مصر والغاز اكتشافات جديدة وثقة في استراتيجية الطاقة طفرة الغاز المصرية اكتشافات تعزز مكانة مصر المستقبلية اكتشافات الغاز في مصر رؤية واعدة تقود النمو الغاز المصري استراتيجية ناجحة واكتشافات تغير المشهد

مصر والغاز اكتشافات جديدة وثقة في استراتيجية الطاقة
طفرة الغاز المصرية اكتشافات تعزز مكانة مصر المستقبلية
اكتشافات الغاز في مصر رؤية واعدة تقود النمو
الغاز المصري استراتيجية ناجحة واكتشافات تغير المشهد

يُعد إنتاج مصر من الغاز الطبيعي اليوم مادةً خصبةً لجدل سياسي واقتصادي واسع النطاق، خاصةً مع تزايد الرقابة البرلمانية، التي بلغت ذروتها ببدء أول استجواب لوزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، يأتي هذا في وقتٍ تتوالى فيه الإعلانات عن اكتشافات غاز جديدة في البلاد.

لم يكن التحرك البرلماني، الذي قاده النائب الدكتور محمد فؤاد، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، مجرد ممارسة رقابية روتينية، بل أسهم في فتح نقاشٍ أعمق حول الفجوة المتزايدة بين الأهداف الحكومية المعلنة والنتائج الفعلية المحققة على أرض الواقع، مما يثير تساؤلات جدية حول كفاءة التخطيط.

تُظهر الأرقام الرسمية أن إنتاج مصر من الغاز قد اتخذ مسارًا تنازليًا ملحوظًا منذ عام 2022، حيث شهد انخفاضًا تدريجيًا من مستويات كانت تتراوح بين 6.5 و7 مليارات قدم مكعبة يوميًا، ليُتوقع أن يصل إلى نحو 4 مليارات قدم مكعبة يوميًا بحلول نهاية عام 2025.

لم يقتصر تأثير هذا التراجع على ميزان الطاقة في البلاد فحسب، بل امتد ليشمل قطاعات حيوية مثل الكهرباء والصناعة والموازنة العامة للدولة، الأمر الذي يضع الحكومة في مواجهة اختبارٍ حقيقيٍ لمدى قدرتها على استعادة الثقة في إدارتها لقطاعٍ حيويٍ يشكل دعامة أساسية للأمن الاقتصادي المصري.

التخطيط وتراجع أرقام الإنتاج

يطرح الاستجواب البرلماني تساؤلات جوهرية ومباشرة حول كيفية دمج طاقات إنتاجية لم تُحقق بعد ضمن الخطط الحكومية للفترة 2025-2026، وهو ما كان له انعكاسات سلبية واضحة على إنتاج مصر من الغاز الطبيعي، وأحدث ارتباكًا في حسابات الإمداد والاستهلاك على حدٍ سواء.

أحد أبرز الأمثلة على هذا التضارب يظهر في حقل ظهر، حيث كانت الخطط الرسمية تستهدف إضافة طاقة إنتاجية كبيرة، لكن النتائج الفعلية جاءت أقل بكثير من المتوقع.

الحقلالطاقة المستهدفة يوميًا (مليون قدم مكعبة)الإنتاج الفعلي يوميًا (مليون قدم مكعبة)نسبة العجز مقارنة بالمستهدف
حقل ظهر230130حوالي 43%

تكشف البيانات الحديثة عن استمرار هذا التراجع، حيث شهد إنتاج الغاز انخفاضًا شهريًا وسنويًا، مما يؤكد الضغوط المتزايدة على القطاع.

الفترةالإنتاج اليومي (مليار قدم مكعبة)ملاحظات
نوفمبر/تشرين الثاني 20254.04
أكتوبر/تشرين الأول 20254.14انخفاض شهري بنسبة 2.4%
التراجع السنوينحو 261 مليون متر مكعب

لم يأتِ هذا التراجع مفاجئًا تمامًا، إذ بدأت بوادره تظهر قبل تولي الوزير الحالي حقيبته، حيث انخفض متوسط الإنتاج خلال عام 2023 ليراوح بين 5.5 و6.5 مليار قدم مكعبة يوميًا، ثم واصل الهبوط ليصل إلى 4.8 مليار قدم مكعبة خلال الأشهر الأولى من عام 2024.

خلال الفترة الممتدة من يونيو/حزيران 2024 وحتى نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، استمر إنتاج مصر من الغاز في مسار الانحدار، ليستقر عند مستوى يقارب 4 مليارات قدم مكعبة يوميًا، وهو ما يمثل أدنى مستوى له منذ سنوات عديدة، وذلك على الرغم من التعهدات الحكومية بتحقيق تحولٍ سريعٍ في منحنى الإنتاج.

تشير بيانات “جودي” إلى أن شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي 2025 سجل ثالث أدنى معدل إنتاج خلال العام، بعد شهري فبراير/شباط ويونيو/حزيران، مما يؤكد استمرار الضغوط على الحقول القديمة، ويُبرز التباطؤ في دخول طاقات إنتاجية جديدة ذات تأثير ملموس إلى الخدمة.

عند إجراء مقارنة سنوية، يتضح حجم الفجوة بين العرض والطلب، وهو ما يبرز التحدي الحقيقي الذي يواجهه قطاع الغاز.

