
تم تحديثه الأربعاء 2026/2/11 01:07 ص بتوقيت أبوظبي
شهدت أسواق الذهب العالمية في الأيام الأخيرة واحدة من أكثر فتراتها تقلبًا منذ سنوات، حيث جاءت هذه التحركات المفاجئة لتجذب اهتمام المستثمرين وصنّاع القرار على حد سواء.
التقلبات وتأثير السوق الصينية
بينما كان يتعين على الأسواق استيعاب الارتفاعات القياسية التي سجّلتها أسعار المعدن الأصفر، أكدت تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت على وجود عامل خارجي مؤثر، يتمثل في سلوك التداول داخل السوق الصينية، حيث أشار بيسنت إلى أن التقلبات الحادة في الذهب تعود لما وصفه بـ«التداولات غير المنضبطة» في الصين، موضحًا أن السلطات الصينية اضطرت لتشديد متطلبات الهامش للحد من المضاربات المفرطة.
سمات الفقاعة المضاربية الكلاسيكية
أوضح الوزير أن ما يحدث في سوق الذهب يظهر سمات «الفقاعة المضاربية الكلاسيكية»، حيث ترتفع الأسعار بسرعة أكبر نتيجةً لتوقعات قصيرة الأجل، بدلاً من ارتباطها بأساسيات العرض والطلب، في وقت كانت فيه أسعار الذهب تشهد ارتفاعًا قويًا نتيجةً للعديد من العوامل، أبرزها التوترات الجيوسياسية، وزيادة الإقبال على الأصول الآمنة، ومخاوف المستثمرين بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
عمليات جني الأرباح وضغوط الأسعار
لكن هذه العوامل الجديدة سرعان ما تحولت إلى ضغوطات مع بدء عمليات جني الأرباح، مما أدى إلى انعكاس حاد في اتجاه الأسعار، ولم تكن التقلبات في سوق الذهب معزولة عن باقي الأسواق المالية، حيث ساهمت حالة الاضطراب في دفع الدولار الأمريكي لتحقيق أول مكاسب أسبوعية له منذ بداية يناير، مما يشير إلى عودة إقبال المستثمرين على العملة الأمريكية كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين.
ارتقاء مؤشر داو جونز
في الوقت نفسه، سجّل مؤشر داو جونز الصناعي إنجازًا تاريخيًا بتجاوزه مستوى 50 ألف نقطة للمرة الأولى، مما يعكس بعض التفاؤل حيال آفاق الاقتصاد الأمريكي وأداء الشركات الكبرى، ويرى مراقبون أن هذا التناقض بين الاضطراب في الذهب وارتفاع الأسهم يعكس تعقيد المرحلة الحالية، حيث تتأثر الأسواق بعوامل متضاربة، فبينما تتزايد المخاطر الجيوسياسية والتقلبات النقدية، تظهر مؤشرات على متانة الاقتصاد الأمريكي وقدرته على امتصاص الصدمات.
دورة صعود جديدة
في هذا السياق، استخدم بيسنت الهيجان القياسي لمؤشر داو جونز للإشارة إلى أن الاقتصاد الأمريكي يُقبل على دورة صعود جديدة، مع توقع انعكاس إيجابي على المواطنين العاديين، وليس فقط على وول ستريت، وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات النصفية، حيث يصبح الأداء الاقتصادي عنصرًا محوريًا في الخطاب السياسي والإعلامي.
السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي
أما على صعيد السياسة النقدية، فقد أعرب وزير الخزانة عن توقعه بأن يتعامل الاحتياطي الفيدرالي بحذر شديد مع أي خطوات نحو تقليص ميزانيته العمومية، مشيرًا إلى أن الاحتياطي الفيدرالي انتقل إلى ما يُعرف بنظام «السيولة الوفيرة»، والذي يعني إبقاء الميزانية أكبر لفترة أطول، وأكد أن أي قرار جوهري في هذا الشأن لن يُتخذ على عجل، بل سيحتاج إلى فترة قد تمتد لعام كامل من التقييم والدراسة.
حساسية مرحلة قادمة
تعكس هذه التوجهات الحذرة إدراك صناع القرار لحساسية المرحلة، إذ إن أي تشديد مفاجئ قد يؤدي إلى اضطرابات جديدة في الأسواق، في ظل سعي الاقتصادات الكبرى لتحقيق توازن دقيق بين مكافحة التضخم ودعم النمو، كما تظهر تجارب السنوات الأخيرة أن الأسواق باتت أكثر تفاعلًا، وأحيانًا أكثر هشاشة، أمام الإشارات الصادرة عن البنوك المركزية.
مستقبل الاحتياطي الفيدرالي
بينما يتعلق مستقبل قيادة الاحتياطي الفيدرالي، فقد أشار بيسنت إلى أن المرشح لتولي رئاسة البنك المركزي يتمتع بالاستقلالية، مع التأكيد على مبدأ المساءلة أمام الشعب الأمريكي، يعتبر التقرير أن الذهب، والذي لطالما كان يُعتبر ملاذًا آمنًا في أوقات الاضطراب، أصبح اليوم خاضعًا لمعادلة أكثر تعقيدًا، فالمضاربات السريعة، وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود، وتدخلات الجهات التنظيمية، كلها عوامل تعيد تشكيل ديناميكيات السوق بوتيرة متسارعة، وتؤكد التقلبات الأخيرة أن تحركات الذهب لم تعد مرتبطة فقط بالخوف وعدم اليقين، بل أصبحت أيضًا انعكاسًا لتفاعلات مالية عالمية متشابكة.
