
استمرار تحقيق فائض أولي.. تنمية موارد الموازنة..
وحسن استخدام عوائد برنامج التخارج
كشفت وزارة المالية عن استهدافها استمرار الاتجاه النزولي لمؤشرات دين أجهزة الموازنة، لتصل إلى أقل من 70% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، من خلال تحقيق فائض أولي سنوي في الموازنة العامة، وتنمية مواردها، خاصة الضرائب بصورة تدعم النمو المستدام، بالإضافة إلى الاستفادة من تراجع أسعار الفائدة، واستخدام أي عوائد استثنائية من برنامج التخارج لخفض رصيد دين أجهزة الموازنة، وتنفيذ صفقات لمبادلة الديون بالاستثمارات، وإجراءات إضافية أخرى لتعزيز جهود الدولة نحو تحقيق هدف خفض الدين.
أشارت الوزارة في إستراتيجية المالية العامة للمدة المتوسطة 2026/2027 حتى 2029/2030، إلى الاستمرار في تطوير إدارة دين أجهزة الموازنة، من خلال تنويع الأدوات وقاعدة المستثمرين، وتطويل آجال الدين، بما يحقق توفيرًا في تكلفة التمويل، وتقليل الأعباء والمخاطر، موضحة أنها سوف تصدر استراتيجية إدارة دين أجهزة الموازنة على المدى المتوسط لتوضيح التوجهات في هذا الصدد.
مسار مالي منضبط
قال د. أحمد مصطفى، أستاذ إدارة الأعمال والخبير الاقتصادي، إن خفض دين أجهزة الموازنة العامة إلى أقل من 70% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030 لا يجب أن يُعتبر تعهدًا زمنيًا، بل كنتاج مباشر لمسار مالي منضبط تحكمه معادلة اقتصادية واضحة، تشمل معدل نمو اقتصادي مستدام، تكلفة اقتراض قابلة للسيطرة، وفائض أولي حقيقي ومتكرر، فالدين العام لا ينخفض بقرارات إدارية، بل يتراجع عندما تعمل هذه المتغيرات في اتجاه واحد وبوتيرة مستقرة.
أضاف أن التجارب الدولية تقدم شواهد على ذلك، فاليونان خفضت نسبة دينها من نحو 206% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020 إلى 161% في 2023، رغم محدودية مواردها، عبر إعادة هيكلة آجال الدين، وتحقيق فوائض أولية متتالية، وإيطاليا نجحت في خفض الدين من حوالي 155% إلى نحو 137% خلال الفترة نفسها، مستفيدة من تحسن النمو الاسمي وتراجع متوسط تكلفة الاقتراض، بينما حافظ المغرب على دين يدور حول 70% عبر ضبط العجز وتوجيه الاقتراض للاستثمار، واستطاعت تركيا الحفاظ على دين حكومي أقل من 40% بفضل نمو مرتفع وتوسيع القاعدة الضريبية، هذه التجارب تؤكد أن خفض الدين لا يرتبط بحجم الاقتصاد بقدر ارتباطه بجودة إدارته.
تابع: اقتصاديًا، نسبة الدين إلى الناتج لا تنخفض بسداد الديون فقط، بل عندما يكون معدل نمو الناتج المحلي الاسمي أعلى من متوسط سعر الفائدة الفعلي على الدين، مع تحقيق فائض أولي مستدام، فإذا افترضنا نموًا اسميًا في حدود 9-10% سنويًا، ومتوسط تكلفة اقتراض يدور حول 11%، مع فائض أولي يعادل 2% من الناتج، فإن نسبة الدين ستنخفض حسابيًا بمعدل يتراوح بين 1.5 و2 نقطة مئوية سنويًا، هذا المسار إن استمر خمس سنوات، قادر على خفض الدين بما يتجاوز 10 نقاط مئوية دون فرض أعباء جديدة على المواطنين.
دد أدوات الحكومة لتحقيق ذلك
هناك أدوات يجب أن تمتلكها الحكومة لتحقيق هذه الأهداف، ومنها الانتقال من إدارة ضغوط قصيرة الأجل إلى إدارة مسار مالي متوسط وطويل الأجل، وأهم هذه الأدوات هو إعادة صياغة فلسفة الإيرادات العامة، بالتحول من زيادة المعدلات الضريبية إلى التوسع الأفقي ودمج الاقتصاد غير الرسمي، الذي تشير التقديرات إلى أنه يمثل ما بين 35 و45% من النشاط الاقتصادي، إدخال حتى 10% من هذا القطاع تدريجيًا في المنظومة الرسمية يمكن أن يرفع الحصيلة الضريبية بأكثر من 1% من الناتج المحلي دون المساس بالمواطن الملتزم.
