أزمة الإنتاج تخنق إبداع المسرح المصري وتدفع نجومه للرحيل وغياب الدعاية

أزمة الإنتاج تخنق إبداع المسرح المصري وتدفع نجومه للرحيل وغياب الدعاية

تحقيق – إيناس العيسوي
نشر في:
الخميس 18 ديسمبر 2025 – 4:16 م
| آخر تحديث:
الخميس 18 ديسمبر 2025 – 4:16 م

يشهد المسرح المصري في الآونة الأخيرة إقبالًا ملحوظًا من مختلف الأطياف، سواء كان مسرح الدولة أو المستقل أو الخاص أو الجامعي، إلا أن تحديات الإنتاج المسرحي ما زالت تلقي بظلالها على القائمين عليه. فبينما يرى البعض أن هناك أزمة حقيقية في قلة الإنتاج، يعتقد آخرون أن المشكلة تتجاوز ذلك لتشمل عوامل أخرى. في هذا السياق، استطلعت “الشروق” آراء مجموعة من المتخصصين في الصناعة المسرحية للوقوف على مدى تأثير ضعف الإنتاج المسرحي في مصر على صُنّاعه وعلى سير العملية المسرحية ككل.

المخرج عصام السيد: تراجع القطاع الخاص وضعف الأجور يدفعان النجوم للابتعاد عن المسرح العام

يرى المخرج عصام السيد أن أزمة الإنتاج المسرحي تعود إلى أسباب متعددة ومعقدة، أهمها تراجع القطاع الخاص بسبب إغلاق العديد من المسارح الحيوية مثل مسرح الجلاء ورمسيس والغرفة التجارية ونيو أوبرا، ورغم إعادة افتتاح مسرح الليسيه، إلا أن هذه الإغلاقات أدت إلى ارتفاع تكاليف إيجار المسارح المتاحة، مما يضطر المنتج لرفع سعر التذكرة لتعويض النفقات، الأمر الذي ينعكس سلبًا على إقبال الجمهور، كما أشار إلى تأثير انخفاض السياحة العربية التي كانت تمثل عمودًا فقريًا لمسرح القطاع الخاص في فترات سابقة حيث كان يعرض ما يصل إلى 16 عرضًا في موسم واحد. وأضاف السيد أن “موسم الرياض” جذب كبار النجوم الذين لم يكونوا يعملون في مسرح القطاع العام بالأساس، مرجعًا هروب العديد من النجوم من مسرح القطاع العام إلى ضعف الدعاية وقلة الأجور بشكل كبير بعد موجات التعويم المتتالية، بالإضافة إلى التعقيدات الروتينية الشديدة في إعداد العروض وصرف الميزانيات والأجور. ومع ذلك، لفت المخرج عصام السيد إلى ظهور اتجاه جديد واعد يتمثل في فرق شابة تقدم عروضًا مسرحية منخفضة التكاليف، أحيانًا بدون نجوم معروفين، ولكنها تحقق نجاحًا جماهيريًا لافتًا وتُعرض ليالٍ متعددة بحضور كامل في معظم الأوقات.

المخرج أحمد فؤاد: إنتاج مسرحي متنوع ووفير، والأزمة الحقيقية تكمن في ضعف الدعاية

يرى المخرج أحمد فؤاد أن المسرح المصري لا يعاني من ضعف الإنتاج على الإطلاق، بل يتميز بإنتاج مسرحي غزير ومتنوع يضم عروض قطاع المسرح بالدولة، وقصور الثقافة، والمهرجانات الفنية الكبرى مثل القومي والتجريبي وشرم الشيخ للشباب والمنيا ومهرجانات المعهد العالي للفنون المسرحية. ويرى فؤاد أن الأزمة الحقيقية ليست في الإنتاج بحد ذاته، بل في ضعف التغطية الإعلامية والدعاية لهذه العروض والمهرجانات، مما يؤثر على قدرتها على الوصول إلى المتلقي. ويوضح أن بعض صناع المسرح يتجاوزون هذه الأزمة ببناء علاقة ثقة مباشرة مع الجمهور، الذي يحضر عروضهم بناءً على خبراته السابقة معهم وليس فقط بفضل الدعاية، مؤكدًا أن مصر تعد الدولة الأكثر إنتاجًا للمسرح المتنوع في الوطن العربي، وأن جميع القطاعات، من الدولة إلى المستقل والهواة والجامعي والخاص، تنجح في استقطاب الجمهور. وفي السنوات الأخيرة، لاحظنا تزايد إقبال الجمهور العادي وغير المتخصص على العروض المسرحية، لكنه يشدد على أن المشكلة تكمن في التركيز المستمر على “أزمة الإنتاج” دون معالجة الجانب الأساسي وهو “الدعاية”. وحول تأثير الروافد المسرحية الجديدة، سواء داخل مصر أو خارجها، يؤكد أحمد فؤاد أن أي إضافة جديدة تعود بالنفع على العملية الإنتاجية، مشيرًا إلى تجربة “مسرح مصر” التي “أنارت على المسرح” من وجهة نظره، ونجحت في جذب شرائح مجتمعية وفكرية متنوعة للمسرح، ما دفع البعض للبحث عن العروض المسرحية المختلفة. كما يرى أن تواجد الأعمال المسرحية المصرية بنجومها في الدول العربية والأجنبية قد رفع من قيمة سوق العمل المسرحي، وحفز العديد من المنتجين على تقديم مسرح خاص في مصر بتركيبة إنتاجية متجددة لاستقطاب الجمهور وتقديم أعمال جديدة ومختلفة باستمرار. ويختتم فؤاد بالتأكيد على قدرة مصر على تحقيق ذلك بفضل مبدعيها، مشيرًا إلى أن الأمر يتطلب فقط الإرادة والرغبة والمجازفة الواعية بثقة الجمهور الذي لم يخذل أبدًا أي تجربة مسرحية تستحق المشاهدة.

