
تشهد الدراما المصرية في موسم رمضان الحالي، الذي يُعد الأهم لهذا العام وتتجمع فيه العائلات والأصدقاء لمشاهدة المسلسلات لساعات طويلة بعد الإفطار، تحولاً لافتاً، مدفوعاً بقوة السياسة من أعلى المستويات، ومرتبطاً برؤية اجتماعية أكثر شمولاً واتساعاً.
قبل أيام قليلة، أثارت واقعة مؤسفة، أُجبر فيها شاب على ارتداء ملابس نسائية والسير بها في الشارع، ردود فعل شعبية واسعة، وبالرغم من التحرك السريع للسلطات وإلقاء القبض على الجناة، فقد فتحت هذه الواقعة نقاشات حادة حول دور الأعمال الفنية في “ظهور وتكرار مثل هذه السلوكيات”. وقد وُجهت أصابع الاتهام بشكل خاص إلى مسلسل “الأسطورة”، الذي عُرض في رمضان 2016 وحقق نسب مشاهدة ضخمة، ويتضمن المسلسل مشهداً مؤثراً ينتقم فيه بطل العمل “ناصر الدسوقي”، الذي يؤدي دوره الفنان محمد رمضان، من “مرسي” (محمود حافظ)، بإجباره على ارتداء قميص نوم نسائي علناً.
نقد سياسي وتوجيه رئاسي
أرسل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال السنوات الماضية، إشارات واضحة ومتعددة حول تأثير الفن في تشكيل الوعي وإعادة بناء الشخصية المصرية. من أواخر تصريحاته في رمضان الماضي، حذر الرئيس من دعم “الهزل والكلام الذي لا يبني أمة” في الأعمال الدرامية، داعياً إلى تبني الأعمال “الإيجابية والجادة”. وقبل نحو ثلاثة أشهر، تحدث الرئيس المصري بصراحة أكبر، مؤكداً أن تقديم “شكل معين” من الفن على مدار ستين عاماً قد أثر في الشخصية المصرية دون إدراك.
توقعات بتحول جذري
منذ التلميحات الأولى للرئيس السيسي بهذا الشأن، بدأت المسلسلات تشهد تغييرات نسبية، ومع حديثه الصريح في نوفمبر الماضي، يتوقع مراقبون حدوث تحول جذري، ستظهر ملامحه بوضوح في رمضان الحالي. يقول الناقد الفني ضياء مصطفى في حديث خاص لـ”أقرأ نيوز 24″: “لا يمكننا الجزم بوجود تحول تام بعد، ولكن هناك اتجاهاً واضحاً بدأت ملامحه تتشكل تدريجياً، ويرتبط بملاحظات وتوجيهات الرئيس”. يضيف مصطفى أن “الآونة الأخيرة شهدت تركيزاً على الدراما الاجتماعية التي تناقش الواقع والقضايا القانونية الهامة، مثل مسلسلي “تحت الوصاية” و”لام شمسية”، بالإضافة إلى أعمال جديدة تُعرض في رمضان الحالي”.
تأثير الدراما والنطاق المجتمعي
يؤكد استشاري الطب النفسي الدكتور جمال فرويز أن “للأعمال الدرامية تأثيراً مهماً لا شك فيه على شخصية الإنسان، لكن مدى تأثير تلك الأعمال في قطاع واسع من المجتمع يبقى بحاجة إلى نقاش معمق”. ويضرب فرويز مثالاً على ما أثير حول مسلسل “الأسطورة”، موضحاً أن “مشهد قميص النوم، على سبيل المثال، ربما أثر في شخصين أو ثلاثة أفراد، ويعود ذلك إلى حالة الانهيار الثقافي الذي نعيشه، فمتى وُجد الوعي والثقافة، يرفض الإنسان مثل هذه السلوكيات لأنه يميز بين الصواب والخطأ”. ويضيف: “إذا أردنا إحداث تغيير حقيقي واسع النطاق داخل المجتمع، فلا بد من وجود اتجاه عام يتبنى القضية ذاتها في أكثر من مسلسل، وتتناولها وسائل الإعلام، ويتحدث عنها المسجد والكنيسة، ففي هذه الحالة فقط يأتي التأثير عميقاً على شريحة واسعة من المجتمع”.
ملامح الاتجاه الجديد
يشير ضياء مصطفى إلى أن المنتجين الرئيسيين في سوق الدراما المصرية، وعلى رأسهم “الشركة المتحدة”، قد بدأوا مؤخراً في التركيز على نوع معين من الدراما. ويقول الناقد: “سنشاهد في رمضان الحالي أكثر من مسلسل يتبنى هذا الاتجاه، مثل مسلسل “أب ولكن” الذي يناقش قانون الرؤية (لقاء الأبناء عند انفصال الوالدين)، و”حكاية نرجس” الذي يتناول قضايا الأمومة والإنجاب”. ويضيف مصطفى: “هناك تنوع ملحوظ في المحتوى، وعودة لوجوه فنية غابت لبعض الوقت، مثل يوسف الشريف، وحضور قوي للدراما الشعبية في أعمال تنتجها “الشركة المتحدة” و”MBC”، كما تتواجد مسلسلات الـ15 حلقة إلى جانب مسلسلات الـ30 حلقة”. ويختتم مصطفى حديثه قائلاً: “نعم، قد لا يكون التحول جذرياً بالكامل حتى الآن، لكننا نستطيع أن نرى اتجاهاً جديداً نحو شكل معين من الدراما، مما يعني أن التحول الأعمق قد يكون في طريقه للحدوث بالفعل”.
