يمثل وادي “زَعبان” في قرى “الطحاحين” شمال غرب محافظة محايل عسير (نحو 56 كلم) أحد الأودية الفريدة في منطقة عسير، حيث يمتاز بامتداده الجغرافي المذهل الذي يبدأ من المرتفعات الجنوبية الغربية لجبال السراة، ثم ينحدر غربًا عبر الأودية والسهول التهامية، حتى يتصل بمنظومة وادي حَلي وصولًا إلى نطاق سد الوادي، ليعكس هذا المسار تدرجًا بيئيًا غنيًا، يظهر تنوع عسير الطبيعي من الجبل إلى السهل.
أهمية وادي زعبان
تبرز أهمية الوادي كجزء أساسي من شبكة تصريف مائي ذات تأثير طويل الأمد، حيث تعمل مجاريه على التقاط مياه الأمطار القادمة من المرتفعات، وإعادة توزيعها على القرى والمزارع والمراعي في تهامة، مما يسهم في تغذية المياه الجوفية وتعزيز استدامة الموارد الطبيعية، ويمتد تأثير الوادي في بعض أجزائه لدعم الأنشطة البشرية والبيئية على حد سواء، ويخلق تدرجًا مناخيًا واضحًا من السراة إلى تهامة، مما ينعكس على الغطاء النباتي وأنواع التربة وأنماط الاستفادة البشرية، ليصبح نموذجًا مصغرًا للتنوع البيئي في عسير.
يكتسي الوادي بغطاء نباتي متنوع يتكيف مع اختلاف الارتفاعات وتباين الرطوبة، إذ تنتشر في مجراه وضفافه أشجار السدر المرتبطة بمواطن المياه، إلى جانب الطلح في الأراضي المنبسطة وشبه المنبسطة، والأثل في المواضع الأكثر رطوبة، وتظهر على السفوح القريبة والمرتفعات أنواع مثل العتم (الزيتون البري) ونباتات رعوية موسمية، ويسهم هذا الغطاء النباتي في تثبيت التربة والحد من الانجراف، وتحسين جودة الهواء، وتوفير موائل طبيعية للعديد من الكائنات الحية، ولا سيما الطيور المقيمة والمهاجرة.
ترتبط حياة القرى المجاورة تاريخيًا بوادي زعبان، حيث يعد مصدرًا رئيسيًا للسقيا، حيث تستفيد المزارع من جريان المياه والرطوبة المختزنة في التربة بعد مواسم الأمطار، ويدعم زراعة محاصيل محلية مثل: الذرة، والدخن، والزعر، والسمسم، إضافة إلى أعلاف تربية الماشية، ويعزز اتصال الوادي بمنظومة وادي حلي وسده الاستفادة غير المباشرة عبر رفع منسوب المياه الجوفية واستقرار الموارد المائية على نطاق أوسع، مما ينعكس إيجابًا على الإنتاج الزراعي واستدامته.
يمثل الوادي بيئة مثالية للرعي في مواسم متعددة، مستفيدًا من كثافة الأشجار والنباتات الطبيعية، مما يدعم الثروة الحيوانية للأهالي، وتُعد هذه الخصائص البيئية، بما توفره من ماء وغذاء وملاجئ، عامل جذب للطيور، خصوصًا خلال مواسم الهجرة، حيث تتحول مجاري الوادي إلى محطات استراحة طبيعية ذات قيمة بيئية وسياحية.
مع زيادة الاهتمام بالسياحة البيئية والريفية، يبرز وادي زعبان كوجهة واعدة للسياحة الطبيعية، لما يتميز به من مناظر متنوعة، وغطاء نباتي غني، وهدوء بيئي يجذب الزوار، وتتيح طبيعة الوادي إمكانية تطوير مسارات للمشي والتنزه، ونقاط لمشاهدة الطيور والتصوير الفوتوغرافي، بالإضافة إلى مواقع مناسبة للنزهات العائلية، مع الحفاظ على التوازن البيئي للمكان.
تزداد أهمية الفرص السياحية بفضل قرب الوادي من مدينة محايل عسير وسهولة الوصول إليه، ما يتيح دمجه ضمن برامج السياحة الداخلية والرحلات القصيرة، ليكون متنفسًا طبيعيًا للسكان والزوار دون المساس بقيمته البيئية.
يقدم وادي “زعبان” نموذجًا لوادي تتكامل فيه الجغرافيا والبيئة والإنسان، وامتدادًا طبيعيًا من قمم السراة إلى سهل تهامة، وغطاء نباتيًا متنوعًا، وموردًا داعمًا للزراعة والرعي، ووجهة سياحية طبيعية، وهي عناصر تجعل من الوادي ركيزة واعدة ضمن مسار التنمية البيئية والسياحية في منطقة عسير، بما ينسجم مع توجهات الوطنية للتوازن بين التنمية وحماية الموارد الطبيعية.
