
في تطور جديد لمسار الحرب الإيرانية، تعرضت منشآت الغاز الطبيعي المرتبطة بحقل بارس الجنوبي لهجوم، ضمن تصعيد يعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل البنية التحتية الحيوية للطاقة. وأكد التلفزيون الإيراني استهداف منشآت منطقة عسلوية بمقذوفات، في مؤشر على انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة، مع تداعيات محتملة على الأسواق العالمية وأسعار الطاقة وفاتورة الاستيراد في مصر.
استهداف منشآت الغاز الإيراني وتأثيره على الاقتصاد العالمي
حذر خبراء بقطاع الطاقة من أن استهداف منشآت الغاز الإيرانية، وعلى رأسها حقل بارس الجنوبي، يمثل نقطة تحول خطيرة قد تنقل الصراع من نطاقه العسكري إلى أزمة طاقة عالمية مفتوحة. وأكدوا لـ”مصراوي”، أن الضربات التي طالت البنية التحتية الحيوية لا تهدد فقط إمدادات النفط والغاز عالميًا، بل تنذر بارتفاعات حادة في الأسعار وتداعيات تضخمية واسعة، تمتد آثارها إلى اقتصادات الدول المستوردة للطاقة، ومنها مصر، التي قد تواجه ضغوطًا متزايدة على فاتورة الاستيراد وأعباء إضافية على الموازنة العامة في ظل تقلبات الأسواق العالمية.
حقل بارس الجنوبي وأهميته الاقتصادية لإيران
يمثل حقل بارس الجنوبي أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، ويعد العمود الفقري لقطاع الطاقة في إيران، حيث يعتمد عليه الاقتصاد بشكل رئيسي في توفير الغاز لتوليد الكهرباء وتشغيل المصانع وتلبية الاستهلاك المحلي، لذلك فإن استهدافه لا ينظر إليه كضربة عسكرية تقليدية، بل كاستهداف مباشر لشريان الاقتصاد وقدرة الدولة على تأمين احتياجاتها الأساسية من الطاقة.
تداعيات الهجمات على أسواق النفط والغاز العالمية
الهجمات على منشآت الغاز لم تتوقف آثارها عند الداخل الإيراني، بل امتدت سريعًا إلى الأسواق العالمية، حيث تسببت في اضطرابات حادة بأسواق النفط والغاز، ودفعت الأسعار للارتفاع الفوري، وتزايدت التحذيرات من صدمة إمدادات مزدوجة قد تؤدي إلى موجة تضخم عالمية، وربما ركود اقتصادي واسع إذا استمر التصعيد أو تعطل الإنتاج لفترة طويلة.
بعد الهجوم على حقل بارس الجنوبي، قفز خام برنت ليتخطى 119 دولارًا للبرميل، وصعد الخام الأمريكي إلى 99 دولارًا.
التحول إلى أزمة طاقة عالمية
قال الدكتور جمال القليوبي، أستاذ البترول والطاقة، إن التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط تمثل تحولًا خطيرًا في مسار الصراع، بعد انتقاله من استهداف المنشآت العسكرية والنووية إلى ضرب البنية التحتية لقطاعي النفط والغاز، وهو ما يفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية عالمية واسعة. وأوضح أن استهداف حقل بارس الجنوبي في إيران يعد تصعيدًا كبيرًا، نظرًا لأنه من أهم الحقول التي تمثل نحو 70% من قدرات إيران المحلية في إنتاج الغاز، والذي يستخدم في توليد الكهرباء وصناعة الأسمدة والبتروكيماويات، إضافة إلى إمدادات الغاز للمنازل.
الضرر الاقتصادي على الدول المستوردة للطاقة
وأشار القليوبي إلى أن التأثير لن يقتصر على الداخل الإيراني فقط، بل سيمتد إلى الأسواق العالمية، خاصة أن إيران تعد من كبار منتجي الغاز وتصدر جزءًا من إنتاجها إلى دول مثل تركيا وأرمينيا والعراق، ما يعني أن أي اضطراب في الإمدادات سيؤثر على منظومة الطاقة في هذه الدول، وأضاف أن الضربات التي طالت البنية التحتية، بما في ذلك منشآت وموانئ نفطية مثل ميناء خرج، تعني دخول الصراع مرحلة “تكسير العظام اقتصاديًا”، وهو ما يهدد بتقليص العائدات الإيرانية في وقت تحتاج فيه إلى تلبية التزاماتها الداخلية.
