
شهد العقد الماضي تعزيزًا مضطردًا لوجود الصين في شمال إفريقيا، حيث برزت ليبيا كمركز محوري لطموحات بكين المتنامية. وفي إطار مبادرة “الحزام والطريق”، تسعى الصين لتسريع استثماراتها في قطاعات متعددة مثل الطاقة، البنية التحتية، والخدمات اللوجستية، مستغلةً الفراغ الاستراتيجي وتفكك المشهد السياسي المحلي، مما يعزز نفوذها ويؤسس لوجود طويل الأمد في هذه المنطقة الحيوية التي تربط بين إفريقيا، أوروبا، والشرق الأوسط.
مساحة واعدة
بعد أن علقت الصين عمل سفارتها في ليبيا في أيار/ مايو 2016 بسبب تصاعد الصراعات، مكتفيةً بتقديم الخدمات من خارج البلاد، أعادت فتحها في طرابلس بتاريخ 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.
وقد أكد رئيس اللجنة الليبية-الصينية العليا للتعاون، عبد المجيد مليقطة، أن إعادة فتح السفارة تمثل خطوة محورية في تعزيز العلاقات الثنائية، خاصةً في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية، وتهدف إلى إحياء المشاريع الاستثمارية المتوقفة منذ عام 2011 بسبب العقود غير المسددة، فضلاً عن تسهيل إجراءات السفر بين البلدين.
من جانبه، يرى الباحث السياسي الليبي أحمد عرابي، في تصريحه لرصيف22، أن عودة الصين إلى ليبيا تأتي في ظل نفوذ اقتصادي متزايد وسباق محتدم لإعادة الإعمار، ولا تُعد خطوة إعادة افتتاح السفارة الصينية في العاصمة الليبية، بعد حوالي عقد من الزمن، مجرد إجراء دبلوماسي روتيني، بل تحمل مؤشرًا واضحًا على انطلاق مرحلة جديدة من التواجد الصيني في البلاد، ضمن استراتيجيتها الشاملة في شمال إفريقيا.
ويضيف عرابي أنه، وبالرغم من التعامل الرسمي مع هذا الحدث كعودة تقنية، فإنه يعكس تحولًا في مقاربة بكين من الحضور الهامشي إلى تموضع منظم تتلاقى فيه المصالح الليبية الباحثة عن شريك اقتصادي موثوق مع الحسابات الصينية التي ترى في ليبيا مساحة واعدة لم يتم استغلالها بعد، ضمن مشروعها التوسعي العالمي.
ويرى المحلل السياسي الليبي إدريس عبد السلام، في حديثه إلى رصيف22، أن عودة السفارة الصينية إلى ليبيا خطوة مهمة وإيجابية، لكن لتحقيق آفاق تعاون حقيقية، لا بد من توافر الاستقرار السياسي في البلاد، فمع استمرار الانقسام السياسي والأزمة الاقتصادية، يصبح ضمان تعاون مستدام بين البلدين أمرًا صعبًا ما لم تُحل الأزمة الليبية أولاً.
فوق خطوط الانقسام
لم يكن افتتاح السفارة الصينية هو البداية الفعلية لعودتها الرسمية، إذ يشير تقرير لموقع إفريقيا إنتليجنس إلى أن العودة الصينية الرسمية بدأت بعد لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية محمد المنفى، في أيلول/ سبتمبر 2024، خلال منتدى التعاون الصيني الإفريقي في بكين، حيث أبدت بكين اهتمامًا جادًا بإحياء شراكاتها مع ليبيا بعد فترة من التراجع.
في تموز/ يوليو 2024، وقع المدير العام لصندوق ليبيا للتنمية وإعادة الإعمار، بلقاسم خليفة حفتر، مذكرة تفاهم مع شركتي Power China الصينية وFuture البرتغالية، لتنفيذ مشاريع استراتيجية في بنغازي، تضمنت تطوير مطار بنينا الدولي وإنشاء المنطقة الحرة في المريسة.
