
في بلد يُنظر إليه كنموذج للرفاهية والعدالة الاجتماعية مثل السويد، قد تبدو رؤية شخص مشرد يعيش في الشارع أو حتى في حاوية أمرًا غريبًا ومستهجنًا، ولكن هذا الواقع المأساوي يحدث بالفعل وربما يتكرر من وقت لآخر. ففي مدينة يافله شمال العاصمة السويدية ستوكهولم، عثرت الجهات المختصة على امرأة سويدية في أواخر الأربعينات من عمرها تقيم داخل حاوية مهجورة ومتسخة بالقرب من محطة لإعادة التدوير، بعد أن حولتها إلى مسكن مؤقت مجهز بأريكة وكتب وملابس، مما يثير تساؤلات حول الفجوات في شبكة الأمان الاجتماعي.
جاء اكتشاف هذه المرأة المأساوية عندما بدأ فريق عمل تابع لشركة مفلسة في تصفية الموقع، ولم يتوقعوا على الإطلاق وجود إنسان يعيش هناك، حيث أظهرت التحقيقات عدم وجود طفل برفقتها، على الرغم من البلاغ الأولي الذي تلقته السلطات بوجود امرأة وطفل معًا. ووفقًا للتحقيقات، كانت المرأة تعيش في الحاوية لعدة أشهر، وكانت الشرطة قد تلقت بلاغًا سابقًا بوجودها مع طفل في حاوية أخرى، لكنها لم تعثر عليها حينها. وتبين لاحقًا أن المرأة كانت تقيم في حاوية لسيارة كرفان قديمة، لكنها تعرضت لاعتداء وحشي من شخصين قاما بصب البنزين وإشعال النار في مكان إقامتها، ثم حاولا الاعتداء عليها باستخدام مفك كهربائي، مما أجبرها على الانتقال للعيش في الحاوية التي عُثر عليها فيها مؤخرًا. وأكدت المرأة أنها أبلغت دائرة الخدمات الاجتماعية (السوسيال) بوضعها وإقامتها داخل الحاوية، لكنها نفت بشدة وجود أي طفل معها، ولم تجد الشرطة أي دليل يدعم وجود طفل في المكان.
قصة المرأة في الحاوية ليست مجرد واقعة فردية، بل هي مرآة تعكس صورة أكبر وأكثر تعقيدًا لواقع التشرد في السويد، الذي يطال الآلاف من الأشخاص على الرغم من قوة نظام الرفاه الاجتماعي المتطور في البلاد. وتتعدد أسباب هذه الظاهرة، لتشمل أزمة السكن الحادة، والمشكلات الاجتماعية المركبة مثل الإدمان والصحة النفسية، بالإضافة إلى نقص السياسات المتكاملة التي تعالج التشرد بشكل جذري، مما يضع تحديًا كبيرًا أمام صانعي القرار في بلد يُنظر إليه تقليديًا كنموذج عالمي للرعاية الاجتماعية.
كم عدد المشردين في السويد وكيف تُعرَّف حالتهم؟
تشير أحدث الدراسات والإحصاءات الرسمية إلى أن عدد الأشخاص الذين يعيشون في حالة تشرد في السويد بلغ نحو 33 ألف شخص مشرد، وذلك حسب إحصائية تعود لعام 2023، وفقًا لبيانات مؤسسة الصحة والرعاية الوطنية السويدية (National Board of Health and Welfare). يمثل هذا الرقم أشخاصًا يعيشون في أوضاع تشرد متفاوتة، تتراوح من النوم في الشارع إلى السكن المؤقت أو الحلول السكنية قصيرة الأجل المدعومة (esn-eu.org).
يشمل هذا العدد فئات متنوعة من التشرد، منها:
- أشخاص بدون مسكن ثابت أو من يقيمون في نُزل طوارئ.
- أشخاص يقيمون في مؤسسات أو شكل من أشكال السكن تحت إشراف خدمات الرعاية.
- آخرون يعيشون في حلول سكنية طويلة الأجل تُنظمها البلديات.
- مجموعات تعيش مؤقتًا مع أصدقاء أو معارف لعدم توفر سكن ثابت (esn-eu.org).
وتؤكد الإحصاءات أيضًا أن أعداد الأطفال المشردين تصل إلى نحو 9,400 طفل، وكان التشرد أكثر انتشارًا في المدن الكبرى، بينما كان معظم المشردين يعانون من صعوبات معقدة تتجاوز مجرد الحاجة إلى السكن، مثل المشكلات الصحية والنفسية (Lund University).
لماذا يوجد تشرد في بلد رفاه مثل السويد؟
يُعزى التشرد في السويد أحيانًا إلى فشل فردي، بمعنى أن الشخص قد انحرف بالكامل عن منظومة العمل والمساعدات المشروطة، ولكن في الواقع، هناك عوامل مجتمعية رئيسية تدفع الفئات الضعيفة في المجتمع نحو التشرد، على الرغم من منظومة الرفاه القوية. ومن أبرز هذه العوامل أن السوق الخاص للإيجارات في السويد يواجه نقصًا حادًا في الوحدات السكنية داخل المدن بأسعار معقولة، مما يجعل الوصول إلى سكن مناسب أمرًا صعبًا للغاية، خصوصًا للفئات ذات الدخل المنخفض أو المتأخرة في سداد الديون، أو التي ليس لديها تاريخ إيجاري جيد (Lund University).
كذلك، يعاني كثير من المشردين من مشكلات اجتماعية متعددة ومتشابكة مثل الإدمان، وتدهور الصحة النفسية، أو التعرض للعنف الأسري (وخاصة بين النساء)، مما يزيد من صعوبة خروجهم من دائرة التشرد (Lund University). ورغم وجود دعم اجتماعي ومالي متاح مثل مساعدات السكن والمعيشة، فإن الاستفادة من هذه البرامج لا تضمن تلقائيًا حل مشكلة السكن بشكل فعال، خاصة إذا لم تترافق مع توفر وحدات سكنية كافية أو سياسات أكثر فاعلية تدعم الانتقال من الإيواء المؤقت إلى السكن الدائم والمستقر.
فئات جديدة في التشرد
التعريف السويدي للتشرد، الذي يشمل 33 ألف شخص، يشمل حالات غير مرئية قد لا تظهر في الشارع بالمعنى التقليدي، مثل من يعيشون مؤقتًا مع آخرين من منطلق المساعدة والدعم، أو من يقيمون في شكل من أشكال السكن المؤقت الذي يديره المجلس البلدي أو الكنائس والجمعيات. هذا يعني أن التشرد في السويد قد يبدو أقل ظهورًا للعيان كما يحدث في بلدان أخرى، ولكنه لا يقل خطورة أو تأثيرًا عن النوبة الحقيقية التي يعيشها من ليس لديهم مسكن ثابت ومستقر. ورغم أن السويد تشتهر بنظام رفاه اجتماعي شامل يضمن مساعدات مالية، ودعمًا للسكن، ورعاية صحية، وتأمينًا للدخل لكبار السن، فإن الخلل في سوق السكن وتداخل المشكلات الاجتماعية المعقدة قد خلق فجوة لا تزال تؤثر بشكل كبير على فئات معينة من السكان، مما يستدعي حلولًا جذرية ومتكاملة.
نسخ الرابط
تم نسخ الرابط