وأشار القليوبي إلى أن أسعار النفط بدأت بالفعل في التفاعل مع هذه التطورات، لتصل إلى نحو 110 دولارات للبرميل، محذرًا من أن استمرار استهداف البنية التحتية، خاصة في منطقة الخليج العربي، قد يؤدي إلى نقص حاد في الإمدادات العالمية، لافتًا إلى أن حجم التراجع في المعروض قد يتجاوز 20 مليون برميل يوميًا، ما قد يدفع الأسعار إلى مستوى 110 دولارات في المدى القريب، مع إمكانية تسجيل قفزات أكبر حال تفاقم الأزمة.
استخدام المخزونات الاستراتيجية وتأثيرها على الأسعار
وأكد أن الاعتماد على المخزونات الاستراتيجية لدى بعض الدول قد يحد من وتيرة الارتفاع مؤقتًا، لكنه لن يمنع موجة صعود جديدة، موضحًا أنه مع انتهاء هذه المخزونات وعودة الدول إلى الشراء من الأسواق، قد تشهد أسعار النفط قفزات حادة تصل إلى نحو 170 دولارًا للبرميل. وشدد على أن ما يحدث حاليًا لم يعد أزمة إقليمية محدودة، بل تطور إلى أزمة طاقة عالمية مرشحة للتصاعد، مع انعكاسات مباشرة على الأسواق والاقتصادات في مختلف دول العالم.
أثر الارتفاع في أسعار الطاقة على فاتورة الاستيراد في مصر
ولا ينفصل الشأن المحلي في مصر عن التطورات العالمية في أزمة الطاقة، حيث قال مدحت يوسف، إن تأثير التطورات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا على فاتورة الاستيراد في مصر يتحرك عبر مسارين رئيسيين. وأوضح أن المسار الأول يتعلق بواردات النفط الخام والمشتقات البترولية مثل البوتاجاز والبنزين 95 والسولار والمازوت، بينما يرتبط المسار الثاني بواردات الغاز الطبيعي المسال، مؤكدًا أن واردات الغاز من إسرائيل لا تمثل عبئًا إضافيًا على الموازنة نظرًا لأن أسعارها محددة وفق اتفاقيات ثابتة.
وأشار إلى أن الارتفاعات السعرية العالمية المتتالية تجعل من الصعب تقدير حجم العبء الإضافي الذي تتحمله الدولة، خاصة في ظل التوترات والحرب في المنطقة، حيث تتسم الأسعار بحالة من التغير المستمر، ما يعقد حساب التكلفة النهائية على الموازنة العامة. وأضاف يوسف أن مصر لجأت إلى الشراء من السوق الفورية المرتبطة بالأسعار اليومية بدلًا من التعاقدات طويلة الأجل، التي كانت توفر مزايا سعرية وفترات سداد مؤجلة تصل إلى نحو 9 أشهر في بعض الاتفاقيات مع دول الخليج، وهو ما كان يخفف من الضغوط التمويلية.
ولفت إلى أن هذا التحول فرض التزامات مالية فورية على الدولة، ما خلق عبئًا غير مباشر على الموازنة نتيجة الحاجة إلى تدبير سيولة دولارية بشكل عاجل لتغطية فاتورة الاستيراد. وأشار إلى أن أسعار النفط العالمية ارتفعت إلى نحو 110 دولارات لبرميل خام برنت، بالتوازي مع صعود سعر السولار (فوب روتردام) إلى نحو 1310 دولارًا للطن، دون احتساب تكاليف النقل والتأمين، بما يعادل نحو 1.1 دولار للتر أو حوالي 57 جنيهًا مصريًا.
وأكد، نائب رئيس هيئة البترول المصرية السابق، أن هذه المستويات تعكس ارتفاعًا قياسيًا في تكلفة السولار محليًا، خاصة أن مصر تستورد ما بين 35% و40% من استهلاكها، كما تستورد نحو 50% من احتياجاتها من البوتاجاز، وحوالي 25% من البنزين، وهو ما يزيد من تأثر السوق المحلي بالتقلبات العالمية في أسعار الطاقة.
وأضاف أن هذه التداعيات قد تكون مؤقتة، لكنها مرتبطة بفترة زمنية طارئة تعتمد على مدى استمرار الحرب وتطور الأحداث، مشيرًا إلى أن أي امتداد للصراع قد يزيد من تأثيراته على الأسواق العالمية وأسعار الطاقة، وكذلك على فاتورة الاستيراد في مصر.
