«هل الحظ هو مفتاح التفوق في عالم سوق الأسهم؟» اختيارات القراء تكشف آراءهم

«هل الحظ هو مفتاح التفوق في عالم سوق الأسهم؟» اختيارات القراء تكشف آراءهم

في عام 2012، قامت صحيفة “ذا أوبزرفر” البريطانية بإجراء تجربة فريدة مزاولة لمدة عام كامل، لاستكشاف من يمكنه اختيار أفضل مجموعة من الأسهم والعائدات.

 

تنافست مجموعة من مستثمرين محترفين ضد مجموعة من الطلاب، وفيما يبدو أن المنافسة كانت عادية، فقد اختارت الجهات المنظمة الطرف الثالث في هذه المسابقة، وهو القط البرتقالي “أورلاندو”.

 

 

حصل كل فريق من الفرق المتنافسة على 5000 جنيه إسترليني للاستثمار في خمس شركات من مؤشر “فوتسي أول شير” في بداية العام، حيث كان بإمكان كل مجموعة تداول الأسهم كل ثلاثة أشهر.

 

اختار “أورلاندو” مجموعة عشوائية من الأسهم، وذلك عن طريق رمي فأره اللعبة للاختيار، وبنهاية العام، حقق ربحًا قدره 5542 جنيهًا إسترلينيًا، مقارنة بـ 5176 إسترلينيًا لفريق الخبراء، و4840 إسترلينيًا للطلاب.

 

لا يمتلك هذا القط أي استراتيجية، ولم يجرِ تحليلاً أساسياً أو فنياً، ولم يلتفت لتغيرات السوق، وإن كنت تتساءل كيف تغلب على المستثمرين المحترفين، فإن الإجابة هي: “الحظ”.

 

وعند التفكير في استثمارات القطط في السوق المالي، يتبادر إلى الذهن: هل الحظ له دور أساسي في النجاح الاستثماري؟ الإجابة المختصرة هي “نعم”، على الأقل وفقاً لكثيرين مثل الأخ “اسهمكو”، الذي يقول: “الحظ هو الأهم، وليس التحليل، أو الرسوم البيانية أو الدراسات، فإذا كنت محظوظًا، فأنت في الطريق الصحيح”.

 

هذا الرأي يتفق معه الباحث والأكاديمي “مايكل موبوسين”، إذ أشار قبل أكثر من عقد من الزمن إلى أن الصدفة أو الحظ هو عنصر أساسي في نجاح أي مستثمر، ويغدو أكثر أهمية في تحديد النتائج عن الماضي.

 

لكن، هل تتوافق التجارب العملية مع هذه الآراء؟ وهل كان الحظ بالفعل مفاتيح النجاح لأكثر المستثمرين تأثيرًا؟ وهل يعني ذلك أن التحليل والدراسة يجب أن نتجاهلهما؟

 

ما هو الحظ؟

 

– في مجال الاستثمار (وأيضًا في الحياة اليومية)، يعتبر البعض الحظ حادثًا عشوائيًا، بينما يراه الآخرون نتيجة عقليات وعمل مستمر وإصرار، و”التقاء الاستعداد الجيد بالفرصة المناسبة”، بالإضافة إلى السعي وراء تلك الفرص.

 

– توصلت أبحاث عالم النفس “ريتشارد وايزمان” إلى أن الأشخاص الذين يُعتبرون “محظوظين” يتشاركون عادات ووجهات نظر تجعلهم أكثر عرضة لتحقيق نتائج إيجابية.

 

– هؤلاء الأفراد غالبًا ما يكونون منفتحين على إمكانيات جديدة، ويؤمنون بحدسهم، ويحولون المحن إلى فرص، بينما يميل “غير المحظوظين” إلى تفويت الفرص بسبب تركيزهم على ما قد يسوء أو تعلقهم بمصائب سابقة.

