مصر والأردن أمام خيار استراتيجي اقتصاد السوق الاجتماعي

مصر والأردن أمام خيار استراتيجي اقتصاد السوق الاجتماعي

في مطلع عام 2026، يلوح الاقتصاد العالمي وكأنه يقف على أساس متين، لكنه في واقع الأمر، يتحرك فوق طبقات هشة من الاختلالات البنيوية الكامنة، هذه الاختلالات تخفي وراءها حقائق اقتصادية صعبة، وتُعقّد مسار التعافي والتنمية المستدامة.

معدلات النمو الحالية، رغم استقرارها النسبي الظاهري، لم تعد كافية لتوليد الأثر التنموي المطلوب، فهي لا تنجح في خلق فرص عمل كافية، ولا في تقليص معدلات الفقر المتزايدة، كما أنها لا تساهم في إعادة بناء العقد الاجتماعي الذي تآكل بشكل كبير بعد سلسلة الأزمات والنزاعات العالمية وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، نحن الآن أمام نمو بطيء وغير كافٍ، يهدد بتحويل هذا العقد إلى “عقد ضائع” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ما لم يُعاد تعريف مسارات التنمية وأدواتها بفعالية وجدية.

تحديات المنطقة العربية: مصر والأردن نموذجًا

هذه المعضلة العالمية تتجلى بشكل أكثر حدة في المنطقة العربية، وبالأخص في دول محورية مثل مصر والأردن، التي تجد نفسها محاصرة بين مجموعة من الضغوط الخارجية والداخلية، تشمل الضغوط الخارجية تذبذب الاقتصاد العالمي، والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة، بالإضافة إلى التحديات المتزايدة لتغير المناخ، بينما تشمل الضغوط الداخلية النمو السكاني المتسارع، وارتفاع معدلات البطالة، وتآكل الطبقة الوسطى، فضلاً عن محدودية الموارد الطبيعية، في هذا السياق، لم يعد السؤال هو: كيف نحقق نموًا أعلى فحسب؟ بل أصبح السؤال الأهم: أي نمو نريده، ولمصلحة من يجب أن يكون، وما هي الأدوات المثلى لتحقيقه؟

النمو البطيء على المستوى العالمي يعني عمليًا تقلص الهوامش المتاحة أمام الاقتصادات المتوسطة والنامية، فالدول التي تفتقر إلى الفوائض المالية الضخمة، ولا تملك أدوات سيادية مرنة، تجد نفسها مرغمة على إدارة الندرة بدلًا من إدارة الوفرة، وهذا يضعها أمام خيارات صعبة ومحدودة تؤثر على قدرتها على تحقيق التنمية الشاملة.

في مصر، يظهر هذا التحدي بجلاء في الضغط المتزايد على فاتورة النقل والطاقة والغذاء، وفي الحاجة الماسة لتطوير بنية تحتية قوية قادرة على استيعاب اقتصاد كبير وعدد سكان متزايد دون التسبب في استنزاف اجتماعي وبيئي إضافي، أما في الأردن، فتتجلى المعضلة في اقتصاد صغير ومفتوح، شديد التأثر بالصدمات الخارجية، ويعاني من فجوة واضحة بين النمو الرقمي والنمو الاجتماعي، بالإضافة إلى معدلات بطالة مرتفعة، لا سيما بين فئتي الشباب والمتعلمين، مما يستدعي حلولاً هيكلية ومبتكرة.

البنية التحتية والنقل: مفتاح للعدالة الاقتصادية

هنا تبرز أهمية البنية التحتية، وبشكل خاص أنظمة النقل، كعنصر حاسم ليس فقط لتحقيق النمو الاقتصادي، بل أيضًا لضمان العدالة الاقتصادية والاجتماعية، فأنظمة النقل لا تقتصر على كونها مجرد طرق وجسور، بل هي في حقيقتها شبكات حيوية للفرص، وضعف النقل يؤدي إلى عزلة جغرافية واجتماعية، ويزيد من كلفة الوصول إلى الخدمات الأساسية كالتعليم، والعمل، والرعاية الصحية، مما يعيق تكافؤ الفرص.

في الأردن، على سبيل المثال، لا يمكن فصل مشكلة البطالة في الأطراف والمناطق النائية عن ضعف الربط المواصلاتي مع مراكز النشاط الاقتصادي الرئيسية، مما يحد من حركة العمالة والوصول إلى الوظائف، وفي مصر، لا يمكن فصل التفاوت الإقليمي الواضح بين الصعيد والدلتا والمدن الكبرى عن مدى كفاءة وسهولة النقل بين هذه المناطق، الاستثمار في أنظمة نقل ذكية ومستدامة ليس ترفًا بيئيًا فحسب، بل هو شرط أساسي لدمج السوق الوطني، وتخفيض كلفة المعيشة على المواطنين، وتحسين إنتاجية العمل بشكل عام، وهذا يتطلب رؤية استراتيجية واضحة.

لكن هذا الاستثمار، إذا لم يُدار بعقلية جديدة ومبتكرة، قد يتحول إلى عبء مالي وبيئي ثقيل، فالنقل التقليدي كثيف الكربون يفاقم مشكلات التلوث البيئي ويستنزف الموارد الطبيعية، ويخلق نموًا هشًا قصير الأجل وغير مستدام، المطلوب هو انتقال نوعي ومدروس نحو أنظمة نقل خضراء وذكية، توازن بفعالية بين الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية البيئية، وتخلق في الوقت نفسه فرص عمل محلية في مجالات الصيانة، والتكنولوجيا، والتشغيل، مما يضمن استدامة النمو.