الأداة الثانية تتمثل في إدارة الدين كونه مخاطرة مالية لا مجرد رقم محاسبي، ويتحقق ذلك عبر إطالة متوسط عمر الدين، وتقليل الاعتماد على أدوات قصيرة الأجل مرتفعة التكلفة، وتوسيع قاعدة المستثمرين، عمليًا يعني هذا زيادة الإصدارات طويلة الأجل، وتنويع أدوات التمويل، والتوسع في جذب مؤسسات استثمارية طويلة الأجل مثل صناديق المعاشات والتأمينات.
أما الأداة الثالثة والأكثر تأثيرًا، حسب د. مصطفى، فهي الاستخدام المنضبط لعوائد التخارج من الأصول غير الاستراتيجية، آلية التنفيذ هنا حاسمة: توجيه هذه العوائد بالكامل لسداد أصل الدين وليس تمويل إنفاق جاري، فخفض أصل الدين بمقدار 100 مليار جنيه، على سبيل المثال، يؤدي إلى خفض خدمة الدين مستقبلًا بما يتراوح بين 12 و15 مليار جنيه سنويًا، وهو أثر تراكمي يعزز الاستدامة المالية، ويخلق مساحة إنفاق تنموي.
أداة فعالة
أوضح أيضًا أن مبادلة الديون بالاستثمارات تُعد أداة فعالة إذا نُفذت بضوابط صارمة، بحيث ترتبط بمشروعات إنتاجية محددة ذات عائد اقتصادي واضح، وجدول زمني للتنفيذ، وتقييم مستقل قبل وبعد التنفيذ، في هذه الحالة تتحول الديون من عبء مالي إلى محرك للنمو والتشغيل والصادرات.
ذكر د. مصطفى مقترحات إضافية تعزز هذا المسار، ومنها: ربط أي اقتراض جديد بعائد اقتصادي قابل للقياس يفوق تكلفة التمويل، واعتماد سقف دين مرن مرتبط بدورة الاقتصاد بدلاً من رقم جامد، بالإضافة إلى التوسع في أدوات التمويل الأخضر والاجتماعي، حيث تقل تكلفتها عالميًا بنحو 1-1.5 نقطة مئوية عن السندات التقليدية، مع تعزيز الشفافية بالإعلان عن التكلفة الحقيقية للدين لا رصيده الاسمي فقط.
أكد أن خفض الدين إلى أقل من 70% سينعكس مباشرة على تحسين التصنيف الائتماني، وانخفاض علاوة المخاطر، وتراجع تكلفة الاقتراض، وتوسيع الحيز المالي للإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار، وعند هذه النقطة يتحقق الهدف الأهم: انضباط مالي حقيقي يدعم الاقتصاد المصري ويحمي الاستقرار دون تكبيد المواطنين فاتورة الإصلاح.
آليات التنفيذ
قال د. حامد نبيل، أستاذ المحاسبة المساعد بكلية التجارة جامعة المنصورة، إن ملف الدين العام عاد لصدارة المشهد الاقتصادي، بعد إعلان وزارة المالية استهدافها خفض مؤشرات دين أجهزة الموازنة إلى أقل من 70% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.
أضاف أن هذا الطرح يثير تساؤلات حول مدى واقعية هذا الهدف، والآليات التي تعتزم الحكومة استخدامها لتحقيقه، والأهم، هل يمكن إنجازه دون فرض أعباء جديدة على المواطنين في ظل التحديات المتزايدة؟ خفض الدين لهذا المستوى لا يُعبر فقط عن تحسن رقمي في المؤشرات، بل يعكس سعيًا لاستعادة الانضباط المالي وتعزيز ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري.
أوضح أن الدين المرتفع يحُد من قدرة الدولة على توجيه الإنفاق للتنمية، بينما يتيح خفضه مساحة أكبر للمناورة المالية، ويقلل من هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية، غير أن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب مسارًا مستدامًا، وليس إجراءات مؤقتة فقط.
لفت إلى أن الحكومة تعتمد وفقًا لما أعلنته وزارة المالية على الاستمرار في تحقيق فائض أولي سنوي، والذي يُعد مؤشرًا على تحسن إدارة الموارد، إذ يعني أن الدولة قادرة على تغطية مصروفاتها الجارية دون اللجوء للاقتراض، باستثناء فوائد الدين، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على هذا الفائض بصورة منتظمة.
