«معضلة الضمان» إصلاح قانون الضمان الاجتماعي تحدي الموازنة بين الاستدامة الإكتوارية والعدالة المجتمعية

«معضلة الضمان» إصلاح قانون الضمان الاجتماعي تحدي الموازنة بين الاستدامة الإكتوارية والعدالة المجتمعية

كلما طُرح تعديل مقترح على قانون الضمان الاجتماعي، عادةً ما يُقدَّم هذا التغيير على أنه ضرورة مالية حتمية لضمان استدامة النظام، لكن هذا الطرح يثير تساؤلاً جوهرياً لا يمكن تجاوزه: استدامة لمن وعلى حساب من؟ إن الإصلاح الحقيقي والفعال لا ينحصر في قدرته على ضبط الأرقام والمؤشرات المالية، بل يتعدى ذلك إلى مدى تحقيقه للعدالة والإنصاف بين جميع المشتركين.

معيار الاستحقاق: العمر أم الاشتراك الفعلي؟

لقد أعاد الإعلان عن استثناء بعض الفئات من التعديلات الأخيرة الجدل حول الضمان الاجتماعي إلى الواجهة بقوة، وطرح تساؤلاً مشروعاً ومحورياً: لماذا يُبنى معيار الاستحقاق على العمر المجرد، بينما يُغفل تماماً أو يُهمش عنصر الاشتراك الفعلي الذي يُمثل جوهر وأساس نظام الضمان الاجتماعي؟ من غير المنطقي أو المقبول على الإطلاق أن يُعامل شخصان بلغا العمر ذاته المعاملة نفسها، في حين أن الفارق الحقيقي بينهما في عدد أشهر الاشتراك المدفوعة قد يصل إلى عشرات السنين، فالعدالة الحقيقية لا تتحقق بالمساواة الشكلية والظاهرية، بل تتجسد في الإنصاف القائم على حجم المساهمة والجهد المبذول.

الضمان الاجتماعي: نظام قائم على الاشتراكات

إن نظام الضمان الاجتماعي هو في جوهره نظام تمويلي يعتمد بشكل أساسي على الاشتراكات المدفوعة، وليس على الأعمار فقط، وبالتالي، فإن أي معادلة إصلاحية مستقبلية لا تربط بوضوح سن التقاعد بعدد الأشهر المدفوعة فعلياً في الاشتراك تظل معادلة ناقصة وغير متكاملة، فالمنطق السليم والعدالة يقتضيان أن يُكافأ من أمضى 320 شهراً أو أكثر في الاشتراك بمعاملة تختلف جذرياً عمن لم يبلغ الحد الأدنى المطلوب إلا بالكاد، فعدم تطبيق هذا المبدأ يُضعف بشكل كبير الحافز على الاستمرار في العمل النظامي والمُسجّل، ويخلق في الوقت ذاته شعوراً عميقاً بعدم العدالة والإجحاف بين الأجيال المختلفة.

شفافية العلاقة المالية بين الحكومة وصندوق الضمان

في السياق ذاته، لا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن تحميل المشتركين أعباء إضافية أو مسؤوليات جديدة دون فتح ملف العلاقة المالية المعقدة والشفافة بين الحكومة وصندوق الضمان الاجتماعي، فإذا كانت الحكومات المتعاقبة قد اقترضت أو استثمرت أموال الضمان في مراحل زمنية سابقة، فمن حق المشتركين المشروع والأساسي معرفة حجم هذه الالتزامات المالية بشكل دقيق، بالإضافة إلى جدول سداد واضح ومحدد يضمن عدم ترحيل هذه الكلفة الإضافية إليهم عبر رفع سن التقاعد أو تقليص المنافع المُستحقة، فالإصلاح الحقيقي والمسؤول لا يكمن في نقل العبء إلى الحلقة الأضعف في المنظومة، بل يتطلب إعادة التوازن والإنصاف إلى كامل أجزاء المنظومة الضمانية.

حد أعلى للرواتب التقاعدية

كما أن استمرار صرف الرواتب التقاعدية المرتفعة جداً دون وجود سقف واضح ومحدد لها يتناقض بشكل صارخ مع أي خطاب إصلاحي يدعو إلى العدالة والاستدامة، فالعدالة الاجتماعية تقتضي وضع حد أعلى ومنطقي للرواتب التقاعدية، بهدف حماية الصندوق من أي تشوهات مالية أو بنيوية محتملة، وإعادة توزيع المنافع بشكل أكثر توازناً وإنصافاً بين الجميع، فالإصلاح الحقيقي والشامل يبدأ دائماً من الأعلى والقيادات قبل أن يطال أصحاب الدخول المتوسطة والمحدودة.

أهداف الإصلاح الشامل

إن المطلوب اليوم ليس مجرد تعديل أرقام أو مؤشرات مالية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة صياغة شاملة لفلسفة الاستحقاق في نظام الضمان الاجتماعي، وهذا يتطلب تحقيق مجموعة من الأهداف الرئيسية:

  • وضع معادلة عادلة وواضحة تربط بين العمر وعدد الاشتراكات الفعلية.
  • توفير شفافية كاملة وغير منقوصة في إدارة أموال الصندوق واستثماراته.
  • تحديد سقف أعلى وواضح للرواتب التقاعدية العالية.
  • إعلان خطة واضحة ومُحددة لمعالجة أي التزامات حكومية سابقة تجاه الصندوق.

عندها فقط يمكن الحديث عن إصلاح شامل يحقق الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية معاً في نظام الضمان.

الضمان الاجتماعي: صمام أمان اجتماعي

إن الضمان الاجتماعي ليس مجرد صندوق ادخاري تقليدي، بل هو صمام أمان اجتماعي حيوي يُعنى بحماية المجتمع وأفراده، وأي تعديل مقترح لا يُشعر المشتركين بأنهم شركاء أساسيون في القرار المتخذ سيظل إصلاحاً منقوصاً وغير مكتمل، مهما بدا متماسكاً ومنطقياً على الورق، فالعدالة في أنظمة التقاعد ليست ترفاً تشريعياً يمكن الاستغناء عنه، بل هي شرط أساسي لا غنى عنه لبقاء الثقة المتبادلة بين الدولة ومواطنيها على المدى الطويل.

*أ.د. مروان محمد بطيحة نائب رئيس جامعة الحسين بن طلال