
قبل التعمق في استعراض الملاحظات الأولية حول «الأسباب الموجبة لمشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026»، لا بد من التسليم بأن قانون الضمان الاجتماعي يلامس جوهر حياة كل فرد وأسرة، فلا يكاد يخلو بيت من عامل، أو متقاعد، أو حتى عاطل عن العمل. لذا، من الطبيعي أن يثير هذا المشروع حوارات مستفيضة لن تتوقف حتى بعد إقراره، فالأمر يعود إلى أن كل مشترك حالي أو مستقبلي سيقيّم التعديلات المقترحة من منظور حالته الخاصة، فإذا وجدها في صالحه أيدها، وإن كانت عكس ذلك عارضها. من هذا المنطلق، أقدم الملاحظات التالية:
منهجية الحوار المستمرة حول تعديلات الضمان
لقد أحسنت الحكومة صنعًا بفتح أبواب الحوار على مصراعيها، ومواصلة نهجها التشاركي حول هذا القانون بالغ الحساسية، حيث بدأت الحوارات في المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ثم أعلنت الحكومة عن الأسباب الموجبة للتعديلات، وهي الآن بصدد إرسالها إلى ديوان التشريع والرأي الذي سينشرها على موقعه لاستقبال الملاحظات، ثم ستُحال التعديلات إلى مجلس النواب، فإلى لجنة العمل النيابية التي ستعقد بدورها حوارات مع الجهات المعنية، ثم تعود لمجلس النواب، ومنه إلى مجلس الأعيان ولجنة عمل الأعيان. هذا يعني أن مسيرة الحوار حول تعديلات «الضمان الاجتماعي» ستستمر وفقًا للقنوات التشريعية المعتمدة.
مواجهة التحدي الاكتواري واستدامة الضمان
يُحسب لهذه الحكومة شجاعتها في التعامل مع ملف صعب فضّلت حكومات سابقة تأجيله لقرابة عقد من الزمان، وقد أوصت خلال هذه الفترة نحو ثلاث دراسات اكتوارية بضرورة إجراء تعديلات وحلول لتفادي الوضع الراهن. تُظهر هذه الدراسات بصراحة أننا على بعد أربع سنوات فقط من نقطة التعادل الأولى (2030)، حيث ستتساوى قيمة ما يدفعه المشتركون مع قيمة ما يتقاضاه المتقاعدون، في حين ستكون نقطة التعادل الثانية عام 2038، والتي تستدعي الاستعانة بعوائد صندوق استثمار أموال الضمان لدفع مستحقات المتقاعدين. وقد جاءت التعديلات المقترحة لإزاحة نقاط التعادل هذه، كما يوضح الجدول التالي:
| نقطة التعادل | التقدير قبل التعديلات | التقدير بعد التعديلات المقترحة |
|---|---|---|
| الأولى (تساوي قيمة الدفعات مع المقبوضات) | 2030 | 2042 (+12 سنة) |
| الثانية (استعانة بعوائد صندوق الاستثمار) | 2038 | 2054 |
| الثالثة (سيناريو افتراضي) | غير محدد صراحة | 2066 |
التعديلات الصريحة: رفع سن التقاعد وتعزيز الاستدامة
تظهر التعديلات المقترحة، التي قد تبدو سلبية لفئة من المشتركين، أنها تضمنت تمديد سن تقاعد الشيخوخة، أو التقاعد الوجوبي بحسب التعديلات، بخمس سنوات ليصبح 65 عامًا للرجال و60 عامًا للنساء، كما تم حصر التقاعد المبكر بمجموع 360 اشتراكًا. تهدف هذه التعديلات، باختصار، إلى تعزيز استدامة الضمان الاجتماعي من خلال رفع سن التقاعد العادي والمبكر.
الآثار الإيجابية الكامنة للتعديلات المقترحة
في جوهرها الإيجابي، تعمل التعديلات المقترحة على تعزيز استدامة الضمان الذي سيدخل مرحلة الخطر بعد أربع سنوات فقط، وهي تمنح فرصة أكبر للعمل والحفاظ على الخبرات، وتقلّل تدريجياً من الاعتماد على التقاعد المبكر، وربما وصولاً إلى إلغائه، من خلال ترسيخ قاعدة “كلما خدمت أكثر، كلما حصلت على تقاعد أفضل”.
مكافحة التهرب التأميني وتوسيع قاعدة الشمول
بالإضافة إلى رفع سن التقاعد الوجوبي والمبكر، استهدفت التعديلات المقترحة محاربة التهرب التأميني، ووضع حوافز لتوسيع قاعدة الشمول التأميني، مما يعزز من قوة واستدامة النظام ككل.
التطبيق التدريجي لسن التقاعد الجديد
بحلول عام 2037، سيصبح سن التقاعد الوجوبي 65 عامًا للذكور و60 عامًا للإناث. هذا التحول سيتم نتيجة الرفع التدريجي لسن التقاعد بواقع ستة أشهر سنوياً، بدءاً من الأول من يناير 2028.
إنصاف أصحاب المعاشات المنخفضة بحد أدنى 200 دينار
من بين الإيجابيات البارزة لهذه التعديلات، تحقيقها للإنصاف لنحو 20 ألف مشترك من ذوي الرواتب التقاعدية المنخفضة، الذين يتقاضون أقل من 200 دينار شهرياً. حيث تقرّر التعديلات أنه لا يجوز أن يقل راتب أي متقاعد، سواء كان قديماً أو جديداً، عن 200 دينار شهرياً.
ضمانات ما بعد إقرار التعديلات لاستدامة الضمان
إن الحديث والحوارات حول التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي ستطول، ولكن التعديلات ذاتها بحاجة ماسة لضمانات بعد إقرارها، وذلك لضمان عدم تكرار موجات الإحالات على التقاعد المبكر في القطاع الحكومي، أو إنهاء الخدمات واسع النطاق في القطاع الخاص، لأن مثل هذه الأمور ستعود لتشكيل ضغط كبير على اكتواريات الضمان.
تحرير استثمارات الضمان الاجتماعي لزيادة العوائد
من الأهمية بمكان، ونحن نتحدث عن إعادة هيكلة مؤسسة الضمان لتحاكي نموذج «البنك المركزي»، أن نطلق يد استثمارات الضمان من أجل زيادة العائد عليها، وتحقيق الفرضيات التي قامت عليها الدراسة والتعديلات المقترحة لعوائد الاستثمار المتوقعة في السنوات القادمة، لضمان استدامة النظام المالي.
الموازنة بين إطالة عمر التقاعد وتوفير فرص عمل جديدة
من الضروري جداً الموازنة بين ما تسعى إليه التعديلات من إطالة عمر التقاعد الوجوبي، وما تسعى إليه «رؤى التحديث» الوطنية، التي تستهدف خلق المزيد من الوظائف للخريجين الجدد، لضمان النمو الاقتصادي والاجتماعي الشامل.
خلاصة القول: نعم، لقد آن الأوان لاتخاذ إجراءات تعزز من ديمومة الضمان الاجتماعي، وهذا لا يستوجب فقط إجراء تعديلات، بل لا بد من أن تتكيف جميع القوانين والتشريعات مع ما يحقق استدامة الضمان، ويعزز استثماراته، ولا يضعفها بأي شكل من الأشكال.
جميع الحقوق محفوظة.
لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.
