«معاناة الليبيين تتصاعد مع انهيار العملة» الدينار يترنح والغلاء يخنق الأسر الليبية مع اقتراب رمضان

«معاناة الليبيين تتصاعد مع انهيار العملة» الدينار يترنح والغلاء يخنق الأسر الليبية مع اقتراب رمضان

بينما تنشغل قطاعات ليبية عديدة بتراجع قيمة الدينار الليبي أمام الدولار الأمريكي، يعاني غالبية الليبيين من صعوبات معيشية متزايدة، بسبب الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات الأساسية، وتحديداً الخدمات الصحية، وذلك قبيل حلول شهر رمضان المبارك. وقد شهد سعر صرف الدولار قفزات غير مسبوقة، حيث تجاوز عتبة التسعة دنانير في السوق الموازية، في انهيار وصفه المراقبون بـ«السقوط الحر» للعملة المحلية.

تدهور القدرة الشرائية

قبل شهرين فقط، كان سعر الدولار في السوق الموازية يلامس 7.80 دينار، ثم شهد ارتفاعاً حاداً ليصل إلى 8.80 دينار، ليواصل صعوده بوتيرة متسارعة، مخلفاً وراءه مواطنين يكافحون لمواكبة الأسعار المتصاعدة دون جدوى. (يُشار إلى أن السعر الرسمي للدولار يبلغ 5.43 دينار في السوق).

لتوضيح التغيرات في سعر صرف الدولار مقابل الدينار الليبي:

الفئة قبل شهرين (السوق الموازية) حالياً (السوق الموازية) السعر الرسمي
سعر الدولار 7.80 دينار 8.80 – 9 دنانير 5.43 دينار

وفي شهادته لـ«الشرق الأوسط»، أشار محمد الزلطني، الذي يعمل في أحد المتاجر بالعاصمة طرابلس، إلى أن «الركود يخيم على كل شيء في السوق»، مؤكداً أن «كل ارتفاع جديد في سعر الدولار يعني تقلصاً إضافياً في قدرة المواطن على التحمل». وقد ضرب الزلطني مثالاً بارتفاع سعر كيلو الجبن، الذي كان لا يتجاوز 32 ديناراً، ليصبح سعره حالياً 47 ديناراً، مشيراً إلى أن السلع الأساسية تشهد قفزات سعرية «بلا رحمة»، بينما يقترب شهر رمضان محمّلاً بمخاوف اقتصادية أكثر من كونه موسماً للفرح والبهجة.

من منظور حقوقي، لا تقتصر هذه المشاهد على كونها مجرد أرقام، فقد وصفت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا الوضع بـ«معاناة إنسانية متفاقمة»، تتجلى في انهيار قيمة الدينار، وارتفاع أسعار الغذاء، ونقص السيولة، بالإضافة إلى أزمات الوقود والكهرباء، التي تزيد من قسوة الحياة اليومية، حتى في فصل الشتاء، بحسب بيان صادر عنها.

لمواجهة هذا الضغط الاقتصادي المتزايد، تعتمد حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة على ما تسميه «التسعيرة الجبرية» لبعض السلع، كحل مؤقت يهدف إلى احتواء تقلبات سعر الصرف. وقد حددت تسعيرة مثلاً لكيلو الزيت تتراوح ما بين 8.25 و8.75 دينار. ومع ذلك، يرى الزلطني ومواطنون آخرون أن هذه الإجراءات تبدو «شكلية وبلا مردود حقيقي»، حيث يتفاجأون باستمرار بأسعار مرتفعة، أو بمنتجات ذات جودة أقل مما تعلنه الحكومة.

مقارنة لأسعار بعض السلع والخدمات الأساسية في ليبيا:

السلعة/الخدمة السعر السابق السعر الحالي
كيلو الجبن 32 ديناراً 47 ديناراً
كشف عيادة العيون للطفل 40 ديناراً 65 ديناراً
قطرة الأنف 0.75 دينار (75 قرشاً) 9 دنانير
كيلو الزيت (تسعيرة جبرية) غير محدد (كان أقل) 8.25 – 8.75 دينار

ويروي الزلطني تجربة شخصية أكثر مرارة لـ«الشرق الأوسط»، حيث أصبحت زيارة عيادة العيون لطفله تكلف 65 ديناراً للكشف، بعد أن كانت لا تتجاوز 40 ديناراً كل ثلاثة أشهر. ويتذكر بحسرة كيف كانت الأدوية الأساسية في متناول الجميع، فمثلاً، كانت قطرة الأنف تباع بـ75 قرشاً، لكنها أصبحت اليوم بـ9 دنانير، وكأن المرض نفسه قد تحول إلى رفاهية لا يقوى عليها الكثيرون.