تضمن الاتفاق بين الجانبين أيضًا إنشاء محطات للطاقة الشمسية ومحطات لمعالجة المياه، بالإضافة إلى خط سكة حديد يربط بنغازي بمدينة المرج قرب الحدود المصرية، مما يهدف إلى ربط شرق ليبيا بشكل مباشر بشبكات النقل الإقليمية.
كما وقعت مجموعة السكك الحديدية الصينية (CRIG) مذكرة تفاهم مع هيئة السكك الحديدية الليبية لإنشاء خط سكة حديد يمتد من بنغازي إلى مرسى مطروح المصرية عبر معبر مساعد الحدودي، بتكلفة تقديرية تصل إلى 20 مليار دولار، ويستهدف هذا المشروع فتح ممرات جنوبية نحو السودان وتشاد.
من خلال هذه المشاريع، تسعى الصين إلى بناء طريق تجاري متكامل رأسيًا يتجاوز المعابر البحرية التقليدية، ويعزز مكانتها في الأسواق الإفريقية الناشئة، مستخدمةً ليبيا كبوابة قارية رئيسية.
وفي أيار/ مايو 2023، تم إطلاق مشروع مترو بنغازي، عبر اتفاقية بين الحكومة الليبية في الشرق والمجموعة الصينية BFI، ومجموعة السكك الحديدية الصينية، وشركة الاستشارات البريطانية Arup، بتمويل صيني يُقدر بـ 30 مليار يورو. ويمتد مترو بنغازي على مساحة تُقدر بـ 64 ألف هكتار، ليربط بين وسط المدينة والضواحي الناشئة ومنطقة الجبل الأخضر، ومن المتوقع الانتهاء من المشروع بحلول عام 2032.
في السياق ذاته، أصدر وزير الاقتصاد والتجارة الليبي محمد الحويج، في حزيران/ يونيو 2024، توجيهًا بتفعيل الغرفة الليبية الصينية المشتركة بهدف تيسير العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين القطاع الخاص الليبي والصيني وتشجيع الاستثمارات الصينية في ليبيا.
كما أشار رئيس الوزراء الليبي في طرابلس، عبد الحميد الدبيبة، خلال افتتاح المنتدى الاقتصادي الصيني-الليبي الأول في بكين في حزيران/ يونيو 2024، إلى وجود 23 ألف عامل صيني في ليبيا حاليًا، بعد أن كان عددهم لا يتجاوز خمسة آلاف عامل خلال السنوات الماضية.
قبل ثورة 2011، كان للصين حضور اقتصادي كبير في ليبيا، حيث سيطرت 75 شركة صينية على 50 مشروعًا ضخمًا، بلغت قيمتها التعاقدية أكثر من 20 مليار دولار أمريكي، واضطرت الصين آنذاك إلى إجلاء 35,860 مواطنًا صينيًا من البلاد.
ولتسهيل الاستثمارات الصينية، وافقت حكومة شرق ليبيا على إنشاء المصرف الليبي للطاقة والتعدين، في خطوة تعكس توجهًا نحو بناء أدوات مؤسسية تسمح بتوسيع الشراكات مع الصين، وينتظر المصرف حاليًا موافقة مصرف ليبيا المركزي على تخصيص رمز سويفت لبدء المعاملات الدولية، مما سيجعله قناة مالية رئيسية.
يوضح المحلل السياسي الليبي أحمد عرابي، أن الغرب الليبي مرتبط باتفاقات مع القوى الأوروبية وتركيا والولايات المتحدة، مما يقلل من فرص الصين في التواجد هناك، وهو ما دفعها إلى التوجه نحو شرق البلاد في محاولة لترسيخ نفوذها في شمال إفريقيا، في ظل وجود عوامل تمنحها زخمًا أكبر.
