دائمًا في صورة متعاطفة ومستعدة للمساعدة، مع تجنب إظهار أي مخالفة أو صورة سلبية تعكس انحرافات داخل الجهاز الأمني.
وفي المشاهد الأخيرة، تظهر غالبًا مرافعات قضائية طويلة، تقترب من كونها خطبًا أكثر منها دراما، مع التركيز على المحاكم، القضاة، ووكلاء النيابة، والمحامين، في صور توضح أجواء قانونية أكثر منها درامية.
التركيز على القضايا الاجتماعية والعائلية
تتناول معظم مسلسلات الشركة المتحدة قضايا اجتماعية، مثل الطلاق، مظلومية البطل الشعبي، الصراع بين رجال الأعمال الفاسدين، أو قضايا غسيل الأموال، مع التركيز على تقديم نماذج مألوفة للجمهور. وفيما يخص المرأة، حرصت اللجنة على احترام صورتها وتطهير الشاشة من الراقصات وأجواء الكباريهات، مرسخةً صورة المرأة المحجبة، كهويّة تتناسب مع الطبقة المتوسطة التي تمثل الأغلبية.
لكن، على أرض الواقع، ظلت صورة المرأة على الشاشة تتسم بالصور النمطية، حيث يتم تقديم المرأة ككيان تابع، يطارد الرجال، ويبحث عن ذاته من خلال الارتباط، مع ظهور نماذج رجالية ذات سمات تقليدية، تتبنى أفكارًا رجعيةً، تظهر بوضوح في شخصية حسن في مسلسل “اتنين غيرنا”، حيث تتصرف بطريقة تكرس سيطرة الرجل المطلقة على شقيقته.
وفي الكثير من المسلسلات، استمرت الصور النمطية للمرأة، خاصة في تكرارها كشخصية تلاحق الرجال، وهو ما يعكس تصورات تقليدية تكرس صورة المرأة التابع، التي لا وجود لمشروعها الشخصي خارج إطار العلاقات العائلية والارتباطات العاطفية.
تمثيل حي للبيئة المصرية والتوجهات الأخلاقية
ظهرت الحارة المصرية تحت ضوابط أخلاقية صارمة، بحيث لم تعد البلطجة عنوانها، كما كانت في السابق، وركّزت الأعمال على علاقات الزواج الشرعي، مع تهميش العلاقات خارج هذا الإطار، مع تصوير العلاقات غير المشروعة بشكل محدود، كما في مسلسل “توالف”.
وجُنب تصوير الخيانات الزوجية، وبينما تظهر أحيانًا بشكل عابر، فإنها تأتي كإشارات محدودة خلال الأحداث، حيث يُعاد التأكيد على أن الحفاظ على القيم الأسرية مسؤولية المرأة وحدها، وهو مفهوم تقليدي متكرر.
أما على مستوى السكن، فظهرت الأحياء المصرية المحكومة بضوابط أخلاقية، مع تراجع تصوير البلطجة، وانتقال الكاميرات من المناطق الراقية إلى الأحياء المتوسطة وأسفلها، مع عودة التصوير في الشوارع، ليكشف عن مصر بشكل حقيقي، بدلاً من الصور النمطية التي كانت تُعرض سابقًا.
لكن هذا التغيير المكاني لم يواكبه تحرر في المحتوى، حيث لا تزال القصص تبدو وكأنها منبتة عن سياقها الاجتماعي والسياسي، وكأنها أحداث من أي مكان في العالم، إلا أنها لا تعكس الواقع المصري بشكل كامل، خاصة في غياب الملامح الاجتماعية التي تربط القصة بالمجتمع الحقيقي.
رغم أن رئيس الرقابة عبد الرحيم كمال أكد أن آليات الرقابة لا تتلقى وصايا مباشرة، وأن المحتوى “مراعي للقيم ويدعم الهوية الوطنية”، فإن ضعف جودتها، وارتباك خطوطها الدرامية، وضعف أداء الممثلين، أظهر جليًا أن التوجه كان محدودًا، وأدى إلى تقليل التنوع في المواهب وتركز النجوم.
أيضًا، تحولت بعض الأعمال إلى نوع من الدراما الإرشادية، حيث تستخدم تحذيرات تنبه المشاهدين على الخطوط الساخنة، في مواضيع مثل العنف، غش الدواء، أو الابتزاز الإلكتروني، وهو توجه يفرض نوعًا من التعليم المباشر، على حساب الطابع الفني والعفوي للدراما، ويؤدي إلى تقديم أعمال تركز على التوعية أكثر من الجودة والإبداع الفني.