 

– كما يقول “وايزمان”: “كلما زاد تركيزك على شيء، قلّت احتمالية رؤيتك لفرص أخرى، الأمر هنا يتعلق بالانفتاح والإبداع، وليس هناك قواعد ثابتة، لكن الحالة المزاجية تلعب دورًا في تعزيز حظك، فعندما تكون في حالة جيدة أو مسترخٍ، يصبح ذهنك أكثر انفتاحًا”.

 

ماذا عن حظ المستثمرين

 

– تشير الإحصائيات إلى مدى تأثير عنصر الحظ في الإدارة النشطة، حيث يتفوق عدد قليل جدًا من مديري صناديق الأسهم النشطة على المؤشرات القياسية على المدى الطويل، رغم جهودهم الكبيرة في دراسة اختياراتهم.

 

– على مدار عشر سنوات انتهت في منتصف عام 2024، أظهرت الإحصاءات أن حوالي 90% من مديري صناديق الأسهم النشطة حول العالم كانوا أداؤهم أقل من أداء المؤشرات التي يستهدفونها، وفقًا لبيانات من “إس آند بي”.

 

– بالإضافة إلى ذلك، تظهر بيانات تغطي فترة 20 عامًا في الولايات المتحدة أن 65% من الصناديق المستثمرة في الشركات الكبيرة قدمت أداءً أدنى من مؤشر “إس آند بي 500”.

 

– دراسة أخرى أجرتها “مورنينج ستار” أكدت أن خلال العقد الذي انتهى في يونيو 2025، لم يستطع سوى 21% من جميع الصناديق النشطة (و8% فقط من صناديق الأسهم الأمريكية الكبيرة) البقاء في السوق والتفوق على نظرائها السيئين.

 

– بحسب شركة “إندكس فاند أدفايزرز”، فإن معدلات الخسارة غالبًا ما تزداد مع طول الأفق الزمني، حيث أنه بعد 15 عامًا، لم تتفوق معظم الصناديق في أي فئة، مما يعني أن الأداء الجيد لمدى قصير ليس معيارًا للمهارة الحقيقية.

 

ماذا يقول الناجحون عن الحظ؟

 

– يمكن أن يكون اختيار الأسهم بناءً على أسسٍ صادقة أيضًا ناجحًا، فقد أعزى مستثمرون بارزون مثل “وارن بافت”، الذي حققت شركته “بيركشاير هاثاواي” نموًا سنويًا متوسطًا يقارب 20% منذ عام 1965 حتى عام 2020، نجاحهم إلى التحليل الدقيق للقيمة والنظرة طويلة الأمد.

 

– بالطبع، يقوم “بافت” بتحليل أساسيات دقيقة لتحديد الشركات المتميزة للاستثمار فيها، ومع ذلك، يشدد على أن المهارة لها حدود، حيث قال ذات مرة إن نجاحه عبر حياته لم يكن سوى نتيجة “حوالي 12 قرارًا صائبًا، قرار واحد كل خمس سنوات تقريبًا”.

 

– بمعنى آخر، كانت بعض الاستثمارات الناجحة (مثل استثماراته المبكرة في “كوكاكولا” أو “أمريكان إكسبريس”) لها دور حاسم، بينما فشلت العديد من الاستثمارات الصغيرة.

 

– في خطابه للمستثمرين في نوفمبر الأخير، ذكر “بافت” كلمة “الحظ” 12 مرة، غالبًا في سياق تأثيره على حياته الشخصية وتجربته، حيث مازح قائلاً: “ولدتُ في عام 1930، بصحة جيدة، وذكي إلى حد معقول، وأبيض، وذكر، وفي أمريكا، يا للعجب شكرًا لك يا حظي”.

 

– إن رحلة “بافت” منذ بداياته، وتجربة “بيل جيتس” في ترك الجامعة وتطوير نظام حاسوبي، وأيضًا مسيرة “جيف بيزوس” مع “أمازون” خلال فقاعة “دوت كوم”، تقدم أدلة على كيف يمكن أن يكون للحظ دور كبير في بناء الثروة.