ويشير تقرير إلى أن ما يجري اليوم ليس مجرد عودة تجارية عابرة، بل اختراق اقتصادي منظم تتحرك فيه الشركات الصينية على جبهتين؛ في الغرب عبر حكومة الدبيبة، وفي الشرق عبر صندوق إعمار برقة الذي يقوده بلقاسم حفتر، وهذه الازدواجية لا تمثل مأزقًا بالنسبة للصين، بل ميزة استراتيجية، إذ تمكنها من العمل فوق خطوط الانقسام السياسي.
في ظلّ حكومتين
توضح الدكتورة تمارا برو، المتخصصة في الشؤون الصينية، في حديثها إلى رصيف22، أن الصين عملت خلال السنوات الأخيرة على توسيع شبكة علاقاتها مع شمال إفريقيا، بالنظر إلى الموقع الجيوستراتيجي الذي تتمتع به المنطقة.
وتذكر برو أن الصين ترى في ليبيا بوابتها نحو إفريقيا وأوروبا، لا سيما في ظل منافسة بكين للممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي الذي انطلق عام 2023.
وتضيف برو أن حسابات عديدة تدفع بكين إلى تعزيز حضورها في ليبيا، يبدأ أبرزها من البعد الاقتصادي نظرًا لأهمية موقع ليبيا ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، ومن أهم هذه الحسابات خطة تحويل ميناء طبرق إلى موقع لوجستي وطاقة إقليمي ضخم، يتضمن تطوير بنى تحتية ومصفاة نفط عملاقة بقيمة 10 مليارات دولار، قادرة على معالجة 500 ألف برميل نفط يوميًا، بالإضافة إلى ربطه بخطوط سكك حديدية.
تقع مدينة طبرق في شرق ليبيا، على بعد نحو 400 كيلومتر فقط من جزيرة كريت وجنوب أوروبا، ولا يُعد مشروع المصفاة المزمعة هناك مشروعًا منفصلاً، إذ تشير تقارير إلى أن الصين تنظر إلى طبرق كمركز لوجستي متكامل يضم مرافق لتخزين الوقود، ومحطات لإعادة الشحن، ومستودعات إمداد تربط بين النقل البحري والبري.
ويمنح الموقع الجغرافي الفريد للمدينة وصولاً مباشرًا إلى قناة السويس وشرق البحر المتوسط وعمق القارة الإفريقية، مما يجعلها نقطة ارتكاز رئيسية ضمن شبكة متشابكة من مسارات التجارة وسلاسل الإمداد التي تسعى بكين إلى تعزيزها في المنطقة.
وتشير الدكتورة تمارا برو إلى أن الصين معروفة بعدم تدخلها في الشؤون الداخلية للدول، وابتعادها عن البيئات غير المستقرة أمنيًا، وأن دخولها مجددًا إلى ليبيا جاء بعد دراسة مستفيضة خلصت إلى إمكانية الانخراط في شرق ليبيا، ولكن بشكل حذر ومدروس.
وتؤكد برو أن الحضور الصيني لن يكون سهلاً، إذ يواجه عوائق عديدة، خصوصًا في ظل وجود حكومتين متنافستين، على الرغم من محاولة الصين الحفاظ على علاقات متوازنة مع كلا الجانبين، وتوضح أن بكين لا يعنيها شكل الحكومة بقدر ما يعنيها الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية.
وتذكر برو أن هذا الانقسام ظهر جليًا عندما أعلنت الهيئة العامة للاتصالات والمعلوماتية التابعة لحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، في آب/ أغسطس 2025، إيقاف جميع أنشطة شركة “هواوي” الصينية داخل ليبيا، متهمةً الشركة بمخالفة القوانين الوطنية والدولية واختراق سيادة الدولة، بعدما دخلت في تعاقدات وتعاون مع الحكومة في شرق ليبيا.
