
بعد ما يقارب 60 عاماً من الإقامة في منزلها الريفي الهادئ بشمال ولاية نيويورك، وجدت الأميركية أزاليا كينغ، البالغة من العمر 91 عاماً، نفسها في خضم صراع كبير مع السلطات المحلية ومشروع صناعي ضخم تصل قيمته إلى أكثر من 100 مليار دولار.
فالسيدة التسعينية أصبحت آخر عقبة في طريق إنشاء “ميغافاب” هائل، الذي تخطط شركة ميكرون الأميركية لتشييده ليصبح أكبر مجمع لإنتاج الشرائح الإلكترونية في الولايات المتحدة.
خلال الأشهر الأخيرة، هددت سلطات مقاطعة أونونداغا باستخدام قانون نزع الملكية للمنفعة العامة لإجبار كينغ على مغادرة منزلها الأخير، الواقع على قطعة أرض تمتد على 1400 فدان، حيث كانت تضم عشرات المنازل، التي تم إزالتها واحدا تلو الآخر من أجل المشروع، وفق ما ذكره تقرير نشره موقع “wired” واطلعت عليه “العربية Business”.
اتفاق بعد ضغوط هائلة
بعد أسبوع من المفاوضات المكثفة، والتهديدات القانونية المتبادلة، واحتجاجات المجتمع التي تدعم كينغ، أعلن مسؤول المقاطعة رايان مكماهون التوصل إلى اتفاق مع عائلة السيدة المسنّة للانتقال من منزلها، ولم تُكشف بعد تفاصيل الصفقة، ولكنها ستعرض على وكالة التنمية الصناعية منتصف ديسمبر، علماً بأن المقاطعة قدمت سابقاً عرضاً بقيمة 100 ألف دولار، بينما طالبت العائلة بمبلغ 10 ملايين دولار، وقال مكماهون: “كان الوقت مناسباً للطرفين، فهذا مشروع وطني مهم سيغير مستقبل المنطقة لأجيال”.
وراء المشروع الضخم
تعتزم “ميكرون” بدء أشغال البناء الشهر المقبل شمال سيراكيوز، ولكن الشركة لا تستطيع التقدم في المشروع قبل مغادرة كينغ من منزلها، علماً أن المشروع متأخر فعلاً لمدة تتراوح بين سنتين إلى ثلاث سنوات، بينما بدء الإنتاج الكامل لن يكون قبل عام 2045، ويأتي المجمع ضمن جهود أميركية ضخمة لتعزيز صناعة الرقائق محلياً وتقليل الاعتماد على آسيا، حيث تشير تقديرات إلى أن الدعم الحكومي على المستويات المحلية والولائية والفيدرالية قد يصل إلى 25 مليار دولار.
مع تزايد توجهات واشنطن لإعادة التصنيع إلى الداخل، يتوقع المحللون أن تزداد حالات نزع الملكية المرتبطة بمشروعات صناعية مشابهة.
ليست المرة الأولى
المفارقة هي أن كينغ واجهت تجربة مشابهة قبل ستين عاماً، فقد أُرغمت هي وزوجها في منتصف الستينات على مغادرة مزرعتهما لصالح محطة توليد كهرباء، وبعد سنوات، تعرضا للضغط لبيع مزرعتهما الحالية من أجل مشروع شرائح آخر لم يكتمل، وفي عام 2005، وافقت العائلة على بيع الأرض للمقاطعة مقابل 330,750 دولار، مع منحها حق العيش في منزلها الحالي دون ضرائب حتى وفاتهما، حيث توفي زوجها عام 2015، وبقيت كينغ وحدها في المنزل، واليوم، تقع أرضها ضمن خطة مواقف السيارات وأحواض تصريف المياه لمجمع “ميكرون”، مما يجعل إخلاءها شرطاً أساسياً لإطلاق المشروع.
معركة قانونية وجدال مجتمعي
خلال الأشهر الأخيرة، لجأت السلطات إلى قوانين الإخلاء ونزع الملكية لإجبار كينغ على مغادرة منزلها قبل منتصف يناير، لكن العائلة ردت بدعوى قضائية تدعي أن إخراج سيدة مسنّة من منزلها سيُحدث اضطراباً كبيراً في حياتها وأن الاتفاق السابق ما زال سارياً، وجاء في الدعوى أن كينغ ترغب فقط في قضاء ما تبقى من حياتها في منزلها، حيث تشعر بالأمان والراحة، وأكدت صديقة للعائلة أن السيدة التسعينية تشعر أحياناً بالارتباك حتى داخل منزلها الحالي، معتبرةً أن نقلها أمر قاسٍ وغير إنساني، وقد أثار الموضوع موجة تعاطف واسعة، حيث حضر عشرات الأشخاص من مناطق مختلفة للاحتجاج وضمان دعم كينغ ضد قرار الإخلاء.
هل كان يمكن تفادي الأزمة؟
يشير خبراء قانونيون إلى أن كينغ كانت تمتلك فرصة حقيقية للفوز بدعواها، لكن معركة طويلة أمام حكومة محلية بموارد كبيرة قد تكون مرهقة لسيدة في هذا العمر، كما يشيرون إلى أن العديد من مشروعات نزع الملكية في الولايات المتحدة لم تحقق وعودها الاقتصادية، متسائلين عن الفائدة من التضحية بمساكن السكان لصالح شركات خاصة، ومع أن البعض في المنطقة يشكك في قدرة مشروع “ميكرون” على تحقيق الوعود، فإن آخرين بدأوا بالفعل بالرحيل هرباً من الفوضى المتوقعة في حركة البناء، مثل جيران عائلة كينغ الذين انتقلوا إلى مقاطعة أخرى، بينما تستعد المقاطعة للمضي قدماً في مشروعها التاريخي، يبدو أن كينغ ستغادر أخيراً المكان الذي قضت فيه معظم حياتها، تماماً كما حدث قبل ستة عقود.
هذا المقال لا ينتمي لأي تصنيف.
