
أدانت وزارة الخارجية الفرنسية بقوة ما وصفته بـ”مبادرة عدائية واضحة” تستهدف استئناف الحوار الفرنسي الجزائري أو تهدئة الجدل التاريخي، وذلك تعليقاً على إقرار البرلمان الجزائري قانوناً يجرم الاستعمار الفرنسي للبلاد (1830-1962). وقد صوت النواب الجزائريون، يوم الأربعاء، بالإجماع على هذا القانون الذي يطالب باريس بتقديم اعتذار رسمي.
جرت عملية التصويت في أجواء عاطفية داخل القاعة، حيث ارتدى النواب أوشحة بألوان العلم الجزائري، ورددوا شعارات الموافقة على النص. ويُلزم هذا القانون الدولة الفرنسية بـ”تحمل المسؤولية القانونية عن ماضيها الاستعماري في الجزائر والمآسي التي خلفتها”، وقد هنأ رئيس المجلس الشعبي الوطني، إبراهيم بوغالي، النواب على إقرار التشريع “بإجماع” الحاضرين.
بنود القانون وأثره
يتضمن القانون الجديد ما يعتبره جرائم استعمارية فرنسية غير قابلة للتقادم، وتشمل هذه الجرائم على وجه الخصوص ما يلي:
- التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية بين عامي 1960 و1966.
- عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء.
- التعذيب الجسدي والنفسي الواسع النطاق.
- النهب المنهجي للثروات الوطنية.
وينص القانون صراحة على أن “التعويض الكامل والعادل عن جميع الأضرار المادية والمعنوية الناجمة عن الاستعمار الفرنسي هو حق غير قابل للتصرف للدولة والشعب الجزائريين”. كما يلزم الدولة الجزائرية بمطالبة فرنسا بإزالة التلوث من مواقع التجارب النووية.
الرد الفرنسي والموقف من الحوار
جاء الرد الفرنسي على هذا القانون شديد اللهجة، حيث أدانت الخارجية الفرنسية ما وصفته بـ”مبادرة معادية بشكل واضح لكل من يرغب في استئناف الحوار الفرنسي الجزائري والعمل الهادئ حول القضايا التاريخية”. ورغم هذا الإدانة، أشار بيان وزارة الخارجية الفرنسية إلى استعداد باريس لمواصلة “العمل على استئناف حوار متطلب مع الجزائر”، خاصة فيما يتعلق بـ”القضايا الإدارية وقضايا الهجرة”.
رمزية القانون وتداعياته القانونية
يرى مراقبون أن الطابع الرمزي لهذا القانون قد يتجاوز تأثيره القانوني الفعلي، فوفقاً لحسني كيتوني، الباحث في تاريخ الفترة الاستعمارية بجامعة إكستر البريطانية، الذي صرح لوكالة فرانس برس، “من الناحية القانونية، ليس لهذا القانون أي أثر دولي وبالتالي لا يمكن أن يجبر فرنسا على فعل أي شيء”. ومع ذلك، اعتبر كيتوني إقراره “لحظة قطيعة في العلاقة التاريخية مع فرنسا”، مما يؤكد دلالته السياسية والمعنوية الكبيرة.
خلفية التوترات الدبلوماسية
يأتي التصويت على القانون في خضم أزمة دبلوماسية خطيرة بين البلدين، تفاقمت بعد اعتراف فرنسا في صيف 2024 بخطة الحكم الذاتي “تحت السيادة المغربية” للصحراء الغربية، في حين تدعم الجزائر جبهة البوليساريو الانفصالية. وقد أدت حوادث لاحقة، مثل إدانة الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال والعفو عنه بعد التدخل الألماني، إلى زيادة التوترات بين الجانبين.
حساسية ملف الاستعمار وموقف ماكرون
لا يزال ملف الاستعمار الفرنسي للجزائر (1830-1962) بالغ الحساسية بين البلدين. وقد شهدت العلاقات تقلبات بشأن هذه القضية حتى في عهد حكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي وصف الاستعمار عام 2017 بأنه “جريمة ضد الإنسانية” وطرح فكرة الاعتذار. إلا أنه رفض لاحقاً “الاعتذارات” الرسمية، وأثار غضب الجزائر بالتشكيك في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار.
مقتضيات إضافية حول المتعاونين
يصف القانون أيضاً التعاون الحركي (الجزائريين الذين تعاونوا مع الجيش الفرنسي) بالخيانة العظمى، وينص على معاقبة كل من “يمجد أو يبرر الاستعمار”. تجدر الإشارة إلى أن فكرة تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر مطروحة منذ الثمانينات، لكنها لم توضع موضع التنفيذ إلا الآن.
