لم تعد أزمة البيض في أوروبا مجرد نقص مؤقت في منتج غذائي أساسي، بل تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى مؤشر خطير يعكس هشاشة سلاسل الإمداد الأوروبية، في ظل تضخم مستمر، وارتفاع تكاليف الطاقة، وتغير أنماط الاستهلاك، حيث كانت فرنسا، أكبر منتج للبيض في الاتحاد الأوروبي، أول من دق ناقوس الخطر، ولكنها ليست الدولة الوحيدة التي تعاني من هذه الأزمة.
فرنسا: فراغات في الأرفف واضطراب في المخابز والمتاجر
في فرنسا، حيث يُعتبر البيض عنصرًا رئيسيًا في المخابز والصناعات الغذائية، أدى تراجع القدرة الشرائية إلى زيادة الاعتماد عليه كمصدر بروتين أرخص مقارنة باللحوم، ومع ارتفاع أسعار الكهرباء والأعلاف، لم يستطع الإنتاج مواكبة الطلب المتزايد، ما أسفر عن فراغات في الأرفف واضطراب في المخابز والمتاجر الصغيرة، هذه الأزمة ليست موسمية فحسب، بل تعكس تحولًا دائمًا في سلوك المستهلك الفرنسي.
ألمانيا: ضغط الأمراض والتكاليف
أما ألمانيا، فتواجه وضعًا مشابهًا، ولكن لأسباب أكثر تعقيدًا، إذ أدى تفشي إنفلونزا الطيور إلى تقليص أعداد الدجاج البيّاض، بينما زادت القيود البيئية وتكاليف الطاقة من صعوبة تعويض الفاقد بسرعة، ومع كون ألمانيا أحد أكبر الأسواق الاستهلاكية في أوروبا، فإن أي خلل في الإمداد ينعكس فورًا على الأسعار، مما يثير مخاوف من اتساع الأزمة إلى منتجات غذائية أخرى.
بولندا: الإنتاج يتراجع والسوق يتوتر
في بولندا، التي تُعتبر من كبار مصدري البيض داخل الاتحاد الأوروبي، تسبب انتشار الأمراض في المزارع في انخفاض الإنتاج الموجه للتصدير، مما أدى إلى توتر في السوق المحلي وارتفاع الأسعار، تُظهر الأزمة في بولندا جانبًا آخر من المشكلة، وهو الاعتماد الأوروبي المتبادل، حيث يؤثر نقص الإنتاج في دولة واحدة على عدة دول أخرى.
هولندا: نموذج الإنتاج المكثف تحت الاختبار
هولندا، المعروفة بكثافة إنتاجها الزراعي، لم تكن بمنأى عن الأزمة، فكانت القيود البيئية الصارمة، إلى جانب تفشي أمراض الطيور، قد وضعت نموذج الزراعة المكثفة تحت ضغط غير مسبوق، مما أدى إلى إنتاج أقل، وتكاليف أعلى، وسوق أكثر توترًا.
رفاهية الحيوان تزيد التعقيد
في موازاة ذلك، تسعى عدة دول أوروبية إلى تقليص تربية الدواجن في الأقفاص، والانتقال إلى أنظمة أكثر إنسانية، وعلى الرغم من أن هذه الخطوة تحظى بدعم شعبي، إلا أنها تتطلب استثمارات ضخمة وزمنًا طويلًا، مما يجعلها عامل ضغط إضافي في المدى القصير.
أزمة غذاء أم إنذار مبكر؟
تكشف أزمة البيض أن أوروبا تواجه تحديًا أوسع في أمنها الغذائي، خاصة مع تزايد الاعتماد على بدائل أرخص، وتباطؤ التوسع في الإنتاج الزراعي، وتنامي تأثير الأزمات المناخية والصحية، السؤال لم يعد: متى يعود البيض إلى الأرفف؟ بل: هل أوروبا مستعدة لأزمات غذائية مستقبلية.