 

– في رسالته للمستثمرين عام 2020، قال “بافت”: “قردٌ صبورٌ ومتزن” إذا أنشأ محفظة استثمارية ترتكز على مؤشر “إس آند بي 500” من خلال صندوق مؤشرات منخفض التكلفة، سيتحقق له الاستمتاع بأرباح الأسهم ومكاسب رؤوس الأموال مع مرور الوقت، طالما أنه لم يغره التغيير.

 

لا إفراط ولا تفريط

 

– يحذر مفكرون مثل “نسيم طالب” من الإفراط في الثقة والاكتفاء بالرهانات على الاحتمالات بعيدة المنال، بدلاً من الاستناد إلى المهارة والاستعداد الجيد، إذ ثبت أن مثل هذه الصفات تعمق الخسائر وتدمر الثروات.

 

– وفقًا لاستطلاع أجرته هيئة التنظيم المالي الأمريكية، اعتبر 64% من المستثمرين أنهم على دراية واسعة بالاستثمار، لكن عند إجراء اختبار استثماري، حصلوا على درجات متدنّية.

 

– كما يعاني المستثمرون الأفراد من “تأثير الحظ”، حيث تظهر الأبحاث السلوكية أن أداء معظم المستثمرين الأفراد أقل بكثير من أداء السوق، ويعود ذلك في غالبه إلى سوء التوقيت والثقة المفرطة.

 

– أكد تقرير من “مورنينج ستار” أن المستثمرين يميلون عادة إلى شراء الأصول بعد الأداء القوي، وبيعها بعد الأداء الضعيف، مما ينتج “فجوة أداء” تكلفهم 1-2% من العوائد المفقودة سنويًا، وهذه النسبة تتراكم على مر السنين لتشكل عبئًا كبيرًا.

 

– ربما يكون من الحكمة الاعتماد على مزيج من “الحظ والاختيار” لتحقيق النجاح النسبي، ولا ننسى أن العشوائية سيكون لها تأثير كبير، فالأخبار غير المتوقعة، والصدمات الاقتصادية، والأحداث غير المحتملة، قد تخلق رابحين وخاسرين بعيدًا عن أي خطة مُحكمة.

 

– على المدى الطويل، تُحقق الاستراتيجيات المنطوية على تحليل دقيق ثمارها، حيث إن المستثمرين الذين يلتزمون بأسلوب مُعتمد على الأدلة (التنويع، والتقييمات المعقولة، والتكاليف المنخفضة) يكونون أكثر ميلاً لتحقيق النجاح، حتى وإن كان العائد في فترة معينة غير متوقع.

 

– كما يؤكد “مايكل موبوسين”: “في مجال يتسم باعتمادٍ كبير على الحظ، يُعد العمل المنظم هو الطريق الأكثر أمانًا للنجاح على المدى الطويل”.

 

– صحيح أن الحظ يلعب دورًا كبيرًا في حياة الإنسان، لكن يبقى السؤال: هل يعني ذلك أن العوائد العالية في السوق هي مجرد صدفة، أم أنها نتيجة للمهارة والتحليل السليم؟

 

– وإذا كان الأمر كذلك، فهل يعني أن القط المحظوظ يعتبر مستثمرًا أفضل من الخبراء المحترفين؟ في عالم الأسهم المتغير الذي يتطور باستمرار، يبقى اليقين الكامل بعيد المنال، وقد تبتسم النتائج للحظ، لكن يبقى التفوق متوقفًا على المعرفة والاجتهاد.

 

المصادر: أقرأ نيوز 24، فوربس، إنفستوبيديا، بيانات بيركشاير هاثاواي، جروفوكاس، بي بي سي، إيه بي سي نيوز، أبولو أكاديمي، إندكس فاند أدفايزرز، تشارلز شواب، أويلث أوف كومن سينس، شات جي بي تي.