الفترةمتوسط الإنتاج اليومي (مليار قدم مكعبة)
الأشهر الـ 11 الأولى من 20254.1
الفترة نفسها من 20244.8

سفن التغويز وتداعيات فاتورة الاستيراد

لم يكن تراجع إنتاج مصر من الغاز بمعزلٍ عن ملف سفن التغويز العائمة، التي تم الترويج لها سابقًا كحلٍ سريعٍ لأزمة الطاقة خلال فصل الصيف، لكنها سرعان ما تحولت إلى عبءٍ ماليٍ إضافيٍ بسبب التأخيرات المتتالية والغرامات اليومية المترتبة عليها.

وفقًا لما كشفه الاستجواب البرلماني، تراوحت غرامات التأخير لهذه السفن بين 100 ألف و150 ألف دولار يوميًا، مما أدى إلى تكلفة شهرية قاربَت 12 مليون دولار، دون أن يتحقق أي عائد تشغيلي فعلي في المواعيد التي أُعلن عنها مسبقًا.

لقد أدى هذا الوضع إلى تضخم كبير في فاتورة واردات الغاز، مما شكل ضغطًا إضافيًا على الموازنة العامة.

السنةفاتورة واردات الغاز (مليار دولار)ملاحظات
202412
202521بزيادة تقارب 9 مليارات دولار

في ظل هذه الضغوط المتزايدة، بات تعزيز إنتاج مصر من الغاز الطبيعي المحلي عاملًا حاسمًا لتخفيف العبء عن الموازنة العامة للدولة وميزان المدفوعات، خاصةً مع اضطرار الهيئة المصرية العامة للبترول إلى اللجوء لتمويلٍ خارجيٍ بلغ نحو 1.455 مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد.

كما انعكست هذه الأزمة سلبًا على القطاعات الصناعية ذات الاستهلاك الكثيف للطاقة، التي اضطرت لمواجهة تخفيضات في الإنتاج أو حتى توقفات جزئية، تزامنًا مع ارتفاع تكلفة استخدام الوقود البديل في محطات توليد الكهرباء.

تُظهر بيانات الاستهلاك أن حجم الغاز الطبيعي المستعمل في توليد الكهرباء وأغراض التدفئة بلغ 3.118 مليار متر مكعب في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، مسجلاً انخفاضًا شهريًا طفيفًا، ولكنه في المقابل كان أعلى سنويًا بنحو 402 مليون متر مكعب مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.

يعمل هذا التباين المستمر بين معدلات الاستهلاك والإنتاج على تعميق الفجوة القائمة، ويجعل استعادة التوازن في سوق الغاز مرهونةً بتسريع وتيرة أنشطة الحفر والتنمية، بدلاً من التوسع في الاعتماد على الأسواق الخارجية لتلبية الاحتياجات المحلية.

الاكتشافات الجديدة: رهانٌ على التعافي المستقبلي

على الرغم من التحديات والضغوط الراهنة، لا يخلو المشهد من مؤشرات إيجابية تبعث على الأمل، إذ تعوّل الحكومة المصرية بشكل كبير على سلسلة الاكتشافات الحديثة لدعم إنتاج مصر من الغاز الطبيعي خلال عام 2026 وما يليه.

فقد ساهمت شركات مثل “خالدة” و”دسوق” و”العامة للبترول” بإضافة نحو 47 مليون قدم مكعبة من الغاز يوميًا، بالإضافة إلى 4300 برميل نفط من خلال 5 آبار جديدة، وهو ما يُعد مؤشرًا إيجابيًا على التحرك الميداني الجاري لتعويض التناقص الطبيعي في الإنتاج من الحقول القائمة.

كما سبقت هذه الإضافات اكتشافات أخرى لشركات “خالدة” و”ثروة” و”برج العرب”، التي أضافت إنتاجًا فوريًا للشبكة القومية للغاز، في حين برز حقل شمال صفا بخليج السويس ببدء الإنتاج من بئر “الوصل-4” بمعدلاتٍ تُبشر بالخير.

تترقب الأوساط المعنية بدء عمليات الحفر في حقل غرب مينا بالبحر المتوسط، بمعدل إنتاج متوقع يصل إلى 160 مليون قدم مكعبة يوميًا، وهو ما قد يشكل دفعةً مهمةً لإنتاج الغاز إذا ما تم الالتزام بالجداول الزمنية المعلنة.

في السياق ذاته، تعمل الشركة الفرعونية حاليًا على تطوير بئر تنموية جديدة بطاقة إنتاجية تبلغ 40 مليون قدم مكعبة يوميًا خلال الربع الثالث من عام 2026، وتخطط أيضًا لحفر بئر عميقة بنهاية العام نفسه، بالإضافة إلى إبرام تعاقدات جديدة لتطوير اكتشافات غاز أحدث.

لكن استدامة هذا التعافي المرتقب تبقى مرهونةً بشكل كبير بمدى الالتزام بسداد مستحقات الشركاء الأجانب، حيث تعهدت الحكومة بسداد 5 مليارات دولار وتقليص المديونية المتبقية إلى 1.2 مليار دولار بحلول يونيو/حزيران 2026، بهدف تحفيز المزيد من الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي.

في المحصلة النهائية، يظل مستقبل إنتاج مصر من الغاز الطبيعي معلقًا بين دقة التخطيط وكفاءة تسريع وتيرة الاستثمار الفعلي، فالأرقام وحدها لا تكفي لتحقيق النهضة المرجوة، بل تحتاج إلى دعمٍ متواصلٍ بمزيد من الاكتشافات الجديدة التي من شأنها أن تعيد القطاع إلى مسار النمو المستدام، وتضمن أمن الطاقة للبلاد.