«نقطة تحول أم هاوية جديدة؟» أفق الانهيار المالي يلوح وجدل حاد يحيط بمسار السياسات الحكومية

«نقطة تحول أم هاوية جديدة؟» أفق الانهيار المالي يلوح وجدل حاد يحيط بمسار السياسات الحكومية

في مسعى لتمويل الزيادات المقررة للقطاع العام، من مدنيين وعسكريين، اتجهت الحكومة نحو الحل الأسهل والأسرع، وهو رفع الضريبة على البنزين وعلى القيمة المضافة، وتعمل جاهدة على شرح مبرراتها، في محاولة لامتصاص الغضب وتفادي اندلاع احتجاجات شعبية تخشى تداعياتها، خاصة وأن ذكرى انتفاضة 17 أكتوبر 2019، التي اندلعت ردًا على ضريبة بسيطة على خدمة “الواتساب”، لا تزال حاضرة بقوة في أذهان الساسة، بينما بررت الحكومة قرارها الأول بشأن ضريبة البنزين بعدم توفر مصادر تمويل سريعة أخرى لتغطية زيادة الرواتب دون إحداث عجز في الموازنة العامة، وهو الهاجس الذي لازمها منذ بداية مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي، إلا أن العديد من الخبراء الاقتصاديين يرون أنه كان بإمكان الحكومة تجنب فرض هذه الضرائب “المريرة” على الشعب اللبناني بأكمله.

الحاجة إلى عملية جراحية شاملة

في هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي والمالي والرئيس الفخري لرابطة خريجي جامعة هارفارد في لبنان، الدكتور حبيب الزغبي، أن “الدولة لا تزال تتصرف من موقع ردة الفعل، لا الفعل، بينما الوضع يتطلب عملية جراحية على كافة المستويات، وانتفاضة شجاعة وشاملة”، مشيرًا إلى أنه، عندما احتج العسكريون على أوضاعهم المتردية، كان رد فعل الحكومة هو اعتماد الضريبة الأسهل التي تطال الجميع، وتؤثر عليهم بشكل مباشر، وتؤدي إلى التضخم وتلحق ضررًا كبيرًا بالاقتصاد والناس، بينما كان الأجدر بها، منذ تشكيلها، القيام بإصلاحات حقيقية تعالج جوهر الأزمة الاقتصادية والمالية، لا سيما أن كلفة الرواتب العامة تشكل عبئًا ثقيلًا على الدولة.

لقد أشارت إحصاءات عام 2019 إلى أن هناك 330 ألف موظف في الدولة، وأن نسبة حجم القطاع العام في لبنان، مقارنة بالقطاع الخاص، هي من أكبر النسب في العالم، مما يستدعي معالجة هذا الخلل بعملية جراحية جريئة ودون خوف، وما قاله الدكتور الزغبي عن عبء الرواتب العامة وكلفتها على الدولة، على الرغم من أن راتب “موظف الدولة” لا يزال قليلًا، تؤيده آراء اقتصادية متعددة تدعو إلى إعادة النظر في إدارات الدولة وحجمها، وفي خلق فرص عمل في القطاع الخاص لاستيعاب من “يخرج” أو يتم “إخراجه” من القطاع العام، بالتوازي مع تحفيز الاستثمارات والشراكة مع القطاع الخاص، وبالتالي ترك زيادة الضرائب كخيار أخير، عملًا بمقولة “آخر الدواء الكي”، والكي في بلد منهك كلبنان ليس سوى الضرائب.

مصادر تمويل بديلة لتخفيف العبء الضريبي

بالحديث عن مصادر تمويل الخزينة العامة في ظل رؤية اقتصادية شاملة، أوضح الدكتور الزغبي أنه كان بإمكان الحكومة تفادي الحل السريع المتمثل في الضرائب، بالالتفات إلى سلسلة من الأمور الضرورية، منها الأملاك البحرية العامة التي لا تحصل الدولة من شاغليها سوى مردود يسير جدًا، في حين أن بمقدورها تحصيل مبالغ مالية أكبر بكثير من خلال تحسين الجباية وضبط الجمارك بشكل أفضل في بلد يعتمد على الاستيراد بشكل كبير، بالإضافة إلى الكسارات التي تعمل بلا حسيب أو رقيب.

توضح البيانات التالية الفارق الكبير بين المردود الحالي والمردود المحتمل لبعض هذه المصادر:

المصدر المقترحالمردود السنوي المحتملالمردود الحالي (لبعضها)
الأملاك البحرية العامةحوالي 300 مليون دولار25 مليون دولار فقط
الكسارات غير المضبوطةما يقارب 120 مليون دولار

كما شدد على ضرورة محاسبة من قام بأعمال احتيال وسرقة من خلال تخزين المواد المدعومة لإعادة بيعها أو تصديرها، وذلك في إطار أموال الدعم التي قُدمت في عهد حكومة الرئيس حسان دياب.

إصلاحات “ترقيعية” وشعارات جوفاء

تتفق آراء عديدة على أن الحكومة الحالية، التي ترفع شعار الإصلاح، لا تختلف عن سابقاتها في تبني السياسات الضريبية “الترقيعية” والارتجالية، التي قد تؤسس لانهيار مالي واقتصادي جديد بعد سنوات، وهذا ما يدفع البعض إلى القول إن الإصلاح في لبنان، وحتى إشعار آخر، لا يزال مجرد شعار لا يترجم إلى واقع ملموس.