اقتصاد السوق الاجتماعي: بوصلة التنمية المستدامة

هنا يتقاطع البعد الاقتصادي بشكل حيوي مع البعد الاجتماعي، في جوهر ما يُعرف باقتصاد السوق الاجتماعي، اقتصاد السوق الاجتماعي لا يعتبر السوق غاية بحد ذاته، بل يراه أداة مرنة تُضبط من خلال السياسات العامة لتحقيق العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي، إنه إطار مناسب جدًا لحالة مصر والأردن، حيث لا يمكن ترك التنمية لقوى السوق وحدها دون توجيه، ولا يمكن في الوقت نفسه العودة إلى نموذج الدولة الريعية أو التدخلية الشاملة، مما يتطلب توازناً دقيقاً.

في هذا النموذج، يكون دور الدولة استراتيجيًا ومحوريًا: فهي توجه الاستثمار نحو القطاعات ذات الأولوية، وتحمي الفئات الهشة والأكثر احتياجًا، وتحفز الابتكار المستمر، وتضمن أن ثمار النمو لا تتركز في القمة فقط، بل تتوزع بشكل عادل على جميع شرائح المجتمع، وهذا يعزز التماسك الاجتماعي ويقلل من الفجوات.

الابتكار والذكاء الاصطناعي: محفز للفرص

الابتكار، في هذا السياق، ليس مجرد شعار تقني براق، بل هو أداة فعالة لإعادة توزيع الفرص الاقتصادية والاجتماعية، والذكاء الاصطناعي، إذا استُخدم بوعي ومسؤولية، يمكن أن يصبح رافعة حقيقية للتنمية الشاملة، لا تهديدًا اجتماعيًا يفاقم المشكلات، وفي مجال التعليم تحديدًا، تواجه مصر والأردن فجوة متزايدة بين مخرجات النظام التعليمي ومتطلبات سوق العمل المتغيرة باستمرار، فالتعليم التقليدي لم يعد قادرًا على مواكبة اقتصاد يتغير بوتيرة متسارعة، مما يستدعي حلولاً مبتكرة.

هنا تبرز تكنولوجيا التعليم المعتمدة على الذكاء الاصطناعي كجسر حيوي يربط بين التعليم وسوق العمل، وبين العدالة والكفاءة، ويقدم حلولاً تعليمية مخصصة وفعالة تُلبي احتياجات المستقبل، لكن هذا الجسر لا يُبنى تلقائيًا أو بمجرد إدخال التقنية، فإدخال الذكاء الاصطناعي في التعليم دون توفر بنية رقمية عادلة وشاملة، ودون محتوى تعليمي محلي ملائم ومُبتكر، قد يؤدي إلى تعميق الفجوات التعليمية والرقمية بدلاً من ردمها، وهذا يتطلب تخطيطاً دقيقاً ومستداماً.

اقتصاد السوق الاجتماعي يفرض هنا شرطين أساسيين لضمان الاستفادة القصوى من التكنولوجيا: أولاً، أن تكون التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا العكس، بما يضمن تسخيرها لتلبية الاحتياجات البشرية وتطوير القدرات، وثانياً، أن تُدار هذه التكنولوجيا كمنفعة عامة للجميع، لا كسلعة نخبوية حصرية على فئة معينة، أي أن الاستثمار في البيانات، والبنية التحتية الرقمية، وبناء القدرات البشرية، يجب أن يُوجَّه نحو تعميم الفرص وتحقيق الشمول، لا احتكارها من قبل قلة.

في مصر، حيث الكتلة السكانية الضخمة تمثل في آن واحد تحديًا هائلاً وفرصة كبرى، يمكن للذكاء الاصطناعي في التعليم والتدريب أن يحوّل الضغط الديموغرافي إلى طاقة إنتاجية هائلة، إذا ما ارتبط بسياسات تشغيل وصناعة حقيقية ومتكاملة، وفي الأردن، حيث رأس المال البشري مرتفع نسبيًا ويمتلك إمكانيات كبيرة، يمكن لهذا الابتكار أن يخفف من فجوة البطالة المتفاقمة، عبر مواءمة المهارات التعليمية مع متطلبات اقتصاد إقليمي وعالمي يزداد رقمية وتنافسية.

التحول نحو عقد تنموي جديد

إن التحديات الاقتصادية العالمية ليست قدرًا محتومًا علينا أن نستسلم له، بل هي اختبار حقيقي لخيارات السياسات وقدرتها على التكيف والابتكار، فالنمو البطيء يمكن أن يتحول إلى نمو ذكي ومستدام، إذا أُعيد توجيه الاستثمار نحو البنية التحتية ذات الأثر الاجتماعي المباشر، ونحو رأس المال البشري وتنميته، ونحو الابتكار المنضبط والمسؤول، ومصر والأردن، رغم اختلاف الحجم والموارد، يشتركان في الحاجة الماسة إلى نموذج تنموي جديد، لا يضحي بالعدالة باسم السوق، ولا يعطّل السوق باسم العدالة، بل يوازن بينهما بفعالية.

اقتصاد السوق الاجتماعي، في هذا الإطار، ليس وصفة جاهزة أو حلًا سحريًا، بل هو بوصلة إرشادية توجه مسار التنمية نحو أهداف أسمى: نمو اقتصادي يقوده السوق، تضبطه الدولة بحكمة، وتُقاس نجاحاته بكرامة الإنسان وجودة حياته، لا بالأرقام المجردة فحسب، عندها فقط يمكن لهذا العقد أن يكون عقد تحول حقيقي وملموس، لا مجرد عقد ضائع آخر.

أقرأ نيوز 24