قلق “الناتو” وأوروبا
يشير تقرير صادر عن مركز تاسام، في آب/ أغسطس 2025، إلى أن الانسحاب النسبي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الساحة الإفريقية، فتح مجالاً واسعًا أمام الصين لإعادة تشكيل معادلات النفوذ في القارة، ولا سيما في ليبيا.
وقد أوجد التراجع المتعمد في الحضور الدبلوماسي والاقتصادي الأمريكي، ضمن إطار سياسة تقوم على تقليص الانخراط الخارجي والتركيز على الأولويات الداخلية، فراغًا استراتيجيًا استغلّته بكين لتعزيز حضورها في مناطق تشهد هشاشة سياسية وصراعًا على الموارد، وفي مقدمتها ليبيا التي تمثل نقطة تماس حيوية بين آسيا، إفريقيا، وأوروبا.
في السياق ذاته، يوضح مركز تاسام أن تركيز الصين على إعادة هيكلة العلاقات مع مختلف الفصائل السياسية في ليبيا لا يهدف فقط إلى تأمين حضور اقتصادي طويل الأجل، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة هندسة المشهد السياسي الليبي بما يتوافق مع مقاربة بكين في بناء نفوذ مستدام داخل الدول الهشة.
ويرى التقرير ذاته أن هذه الاستراتيجية تُفضي إلى تقليص هامش نفوذ أوروبا الغربية، التي كانت تاريخيًا الفاعل الخارجي الأكثر تأثيرًا في ليبيا، وذلك عبر تفوق النموذج الصيني القائم على الاستثمار والبنية التحتية على المقاربة الأوروبية التقليدية المبنية على الأدوات الدبلوماسية والضغط السياسي.
وتوضح برو، من ناحية أخرى، أن هناك قلقًا غربيًا متزايدًا من أن تقوم الصين باستغلال تدخلها الاقتصادي للتجسس على الدول الأوروبية وحلف الناتو، بالإضافة إلى الخوف من إنشاء قاعدة عسكرية صينية في ليبيا، فالإمكانات ذات الاستخدام المزدوج للبنية التحتية المتطورة، كالموانئ والمطارات، تثير مخاوف حلف شمال الأطلسي بشأن التوسع البحري والمراقبة الصينية في البحر الأبيض المتوسط.
ويؤكد عرابي أنه في حال نجاح الصين في مساعيها، فإن استراتيجية بكين في ليبيا ستعيد تشكيل سلاسل التوريد وتدفقات التجارة الأوراسية، مما يؤدي إلى تحولٍ في ميزان القوة الناعمة والنفوذ الاستراتيجي في شمال قارة إفريقيا، مع تداعيات عميقة على أمن الطاقة والاستقلالية الجيوسياسية لأوروبا لاحقًا.
فجهود أوروبا المستمرة لتنويع مصادر الطاقة، خاصةً منذ الحرب الروسية الأوكرانية، جعلت القارة أكثر اعتمادًا على مصادر بديلة من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وإذا سيطرت بكين على مصفاة ضخمة في طبرق والبنية التحتية للميناء المرتبط بها، فسيكون لها نفوذ كبير على سلاسل التوريد المغذية لأوروبا.
إن ما يحدث في ليبيا ليس مجرد مسألة استثمار أو مشاريع بنية تحتية، بل يمثل بداية مرحلة جديدة من المنافسة الجيوسياسية في المتوسط، حيث يشكل حضور الصين عاملاً رئيسيًا يعيد تشكيل موازين القوى الاقتصادية والأمنية، ويؤثر بشكل مباشر على أمن الطاقة الأوروبي والاستراتيجية الجيوسياسية للقارة، وعليه، تتحول ليبيا إلى ساحة اختبار لقدرة الصين على ترسيخ نفوذها في بيئة معقدة، ويكون نجاحها مؤشرًا على نموذج جديد للتمدد الصيني في مناطق النزاعات والهشاشة السياسية حول العالم.
