«استثمارات تاهت، أحلام تبددت، ومستقبل مجهول يواجه آلاف المهندسين الأردنيين» صندوق تقاعد المهندسين الأردنيين كابوس مدخرات العمر المتبخرة

«استثمارات تاهت، أحلام تبددت، ومستقبل مجهول يواجه آلاف المهندسين الأردنيين» صندوق تقاعد المهندسين الأردنيين كابوس مدخرات العمر المتبخرة

شهد صندوق تقاعد نقابة المهندسين الأردنيين تطورات مقلقة خلال الأعوام الماضية، فلطالما كان هذا الصندوق يمثل ضمانة مستقبلية لآلاف المهندسين، ثمرة عقود من العمل الجاد والاقتطاعات الشهرية التي استهدفت تأمين حياة كريمة بعد مسيرة مهنية حافلة بالعطاء، لكن الواقع الذي يواجهه المتقاعدون اليوم يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة الصندوق على الوفاء بالتزاماته، إذ يجد الكثير منهم أن رواتبهم التقاعدية لم تعد تُصرف كاملة، مما أحدث حالة من القلق والاضطراب بين قطاع واسع من المهندسين.

يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية معمقة للتقرير السنوي لنقابة المهندسين لعام 2024، لفهم الواقع المالي لصندوق التقاعد بدقة، وطرح تساؤلات مشروعة حول مستقبل مدخرات المتقاعدين، دون توجيه اتهامات، بل سعيًا لكشف الحقائق وتوضيح الأوضاع الراهنة بشفافية.

حجم الصندوق وعدد المشتركين

وفقاً للتقرير السنوي لنقابة المهندسين لعام 2024، يُصنف صندوق تقاعد المهندسين كواحد من أكبر الصناديق المهنية في الأردن من حيث عدد المنتسبين، فقد بلغ عدد المهندسين والمهندسات المسجلين في النقابة نحو 198,700 حتى نهاية العام، هذا الرقم الضخم يعكس القاعدة الواسعة للمشتركين في النظام التقاعدي، من الناحية النظرية، يفترض أن يشكل هذا العدد الكبير دعامة مالية قوية للصندوق، تضمن الاشتراكات السنوية والاستثمارات استدامة موارده وقدرته على توفير رواتب مستقرة، لكن الواقع المالي للصندوق، كما تظهره التقارير، يثير تساؤلات حول مدى كفاية هذه الموارد لمواجهة الالتزامات التقاعدية الحالية والمستقبلية.

على الرغم من اتساع قاعدة المشتركين، تكشف البيانات المالية عن تدهور مقلق في العجز المالي لصندوق تقاعد المهندسين، فقبل عقد من الزمان، أي في عام 2014، كان العجز السنوي أقل من مليون دينار، لكنه تصاعد تدريجياً، وفي محاولة لمعالجة هذا الخلل المالي، تم إقرار نظام معدّل للصندوق في عام 2024، مما ساهم في تقليص العجز، التفاصيل موضحة في الجدول التالي:

العامقيمة العجز السنوي (مليون دينار)
2014أقل من 1
2023أكثر من 44
2024حوالي 21.6

إلا أن هذا التراجع لا يعني نهاية الأزمة، بل يشير إلى أن المشكلة الهيكلية ما زالت قائمة وتتطلب حلولاً أكثر عمقاً، فاستمرار العجز، حتى مع انخفاض قيمته، يعني أن الصندوق لا يزال ينفق أكثر مما يجمعه من إيرادات، وهو مؤشر مالي لا يمكن التغاضي عنه.

انعكاسات الأزمة على المتقاعدين

لم تقتصر الأزمة المالية لصندوق تقاعد المهندسين على كونها أرقامًا مجردة في التقارير السنوية، بل امتدت لتؤثر بشكل مباشر على حياة المهندسين المتقاعدين، ومن أبرز هذه الانعكاسات التي أشار إليها العديد منهم:

  1. الصرف الجزئي للرواتب.

لجأت نقابة المهندسين خلال الفترة الماضية إلى صرف رواتب التقاعد بشكل جزئي، وقد أفاد متقاعدون أن ما يتم صرفه في بعض الأحيان لا يتجاوز ربع الراتب المستحق، وفي المقابل، تظهر القوائم المالية للصندوق توازنًا هشًا بين الإيرادات والمصروفات كما يوضح الجدول التالي:

البندالقيمة (مليون دينار) (2024)
التعويضات والمنافع التقاعدية المصروفة2.52
إيرادات الاشتراكات2.64

لكنها تثير تساؤلاً جوهريًا: إذا كانت الإيرادات قريبة من المصروفات، فلماذا لا تُصرف الرواتب كاملة للمتقاعدين؟.

 

  1. وقف الخدمات المساندة.

بالإضافة إلى الصرف الجزئي، يشير عدد من المتقاعدين إلى إيقاف النقابة لبعض الخدمات التي كانت تُقدم لهم سابقًا، مثل دفع فواتير الإنترنت والخطوط الخلوية، وتسديد الاشتراك السنوي عنهم، وعلى الرغم من أن هذه الخدمات قد تبدو بسيطة ظاهريًا، إلا أنها كانت جزءًا لا يتجزأ من منظومة الدعم التي اعتاد عليها المتقاعدون، ووقفها يضيف أعباء مالية جديدة على شريحة تعتمد بشكل كبير على دخل محدود.

