
شهدت الأسواق المالية في مطلع هذا العام تفاؤلاً حذراً، مدفوعاً بتعديل وزارة التجارة الأميركية لقواعد التصدير، وهو ما مكن شركة “إنفيديا” من شحن معالجات “إتش 200” – المصنفة كثاني أقوى معالج للذكاء الاصطناعي عالمياً – إلى الصين، رغم فرض شروط تجارية صارمة.
لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً، ففي تحول مفاجئ وغير متوقع، تبخر “الضوء الأخضر” الأميركي ليصطدم بـ”سد أحمر” صيني عند بوابات الجمارك، ما دفع الموردين إلى إيقاف خطوط الإنتاج بصورة فورية وغير مخطط لها. بدأت الأزمة عندما استدعت سلطات الجمارك الصينية في مدينة شنتشن شركات اللوجستيات الكبرى، وأبلغتها شفهياً بضرورة وقف قبول أي طلبات لتخليص معالجات “إتش 200”. هذا الإجراء، الذي تزامن مع وصول الدفعات الأولى من الشحنات إلى موانئ هونغ كونغ وفقاً لتقرير “فايننشال تايمز”، أحدث شللاً فورياً في سلاسل الإمداد، مما دفع موردي المكونات الحيوية، مثل لوحات الدوائر المطبوعة المخصصة (PCBs)، إلى تعليق الإنتاج فوراً. السبب الرئيسي وراء هذا الإيقاف المفاجئ يكمن في الطبيعة التقنية لهذه المكونات، فهي مصممة هندسياً خصيصاً لهيكل معالجات “إتش 200″، مما يعني استحالة إعادة توجيهها لأي منتج آخر، وبالتالي فإن الاستمرار في التصنيع كان سيؤدي إلى تراكم مخزون تالف وخسائر قد تصل إلى مليارات الدولارات.
رسائل سياسية وأهداف اقتصادية
على الرغم من أن الولايات المتحدة لطالما كانت الطرف الذي يفرض القيود التجارية والحظر التقني تاريخياً، إلا أن بكين هي من وضعت العوائق هذه المرة، وهو ما يفسره المحللون بوجود ثلاثة أسباب رئيسية وراء هذا الموقف الصيني الصارم.
- دعم “السيادة التقنية” المحلية: تسعى الحكومة الصينية جاهدة لدفع شركاتها التكنولوجية الكبرى، مثل علي بابا وتينسنت وبايت دانس، نحو تبني البدائل المحلية كرقائق “هواوي أسيند” (Huawei Ascend) و”بايدو كونلون” (Baidu Kunlun)، للحد من الاعتماد الكلي على معالجات “إنفيديا”.
- ورقة ضغط تفاوضية: يرى بعض المحللين أن بكين تستغل منع دخول معالجات “إتش 200” كأداة تفاوض قوية ضد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رداً على الرسوم الجمركية والقيود المفروضة على قطاعات صناعية صينية أخرى.
- الضريبة الأميركية: اشترطت الإدارة الأميركية الجديدة تحصيل “رسوم إضافية” أو حصة تصل إلى نحو 25% من إيرادات مبيعات هذه الرقائق لصالح الخزانة الأميركية، وهو ما اعتبرته بكين “إتاوة تقنية” غير مقبولة، وانتهاكاً صارخاً لسيادتها التجارية.
تتجاوز تداعيات هذا التعليق مجرد تأخير بسيط في الشحنات، لتمتد وتؤثر بعمق على الاستراتيجيات الكبرى للشركات، حيث تقدر خسائر “إنفيديا” بمليارات الدولارات، إذ كانت الشركة تتوقع طلباً يزيد عن مليون وحدة من معالجات “إتش 200” للسوق الصيني وحده هذا العام، وبالتالي فإن تعليق الإنتاج يمثل فقداناً لأحد أكبر مصادر الدخل التاريخية للشركة.
علاوة على ذلك، ستجد الشركات الصينية التي كانت تعول على معالجات “إتش 200” لتطوير جيلها القادم من تطبيقات “الذكاء الاصطناعي العام” (AGI) نفسها مضطرة الآن للجوء إلى خيارات محلية ذات كفاءة أقل، مما قد يؤدي إلى اتساع الفجوة التقنية بينها وبين الشركات الأميركية الرائدة، مثل “أوبن إيه آي” (OpenAI).
وبالمثل، تواجه شركات مثل أمكور تكنولوجي (Amkor Technology) وشركات تصنيع الذاكرة عالية النطاق (HBM) الآن فائضاً كبيراً في الإنتاج المتخصص، والذي يصعب تصريفه أو بيعه لجهات أخرى بسهولة.
يؤكد المحللون أن تعليق إنتاج مكونات معالجات “إتش 200” يبرهن على أن “حرب الرقائق” لم تعد صراعاً أحادي الجانب تفرض فيه جهة واحدة القيود، بل تحولت إلى لعبة “شد وجذب” معقدة ومتشابكة، ففي الوقت الذي تسعى فيه “إنفيديا” إلى الموازنة بين ضغوط واشنطن واحتياجات السوق الصيني، يجد الموردون أنفسهم الضحية الأولى لتقلبات السياسة الدولية، التي أصبحت تتحكم في خطوط الإنتاج وتوجهها بشكل أكبر من مجرد قوى العرض والطلب التقليدية.
