«من غاب؟ وماذا بعد؟» غياب محافظ البنك المركزي يغذي تساؤلات النواب الليبي

«من غاب؟ وماذا بعد؟» غياب محافظ البنك المركزي يغذي تساؤلات النواب الليبي

أثار غياب محافظ مصرف ليبيا المركزي عن جلسة مجلس النواب جدلاً واسعاً، فبدلاً من تقديم إجابات شافية، زاد الغياب من الغموض المحيط بالأزمة النقدية في البلاد، وسرعان ما تحول إلى مؤشر على توترات سياسية عميقة تتخلل أروقة البرلمان، حيث انقسم النواب بين مؤيدين لبقائه في منصبه ضماناً للاستقرار، ومعارضين يرونه سبباً رئيسياً في تفاقم الوضع المالي، وهو ما يعكس تعقيدات تتجاوز الجوانب التقنية البحتة.

انقسام النواب حول غياب المحافظ

داخل أروقة البرلمان الليبي، ظهر تباين جليّ بين مجموعتين رئيسيتين بشأن التعامل مع غياب محافظ مصرف ليبيا المركزي عن الجلسة، حيث يؤكد الفريق الأول أن الإبقاء عليه في منصبه ضروري مؤقتاً لتجنب تفاقم الاضطرابات النقدية التي قد تهدد استقرار الاقتصاد الليبي برمته، في حين يصر الفريق الثاني على ضرورة إنهاء ولايته فوراً، معتبراً إياه المسؤول الأول عن تدهور الثقة في النظام المالي، هذا الانقسام الحاد لم يساهم في تشخيص دقيق للمشكلة أو تقديم حلول عملية، بل أبقى الأوضاع معلقة في دوامة من الاتهامات المتبادلة، مما يعرقل أي تقدم حقيقي نحو الإصلاح الاقتصادي المنشود.

الخلافات العائلية في خلفية الأزمة

خلف الكواليس السياسية، تترسخ خلافات داخلية أكثر خصوصية، تحديدًا ضمن الدائرة العائلية المرتبطة بحفتر، حيث يُتهم خالد وبلقاسم بمحاولة الحصول على تمويلات إضافية، دون مراعاة للضغوط المالية الراهنة، مما يزيد من حدة التوترات، بينما يسعى صدام حفتر لتبني نهج مختلف يشمل التعاون مع مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، بهدف تشكيل حكومة توافقية تجمع بين الشرق والغرب، كخطوة أولية لإعادة هيكلة الوضع السياسي والاقتصادي في ليبيا، هذه الديناميكيات المعقدة تجعل غياب محافظ مصرف ليبيا المركزي عن جلسة مجلس النواب ليس مجرد حدث معزول، بل جزءاً لا يتجزأ من نسيج أوسع يمزج بين الضغوط العائلية والطموحات الإقليمية المتداخلة.

دور اللجنة المالية والشكوك المحيطة بها

في هذا السياق المعقد، التزمت اللجنة المالية في مجلس النواب، برئاسة عمر تنتوش، صمتاً ملحوظاً حيال الأسباب الجذرية للأزمة المالية وسبل معالجتها، هذا الصمت المثير للريبة أثار تساؤلات جدية حول مدى استقلالية اللجنة، خاصة مع وجود إشارات إلى تقارب بعض أعضائها من المحافظ ناجي عيسى، وهو ما يُفسر كعامل معرقل للمناقشات الموضوعية والشفافة، وأمام هذا الانسداد، قرر البرلمان تشكيل لجنة فنية متخصصة لدراسة الملف، وطالب بعض النواب بضم خبراء اقتصاديين بارزين مثل الصديق الكبير ومراجع غيث ومحمد الشكري، في مسعى لإيجاد حلول تقنية عملية تفصل بوضوح بين الجانبين السياسي والاقتصادي.

لتوضيح الجهود المقترحة للجنة الفنية، إليك قائمة بالخطوات الأساسية التي يمكن اتباعها:

  • تقييم دقيق للوضع النقدي الحالي بالاعتماد على بيانات موثوقة ومفصلة.
  • استشارة الخبراء الدوليين المتخصصين لفهم الأبعاد والتأثيرات الخارجية للأزمة.
  • صياغة سياسات انتقالية مدروسة تهدف إلى استعادة وتعزيز الثقة في المصرف المركزي.
  • مراقبة صارمة للالتزامات المالية للجهات الحكومية لضمان الشفافية والمساءلة.
  • اقتراح إصلاحات هيكلية شاملة لتفادي التداخل السياسي في القرارات الاقتصادية الحساسة.

الأبعاد الجهوية في صراع المنصب

لا يمكن إغفال الجانب الجهوي الذي يصبغ المشهد برمته، فالتنافس يتجدد باستمرار حول أحقية المنطقة الشرقية في شغل منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي، وهو ما يحوّل غياب المحافظ عن جلسة مجلس النواب إلى مجرد رمز لتوازنات جغرافية وسياسية متراكمة، هذا الصراع يتعدى كونه مجرد قضية كفاءة فنية، ليمس قضايا النفوذ الإقليمي وتوزيع السلطة، مما يجعل الأزمة المالية الراهنة انعكاساً لتحديات هيكلية أعمق تواجه الدولة الليبية.

لتلخيص المواقف المتضاربة للمعسكرين الرئيسيين في البرلمان، يمكن عرض الأمر كالتالي:

المعسكرالرأي الرئيسي
المؤيدون لاستمرار المحافظيخشون من حدوث ارتباك نقدي واقتصادي واسع النطاق في حال إقالته فوراً.
المعارضون لاستمرارهيحمّلونه مسؤولية مباشرة عن تدهور الثقة المالية وتفاقم الوضع الاقتصادي الراهن.

في الختام، يبقى غياب محافظ مصرف ليبيا المركزي عن جلسة مجلس النواب مؤشراً صارخاً على هشاشة التوازنات الداخلية العميقة، مما يستدعي ضرورة البدء بحوار وطني بناء يتجاوز الانقسامات السياسية الحالية، بهدف إنقاذ الاقتصاد الليبي من مخاطر المزيد من التدهور والانهيار.