أين ذهبت أموال المتقاعدين؟ (تحليل الأسباب)

للإجابة على هذا السؤال المحوري، ينبغي تحليل الصورة المالية لصندوق التقاعد من منظور أوسع، يشمل بنية التمويل، وسياسات الاستثمار المتبعة، والواقع الاقتصادي المحيط بمهنة الهندسة.

  1. ضعف العوائد الاستثمارية وتركيز المخاطر.

تشير المعطيات إلى استمرار الاعتماد الكبير للصندوق على الاشتراكات السنوية مقارنة بحجم العوائد الاستثمارية، ففي عام 2024، بلغت إيرادات الاشتراكات حوالي 2.64 مليون دينار، وهو ما يؤكد أهمية الاشتراكات كمصدر دخل رئيسي، لكن التحدي الحقيقي يكمن في ضرورة تنويع الاستثمارات، حيث تعتمد الصناديق التقاعدية الناجحة عادة على محفظة استثمارية متنوعة تشمل الأسهم، والسندات، والعقارات المدرة للدخل، وقد نوه نقيب المهندسين إلى أن بعض السياسات الاستثمارية السابقة اعتمدت على بيع أصول كالأراضي والعقارات، دون وجود خطة استثمارية متكاملة لإعادة توظيف هذه الأموال بطريقة تحقق عوائد مستدامة، مما أضعف قاعدة أصول الصندوق على المدى الطويل.

 

  1. تأثير البطالة بين المهندسين الشباب.

لا يمكن فصل أزمة الصندوق عن الواقع الاقتصادي لسوق العمل الهندسي في الأردن، فمعدلات البطالة بين المهندسين الشباب تُعد من الأعلى نسبيًا، حيث وصلت في بعض التقديرات إلى نحو 40% في عام 2022، هذه النسبة المرتفعة تعني أن عددًا كبيرًا من المهندسين الجدد قد لا يتمكن من دفع الاشتراكات بانتظام، أو قد يفقد الثقة بجدوى الاشتراك في نظام تقاعدي يواجه تحديات مالية، والنتيجة هي تراجع التدفقات المالية الجديدة إلى الصندوق، مما يضع ضغطًا إضافيًا على قدرته في تغطية التزاماته الحالية.

 

  1. فجوة اكتوارية بين الموجودات والمطلوبات.

تشير المؤشرات إلى وجود فجوة اكتوارية كبيرة بين موجودات الصندوق والالتزامات المستقبلية المترتبة عليه، بمعنى آخر، قد تكون قيمة الرواتب التقاعدية التي يجب دفعها خلال السنوات القادمة أكبر بكثير من قيمة الأصول المتوفرة حاليًا، هذا الاختلال يُعد من أخطر التحديات التي تواجه الصناديق التقاعدية، لأنه يتطلب حلولًا جذرية قد تشمل إعادة هيكلة شاملة للنظام التقاعدي أو تعديل معادلات التمويل بشكل جوهري.

هل هناك حلول مطروحة؟

تدرك نقابة المهندسين تمامًا حجم التحدي الذي يواجهه صندوق التقاعد، وقد باشرت بالفعل خلال السنوات الأخيرة باتخاذ خطوات جادة لمعالجة هذه الأزمة، ومن أبرز هذه الإجراءات:

  • تعديل نظام الصندوق في عام 2024، بهدف الحد من العجز المالي وتحسين التوازن النقدي.
  • دراسة فصل إدارة الصندوق عن إدارة الاستثمار، أسوة بما هو معمول به في مؤسسة الضمان الاجتماعي، وذلك لتعزيز الاحترافية والفاعلية في إدارة الاستثمارات.
  • تشكيل تسع مجموعات عمل متخصصة لدراسة واقع الصندوق بشكل شامل، وتقديم توصيات مالية واكتوارية تهدف إلى إعادة هيكلة النظام التقاعدي وضمان استدامته على المدى الطويل.

تعكس هذه الخطوات إدراكًا واضحًا لعمق المشكلة، إلا أنها تظل في نظر كثير من المهندسين مجرد بداية الطريق نحو معالجة أزمة معقدة تراكمت على مدار سنوات طويلة.

في الختام، يمثل صندوق تقاعد المهندسين أكثر من مجرد كيان مالي؛ إنه حصاد عمر لآلاف المهندسين الذين أفنوا سنوات طويلة في العمل، وساهموا باقتطاعاتهم الشهرية في بناء هذا الصندوق، أملًا في أن يكون سندًا لهم في مرحلة التقاعد.

اليوم، يواجه الكثير من هؤلاء المتقاعدين واقعًا مغايرًا: رواتب تُصرف جزئيًا، خدمات أساسية توقفت، وغموض يلف مستقبل الصندوق بشكل عام.

المقصد هنا ليس توجيه الاتهامات لأي طرف، بل هو طرح سؤال بسيط وشرعي يتردد على ألسنة المتقاعدين: ما هو الوضع الحقيقي لأموال صندوق التقاعد اليوم؟.

وإذا كانت هذه الأموال قد جُمعت من جيوب المهندسين على مدار عقود طويلة، فأين تكمن حقوق هؤلاء المتقاعدين الذين ينتظرون جني ثمار مسيرتهم المهنية؟.

إن الإجابة الصريحة والشفافة على هذا التساؤل ليست مجرد مطلب عادل للمتقاعدين، بل هي ضرورة حيوية لاستعادة ثقة مئات الآلاف من المهندسين بمؤسستهم النقابية وبمستقبل صندوقهم التقاعدي الذي يمثل جزءًا لا يتجزأ من أمانهم الاجتماعي.

* الكاتب باحث ومخطط استراتيجي