المخرج وليد طلعت: الأعمال المتميزة قادرة على جذب النجوم حتى بأجور رمزية

أكد المخرج وليد طلعت أن هناك نقصًا في الإنتاج المسرحي الخاص بمصر، على الرغم من أن مسرح الدولة بأفرعه المتعددة يؤدي دوره بكفاءة، مقدمًا عروضًا متنوعة تلقى إقبالًا جماهيريًا، فالمسارح القومية والكوميدية والشباب وقصور الثقافة حققت عروضها نجاحات تنافسية في مهرجانات كبرى ومهمة مثل المهرجان القومي والتجريبي، وقريبًا المهرجان العربي في يناير 2026. إلا أنه استذكر كيف كان المسرح الخاص في مصر قديمًا مزدهرًا بوجود فرق مسرحية خاصة ونجوم كبار مثل عبد المنعم مدبولي، فؤاد المهندس، عادل إمام، محمد صبحي، سمير غانم، محمد نجم، جلال الشرقاوي، السيد راضي، نجاح الموجي، يونس شلبي، سعيد صالح، وسيد زيان وغيرهم، مشيرًا إلى حضوره لمسرحية “لعبة الست” في مهرجان المسرح للجميع بتذكرة لم تتجاوز العشرة جنيهات حينها. وفي السنوات الأخيرة، حاول بعض المنتجين مثل مجدي الهواري بتجربة “كايرو شو”، وأحمد الإبياري الذي قدم تجارب ناجحة مع كبار النجوم، إعادة إحياء المسرح الخاص، لكن روح المسرح الخاص واستمراريته لم تعد موجودة بنفس القوة، ويعزو ذلك إلى غياب المنتجين المغامرين المستعدين لخوض مثل هذه التجارب. ويقترح طلعت للتغلب على ضعف الإنتاج تقديم تجارب فنية مميزة وجذابة تشجع النجوم على المشاركة فيها حتى بأجور رمزية مقارنة بمرتباتهم المعتادة، أو حتى بتقديمها كإهداء للعمل، فالتجربة الجيدة، بحسب رأيه، تجذب إليها عناصرها الفنية والجمهور معًا، موضحًا أن المفتاح يكمن في تقديم صناع العمل تجربة ذات رؤية واضحة ومختلفة وجاذبة لكل من الفنان والجمهور.

مصممة الديكور والأزياء نهاد السيد: الإبداع في تدوير الخامات حلٌ لمواجهة ضعف الإنتاج

ترى مصممة الديكور والأزياء نهاد السيد أنه يمكن التغلب على مشكلة قلة الإنتاج المسرحي في مصر من خلال التفكير الإبداعي والتوظيف الذكي للموارد المتاحة، واستخدام خامات بديلة، أو ما يُعرف بإعادة تدوير المواد بما يتوافق مع متطلبات العملية الإبداعية ورؤية المبدع، مشيرة إلى أن هذا النهج قد يجعل تأثير قلة الإنتاج المسرحي على الحركة الفنية في الفترة الأخيرة يسير نحو الأفضل والتحسين. وأضافت نهاد أن “موسم الرياض” أثر بالفعل على الحركة الفنية بشكل عام والمسرحية بشكل خاص، وذلك بسبب الفارق الكبير بين الأجور المتدنية للفنانين والفنيين والعاملين داخل مصر، مقارنة بالإنتاج الضخم والسخي في “موسم الرياض” على كافة المستويات، مما يدفع الكثيرين للتوجه إلى هناك مرغمين، استجابةً لمتطلبات الحياة والمعيشة التي تفرض عليهم البحث عن المردود المادي الأفضل.