أوضاع اقتصادية حرجة

وسط هذا المشهد المتأزم، سارع المصرف المركزي الليبي، الذي اجتمعت لجنة سياسته النقدية منتصف الأسبوع الماضي، إلى الإقرار بوجود «أوضاع اقتصادية دقيقة»، عازياً إياها إلى عدم الاستقرار السياسي وضعف انضباط المالية العامة، ومتحدثاً عن خطة تهدف لاحتواء هذه الارتفاعات في سعر الصرف.

لكن هذه التحركات لا تبدو كافية في نظر المحللين، إذ يشير خالد بوزعلوك، رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، لـ«الشرق الأوسط»، إلى ما وصفها بـ«السياسات الخاطئة التي انتهجها المصرف المركزي، ومنح الاعتمادات على أساس المحاباة والواسطة»، ملقياً باللائمة أيضاً على «ضعف الدور الرقابي لمصرف ليبيا المركزي، وإخفاق سياسة التتبع في استيراد البضائع من ميناء الشحن إلى ميناء الوصول».

أما في شرق البلاد، فتتجلى الأزمة بوجه أكثر قسوة، حيث أوضحت نجاة (41 عاماً)، وهي موظفة ليبية، في إفادة مكتوبة لـ«الشرق الأوسط»، أن ارتفاع سعر الدولار لم يكتف بإثقال كاهل تكاليف الغذاء فحسب، بل ضرب قطاع العلاج مباشرة. مشيرة إلى أن تراجع سعر صرف الدينار جعل العلاج في الخارج «حلماً بعيداً». وأضافت أن العديد من المرضى «لن يتمكنوا من استكمال علاجهم في مصر أو تونس، بينما تراجع آخرون عن فكرة السفر من الأساس، ليجدوا أنفسهم أمام مستشفيات محلية تعاني نقصاً حاداً في الأدوية والتجهيزات، في ظل تدهور قيمة الدينار مقابل الدولار».

وفي الجنوب الليبي، تتضاعف المعاناة بشكل ملحوظ، فالمدن البعيدة عن موانئ الاستيراد تشعر بارتدادات الأزمة بشكل أسرع وأقسى. ومن مدينة سبها، يوضح الإعلامي أحمد الحضيري لـ«الشرق الأوسط» أن ارتفاع سعر الدولار أربك الأسواق قبيل شهر رمضان، وعمّق الأزمة المعيشية القائمة أصلاً. موضحاً أن الأسعار «بلغت مستويات مرتفعة جداً، ومع كل موجة غلاء جديدة، يزداد شعور العجز لدى السكان، الذين يعتمدون بشكل شبه كلي على ما يأتيهم من غرب البلاد».

يأتي ذلك في ظل كشف حكومة «الوحدة» الأسبوع الماضي عن أرقام صادمة، تفيد بأن شركات استوردت أجهزة وهواتف بالدولار المدعوم عبر الاعتمادات المستندية بقيمة 1.1 مليار دولار، لكنها قامت ببيعها بسعر السوق الموازية، بحسب بيان صادر عن وزارة الاقتصاد. ورأت الوزارة أن هذا النهج «حمّل المواطنين أعباءً إضافية، وحوّل الدعم الحكومي إلى أرباح خاصة لعدد محدود، وأسهم في إنشاء طبقة رأسمالية محدودة»، مؤكدة على الضرورة الملحة لإصلاح منظومة النقد الأجنبي.

في المقابل، يرى بوزعلوك أن هذا الإقرار الحكومي لا يعفي حكومة «الوحدة» من المسؤولية، مشيراً إلى أنها «تتحمل المسؤولية الكبرى في انهيار سعر صرف الدينار الليبي، بسبب سوء إدارتها للموارد، وعدم انتهاجها سياسة إنفاق رشيدة، وتغاضيها عن تقارير الفساد الصادرة عن الجهات الرقابية كديوان المحاسبة وجهاز الرقابة الإدارية».

واختتم بوزعلوك حديثه واصفاً الوضع بـ«التخبط في السياسات الحكومية والنقدية»، مستذكراً تصريح رئيس الحكومة الدبيبة حول استخدام الحصيلة المالية لضريبة بيع الدولار في تصفير الدين العام، وهو ما نفاه لاحقاً محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى.