
لم تكن تلك المرة الأولى التي تطأ فيها قدماي رحاب جامعة الأزهر الشريف، ذلك الصرح العريق الذي ظلّ على امتداد القرون منارةً للفكر الديني الوسطي، وقلعةً للعلم الرصين، وحارسا أمينا للهوية الإسلامية المعتدلة في عالم تلاطمت فيه أمواج التطرف، واشتدت فيه رياح الفتن، وتنازعت فيه الأفكار على حساب القيم.
العمق الروحي للأزهر
غير أن الأزهر في كل مرة لا يستقبلك كجامعة فحسب، بل كحالة روحية كاملة، كأنك تعبر بواباته لتدخل عالما آخر، عالما له هيبته ووقاره، عالما تتسرّب فيه إلى النفس نفحات من فيضٍ كريم، لا تأتيك من جدرانٍ عتيقة ولا من قباب شامخةٍ فحسب، بل من تاريخ ممتد من الإخلاص.
البصمة التاريخية الأزهرية
فكلما دخلت الأزهر شعرت بأنني أمام مؤسسة ليست كغيرها، بل أمام عقل الأمة وضميرها، وأمام مدرسةٍ صنعت رجالا وخرّجت أجيالًا لم تكن تحمل العلم وحده، بل تحمل معه رسالةً راسخة، وتعرف معنى الانتماء، وتفهم أن العلوم الشرعية ليست كلمات تحفظ، بل نور يُهدى، ومنهج يقوم، وحضارةٌ تبنى، لكن هذه المرة لم تكن مجرد زيارة عابرة، ولا جولة في أروقة العلم، ولا وقفة أمام التاريخ، بل كانت تجربةً بطعم مختلف، تجربة اقتربت فيها من العمق الإداري للجامعة، ومن تفاصيل العمل المؤسسي الذي لا يراه كثيرون، تجربة جعلتني أرى الأزهر من زاوية أخرى؛ زاوية الإدارة التي تترجم القيم إلى واقع، والرسالة إلى سلوك، والهيبة إلى تعامل.
القيم قبل الإجراءات
كانت تجربةً تستحق التوقف عندها طويلًا، والإشادة بها دون تردد، لأنها تضع أمامك صورة حقيقية لما ينبغي أن تكون عليه المؤسسات الكبرى: أخلاقا قبل اللوائح، وإنسانيةً قبل الإجراءات، واحتراما قبل السلطة، واحتواء قبل التعقيد، وعدلا يسبق القوانين في أثره، ويعلو عليها في حضوره.
مشهد يؤمل
راقبت المشهد من حولي بصمت، وكنت كلما التفت إلى جانب رأيت ما يدعو للتأمل، هنا لا تجد الفوضى ولا العبث، ولا تشعر أنك داخل مؤسسة ثقيلة ترهق الناس، بل تشعر أنك في محراب من الأدب الرفيع، وفي مدرسة من الأخلاق الكريمة، وفي ساحة ما زالت تمارَس فيها القيم على الأرض، لا ترفع فقط على اللافتات ولا تردد في الخطب، كان هناك أناس ينتظرون، نعم، لكن انتظارهم لم يكن مشحونا بالضيق ولا بالغضب، بل كان مشوبا بالرضا، كأنهم يعلمون أنهم أمام رجلٍ يعرف معنى المسؤولية، ويعرف أن الإنسان قبل الورق، وأن التيسير ليس ضعفًا، بل فقه وحكمةٌ ورحمة، وأن خدمة الناس ليست منة بل واجب وشرف.
اللقاء مع الشخصية الملهمة
كانت تلك التجربة مع الدكتور محمود صديق، نائب رئيس جامعة الأزهر الشريف للدراسات العليا، ورغم أن معرفتي به لم تكن سابقة، ولم تربطني به صلةٌ أو مصلحة، إلا أنني أدركت منذ اللحظات الأولى أن بعض الرجال لا يحتاجون إلى مقدمات ولا إلى تعريفات مطولة؛ يكفي أن تسمع عنهم دقائق، أو تراقب أثرهم فيمن حولهم، لتعلم أنك أمام شخصية ليست عادية، بل أمام رجل له بصمة ووزن واحترام صادق، فله من اسمه نصيب، تذكرت حينها قولا قديما شديد الدلالة: “تكلم حتى أراك”، غير أنني في هذه المرة لم أحتج إلى كثير كلام، فقد رأيته بالفعل قبل القول؛ رأيته في نظام المكان، وفي احترام العاملين، وفي تقدير المنتظرين، وفي الأثر الذي يتركه حضوره على الوجوه وعلى النفوس، وكأن الهيبة هنا ليست هيبة منصب، بل هيبة خلق.
انتظار مثمر
انتظرنا أكثر من ساعتين، وربما في كثير من الأماكن يكون الانتظار مدعاة للتذمر والتشكي، لكن العجيب أنني كنت خلال هذا الانتظار أستمع إلى الناس، لا إلى شكواهم، بل إلى ثنائهم، كنت أسمع كلمات الإشادة تتردد بلا انقطاع، وأرى الاحترام يتجسد في كل حديثٍ يقال عنه، وكأن المكان لا يعرف لغة الاعتراض بقدر ما يعرف لغة الامتنان، مكان الجميع يشيد به بلا استثناء، وكل من تحدث عنه كان يذكر أمرا واحدا يجتمع عليه الناس: المرونة، والتيسير، والخلق الرفيع، والقرب من الناس، والحرص على قضاء مصالحهم دون تعقيد أو إبطاء أو استعلاء، ومع تكرار تلك الكلمات أدركت أن الأمر ليس ثناء عابرا ولا مجاملةً وقتية، بل شهادةُ واقع تتكرر، لأن الناس لا تجتمع على المدح إلا حين يكون المدح مستحقا، ولا توحدهم الإشادة إلا حين يكون الفعل أكبر من القول.
الإصغاء والتأمل
كنتُ في تلك الزيارة بمعية صديقي وأخي العزيز الدكتور هاني أبوالعلا، الأستاذ الكبير في نظم المعلومات الجغرافية، ووكيل كلية الآداب بجامعة الفيوم، ظللت صامتا معظم الوقت، ليس لأنني لا أملك ما أقوله، بل لأنني كنت أريد أن أرى وأسمع وألتقط التفاصيل، ففي بعض المواقف يكون الصمت أبلغ من الكلام، لأنه يتيح لك أن تقرأ المشهد كما هو دون تزييف أو انفعال، ودون أن تفرض على الصورة رأيا مسبقًا أو حكما جاهزا.
مؤسسة شامخة
ومع تتابع الأحاديث أدركت شيئا أعمق: أدركت أن الأزهر لم يصل إلى مكانته التاريخية العالمية صدفة، ولم يستمر شامخا عبر القرون بالمباني ولا بالشعارات، بل برجالٍ يحملون قيمه، ويمارسون رسالته في كل تفصيلة من تفاصيل حياتهم، فالعظمة الحقيقية لا تصنعها الجدران مهما ارتفعت، بل تصنعها النفوس حين ترتقي، هنا فهمتُ لماذا يقف العالم إجلالًا للأزهر، وفهمت كيف نجح، وكيف ظل متجذرا في الوعي الإسلامي، وكيف بقي ثابتًا في زمن التغيرات، لأنه لم يكن يوما مجرد مؤسسة تعليمية، بل كان مدرسةً للأخلاق قبل أن يكون مدرسةً للعلوم.
القوة في اللين
لقد رأيتُ في هذه التجربة صورةً حية لمعنى الحديث النبوي الشريف حين قال رسول الله ﷺ: “رحم الله رجلًا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا اقتضى”، ورأيت كيف أن اللين ليس ضعفًا، بل قوة عظيمة، وكيف أن المسؤول حين يكون قريبا من الناس، يرفع من هيبة المؤسسة أكثر مما ترفعه القرارات الرسمية والخطابات البروتوكولية، لأن المؤسسات لا تحترم بصرامة حراسها، بل تحترم برقي رجالها، وبحسن تعاملها، وبالشعور الذي تتركه في قلب كل من يقصدها.
تنويه بالموضوعية
وهنا أؤكد بكل وضوح أنني لا أكتب مجاملةً لرجلٍ لا تربطني به علاقة سابقة، ولا يدفعني إلى هذا الكلام منفعةٌ أو معرفةٌ شخصية، وإنما أكتب ما رأيت وما سمعت وما لمسته، وأكتب لأنني شعرت أن من الواجب أن تقال الكلمة حين يظهر نموذج يستحق، فالكلمة الصادقة أحيانا تكون واجبا مثلما يكون الصمت خيانةً للحقيقة، فبعض الرجال لا يحتاج إلى الثناء، وذلك بالمثل كالعالم الجليل الدكتور محمود السعيد، نائب رئيس جامعة القاهرة للدراسات العليا والبحوث، نعم، لكنه يستحق أن يذكر، لأن ذكره يصبح رسالةً للآخرين، وتأكيدا أن الخير ما زال موجودًا، وأن الأخلاق لا تزال قادرة على أن تصنع الفارق، حتى في دهاليز الإدارة، وحتى في التفاصيل التي يظنها الناس مجرد أوراقٍ ومكاتب وإجراءاتٍ جامدة لا روح فيها.
فلسفة اختيار الرجال
بل إن هذه التجربة جعلتني أتذكر فلسفة الإمام الأكبر فضيلة الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، في اختيار رجاله، واختيار من يتحملون المسؤولية في هذا الصرح الكبير، فليس كل منصب يصنع رجلا، بل هناك رجال يصنعون للمناصب قيمتها، ويمنحونها شرفها الحقيقي، ويجعلونها بابا من أبواب الخير بدل أن تكون أداةً للهيمنة أو وسيلةً للتعالي، وما رأيته من احترام الناس للدكتور محمود صديق، ومن محبتهم له، ومن ثقتهم في عدله وتيسيره، ليس إلا دليلًا واضحًا على أن الأزهر ما زال يُحسن الاختيار، وما زالت معايير الأمانة والخلق والقدرة هي الأساس، وأن هذا الصرح لا يزال يُنجب رجالًا يليقون باسمه وبمكانته.
تعزيز القيم الإنسانية
ولا يفوتني في هذا المقام أن أوجه تحية تقديرٍ خالصة لذلك الرجل الطيب الذي دخل علينا دون أن يعرفنا، فاستقبلنا بكرم أصيل، وقدم لنا من حسن الضيافة ما لا يقدم قبل أن يعرفنا، إلا وهذا يدل على أصحاب النفوس الكبيرة، ثم زاد من فضله بما أخرجه، وكأنما أراد أن يثبت أن الأزهر لا يعلم العلم فقط، بل يعلم الكرم، ويزرع المروءة، ويُحيي معاني الشهامة التي بدأت تغيب عن كثيرٍ من المؤسسات. تحية شكرٍ واجبة للدكتور محمود السعيد والدكتور محمود صديق، رأيت فيهما نموذجًا نادرا من المسؤولين الذين يجعلون الناس تحترم المؤسسات لا تخافها، وتثق فيها لا تتوجس منها، تحية تقدير لمن فهم أن خدمة الناس شرف، وأن التيسير فقه، وأن القرب من الناس عبادة، وأن المسؤولية ليست سلطةً بل أمانة.
الأزهر كرمز للأخلاق
وتحية للأزهر الشريف، حين يكون العلم خلقا، وحين تكون الإدارة أدبا، وحين يصبح الإنسان هو القيمة العليا، وحين تظل هذه المؤسسة العريقة شاهدةً على أن الدين ليس مظهرا، بل سلوكا، وأن الأخلاق ليست ترفًا، بل هي جوهر الرسالة ومعناها الأعظم.
