مصر تقتحم عالم توطين تصنيع منظومات ربط الطاقة الكهربائية

مصر تقتحم عالم توطين تصنيع منظومات ربط الطاقة الكهربائية

هل تساءلت يومًا عن ماهية أجهزة الانفرتر (Inverters) تحديدًا؟ ولماذا كانت مصر تعتمد كليًا على استيرادها في السابق؟ وهل المصنع الجديد كفيل بتحقيق الاكتفاء الذاتي من هذه الأجهزة، أم أننا سنظل بحاجة للاستيراد؟ وما هو حجم العملة الصعبة التي ستوفرها عملية توطين هذه الصناعة على الدولة؟ وهل ستكون الجودة المحلية للأجهزة المصنعة في مصر مماثلة أو حتى أفضل من نظيرتها المستوردة؟ وهل سيؤدي هذا التطور إلى تقليل انقطاعات التيار الكهربائي في المستقبل؟ وكم فرصة عمل ستُتاح للشباب، المهندسين والفنيين بفضل هذا المشروع؟

ما نشهده اليوم في ملف الكهرباء والطاقة في مصر ليس مجرد خطوة عادية، بل هو تحول جوهري يمس بنية الصناعة ذاتها، فبعد سنوات من الحديث عن توطين الصناعة، تحول هذا الطموح إلى واقع ملموس نشاهده على أرض الواقع، حسب ما أفادت به “أقرأ نيوز 24”.

شراكة استراتيجية لبناء المستقبل

بدأت القصة بتوقيع مذكرة تفاهم استراتيجية بين شركة كيميت المصرية وشركة تبيا الصينية، التي تُعد إحدى الشركات العالمية الرائدة في مجال المهمات الكهربائية والطاقة المتجددة، وقد تم التوقيع بحضور الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، ويهدف هذا الاتفاق إلى نقل وتوطين تكنولوجيا صناعة منظومات ربط الطاقة الكهربائية بالشبكة القومية، والأهم من ذلك، إنشاء أول مصنع في مصر متخصص في تصنيع أجهزة الانفرتر محليًا.

ما هي الانفرترات وأهميتها الحيوية؟

إن جهاز الانفرتر هو بمثابة العقل المدبر الذي يربط أي مصدر للطاقة، لا سيما الطاقة الشمسية، بالشبكة القومية للكهرباء، وبدونه، لا يمكن تحقيق ربط مستقر، فعال، أو يتمتع بالكفاءة اللازمة، وقد كانت الأجهزة المتوفرة في السوق المصري تستورد بالكامل تقريبًا، مما كان يعني استنزافًا للعملة الصعبة، والاعتماد على جداول شحن معقدة، وزيادة في التكاليف النهائية على المستثمرين والمواطنين على حد سواء.

الاكتفاء الذاتي وتوفير العملة الصعبة

أما الآن، وللمرة الأولى في تاريخها، تدخل مصر بقوة مجال تصنيع أجهزة الانفرتر محليًا، وهذا يعني تحقيق اكتفاء ذاتي حقيقي، وتقليصًا كبيرًا لفاتورة الاستيراد، وبالتالي، ستبقى الأموال التي كانت تُنفق على الاستيراد داخل الاقتصاد المصري، مما يعزز دوران رأس المال محليًا.

تخفيض التكاليف وتعزيز الطاقة النظيفة

عندما يتم تصنيع الأجهزة محليًا، تنخفض تكلفة الإنتاج بشكل ملحوظ، وهذا ينعكس إيجابًا على أسعار مشاريع الطاقة الشمسية، سواء للمصانع، المنازل، أو الشركات، مما يجعل الطاقة النظيفة أكثر يسراً واقتصادية في التنفيذ، ويشجع عددًا أكبر من الأفراد والكيانات على تبنيها.

جودة أفضل واستقرار للشبكة الكهربائية

الأهم من ذلك، أن الأجهزة التي ستُصنع في مصر ستكون متوافقة بنسبة 100% مع مواصفات الشبكة القومية المصرية، بدلاً من الاعتماد على أجهزة مصممة لشبكات خارجية، وهذا سيساهم في تحسين جودة التيار الكهربائي، وتقليل انقطاعاته، وزيادة استقرار الشبكة بشكل عام، خاصة مع دمج مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة مثل الشمس والرياح.

تنمية صناعية وخلق فرص عمل

الموضوع يتجاوز البعد الاقتصادي ليشمل تنمية صناعية حقيقية، فبناء هذا المصنع سيوفر فرص عمل واعدة للمهندسين، الفنيين، والعمال، كما أنه سيسهم في نقل المعرفة والتكنولوجيا الحديثة إلى السوق المصري، مما يعني أننا لا نقتصر على شراء منتج جاهز، بل نتعلم كيف نصنعه، نُطوره، ونصبح منافسين أقوياء في هذا المجال.

دور الدولة ومساهمة القطاع الخاص

من جانبها، وفرت الدولة المناخ الداعم والبيئة المواتية، وفتحت الأبواب أمام القطاع الخاص المحلي والأجنبي على حد سواء، وهذا يندرج ضمن استراتيجية واضحة المعالم: الدولة تخطط وتدعم، بينما يتولى القطاع الخاص مهام التنفيذ والقيادة، وهو ما أكده الوزير خلال لقاءاته وجولته داخل مصانع الشركة الصينية، التي تتميز بعملها في العديد من الدول وامتلاكها لتكنولوجيا متقدمة جدًا.

مصر مركز إقليمي للطاقة المتجددة

تخدم كل هذه الجهود هدفًا أسمى، وهو تحويل مصر إلى مركز إقليمي رائد في صناعة مهمات الطاقات المتجددة، لتتجاوز كونها مجرد دولة مستهلكة، لتصبح دولة مُصنّعة ومُصدّرة، ومع خطط الوصول إلى 42% من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، و65% بحلول عام 2040، أصبح وجود صناعة محلية قوية ضرورة قصوى وليست مجرد رفاهية.