فيما يخص تنمية موارد الموازنة، تؤكد الحكومة أن التركيز سيكون على الضرائب دون تحميل المواطنين أعباء جديدة، فالزيادة الحقيقية في الحصيلة يمكن تحقيقها من خلال توسعة القاعدة الضريبية ودمج الاقتصاد غير الرسمي وتحسين الكفاءة.
أدوات إدارة الدين
أشار د. نبيل إلى أهمية الاستفادة من تراجع أسعار الفائدة لتخفيف تكلفة خدمة الدين، وهو عنصر مؤثر بالنظر إلى أن فوائد الدين تُعد واحدة من أكبر بنود الإنفاق في الموازنة، لكن هذا يعتمد على عوامل خارجية، مما يجعله فرصةً محتملة أكثر منها أداة مضمونة، ما يستلزم إدارة حذرة.
تتجلى أهمية برنامج التخارج من الأصول واستخدام عوائده في خفض الدين، إلى جانب صفقات مبادلة الديون، مما يعكس تحولًا نحو إدارة الأصول بشكل أكثر كفاءة، والنجاح يعتمد على جودة المشروعات التي يتم توجيه الاستثمارات إليها لتعزيز القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
تطوير إدارة دين أجهزة الموازنة يعتبر خطوة أساسية، حيث إن تنويع أدوات الدين وقاعدة المستثمرين وإطالة آجال الاستحقاق ستساعد في تقليل مخاطر إعادة التمويل، وتخفيف الضغوط على الموازنة العامة، رغم أن تأثيرها قد لا يكون سريعًا، إلا أنها تعزز الاستدامة.
أما عن تحقيق هذا الهدف دون فرض أعباء جديدة، فالإجابة تبقى مشروطة، فالحكومة تمتلك أدوات متعددة، ولكن فعاليتها تتوقف على التنسيق بين السياسات المالية والاقتصادية، ومكافحة الهدر، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد النمو.
يجب الانتباه لأي حلول سريعة تعتمد على تحميل المواطن تكلفة الإصلاح، لأنها قد تحقق وفورات آنية لكنها تُضعف النمو، ومن ثم، يُعتبر خفض دين أجهزة الموازنة إلى أقل من 70% هدفًا قابلًا للتحقيق نظرًا للدعم من الأهداف السياسية والاقتصادية، إلا أن النجاح يعتمد على التنفيذ الجاد والمستدام.
الانضباط المالي
أكد د. ماجد الباز، أستاذ المحاسبة المساعد بكلية التجارة، أن استهداف وزارة المالية خفض مؤشرات دين أجهزة الموازنة إلى أقل من 70% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، يترافق مع رسالة هامة وهي تحقيق الانضباط المالي دون تحميل المواطنين أعباء إضافية، في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
أضاف أن الخطوة الأولى لتحقيق هذا الهدف هي تحقيق فائض أولي مستدام، ما يعني قدرة الدولة على إدارة مصروفاتها الجارية بدون اقتراض جديد، وهذا يتطلب إعادة ترتيب الأولويات وزيادة كفاءة الإنفاق، دون تقليص الدعم للفئات الأكثر احتياجًا.
وفيما يتعلق بتنمية الإيرادات، أكد د. الباز أن الضرائب ليست عبئًا إضافيًا على المواطنين، بل تركيز الحكومة سيكون على توسيع القاعدة الضريبية من خلال دمج الاقتصاد غير الرسمي، وتطبيق التحول الرقمي لتحسين كفاءة التحصيل.
أشار د. الباز إلى أن الدولة المصرية تركز على الإدارة الذكية للدين العام، بهدف خفض تكلفة خدمة الدين تدريجيًا، كل “جنيه” متوفر من فوائد الدين يُعاد توجيهه للخدمات العامة، مما يشير إلى التوجه نحو استخدام عوائد برنامج “التخارج من الأصول” في خفض الدين بشكل مباشر.
إذا نجحت الدولة في الالتزام بهذا المسار، فالنتيجة لن تكون فقط خفض الدين بل بناء اقتصاد أكثر كفاءة، وتحقيق العدالة وحماية المواطن من أعباء إضافية، مما يجعله شريكًا في النمو الاقتصادي بدلاً من أن يكون ضحية للإصلاحات المالية.
