الأردن أزمة ثقة بالضمان الاجتماعي تهدد الاستدامة والعدالة

الأردن أزمة ثقة بالضمان الاجتماعي تهدد الاستدامة والعدالة

‎د.مارسيل جوينات 

أثار النقاش الدائر حول تعديل قانون الضمان الاجتماعي الأردني ضجة واسعة في الأوساط الشعبية، لا لكون البنود المقترحة حساسة فحسب، بل لأن الضمان الاجتماعي يُنظر إليه كآخر خط دفاع مالي واقتصادي للمواطن الأردني في ظل التحديات المعيشية المتزايدة. فالضمان ليس مجرد امتياز أو منحة، بل هو ثمرة سنوات من الاقتطاعات الشهرية المستمرة، والمخصصة لضمان شيخوخة كريمة وتوفير الحماية من مخاطر العجز والبطالة، إنه يمثل جوهر الشعور بالأمان المالي والاجتماعي مع التقدم في العمر، مما يجعل أي تعديل يمس هذه الحقوق مصدر قلق مباشر وعميق.

مبررات التعديلات الرسمية

تستند المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي والجهات الرسمية، في طرحها لهذه التعديلات، إلى مبررات رئيسية تتمحور حول ضرورة تحقيق الاستدامة المالية للنظام، بالإضافة إلى عوامل ديموغرافية واضحة كارتفاع متوسط العمر المتوقع، وزيادة أعداد المتقاعدين مبكرًا مقارنة بقاعدة المشتركين الفاعلين، ومن حيث المبدأ، يُعد أي نظام تأميني يعتمد على التكافل بحاجة ماسة لمراجعات دورية لضمان استقراره المالي، خصوصًا في ظل التحولات السكانية المستمرة.

تخوفات المواطنين بشأن التكلفة

لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في كيفية تطبيق هذه التعديلات وفي توزيع الأعباء الناتجة عنها، فكثير من المواطنين يشعرون أنهم وحدهم من يتحملون كلفة الإصلاح، وذلك في وقت يواجهون فيه بالفعل ضغوطًا اقتصادية ومعيشية شديدة تؤثر سلبًا على جودة حياتهم اليومية وعلى آمالهم في مستقبل أفضل وحياة كريمة، وهو ما ينعكس بدوره على النسيج المجتمعي بأكمله.

أسباب الرفض الشعبي للتعديلات

تتصاعد الاعتراضات الشعبية كون هذه التعديلات تبدو وكأنها تأتي على حساب المواطن مباشرة، خصوصًا فيما يتعلق بتأخير سن التقاعد أو فرض شروط أكثر صرامة على التقاعد المبكر، في المقابل، لا يبدو أن هناك إجراءات موازية وواضحة تهدف إلى تخفيف هذا العبء أو توزيع الكلفة بشكل أكثر عدالة بين صانعي القرار، أصحاب العمل، والمشتركين أنفسهم، وتتفاقم هذه المخاوف بشكل كبير في ظل الارتفاع المستمر لتكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، مما يجعل أي تعديل يمس بالضمان الاجتماعي يُعتبر تهديدًا مباشرًا للأمن الاقتصادي الشخصي والعائلي على المدى البعيد.

مطالبات بحوار وطني شفاف

لم يقتصر الرفض على الشارع فقط، فقد عبر مجلس النواب عن تحفظه على بعض البنود المقترحة، مؤكدًا أنها تمس بالحقوق المكتسبة للمواطنين، كما طالبت العديد من الأحزاب السياسية، مؤسسات المجتمع المدني، والحقوقيين بحوار وطني شامل وفعّال، مع ضرورة إشراك جميع الأطراف المعنية في مراجعة التعديلات قبل المصادقة عليها، وقد شددوا على أهمية عرض الدراسات الاكتوارية والمالية بشفافية تامة، لضمان أن يكون أي إصلاح مقترح عادلًا ولا يُثقل كاهل المواطن دون معالجة الأسباب الجذرية للاختلالات المالية في النظام.

رؤية للإصلاح العادل والمستدام

من منظور نقدي وبناء، يظل الإصلاح أمرًا حتميًا لضمان استدامة نظام الضمان الاجتماعي وحماية أموال المشتركين، ولكنه لن يكتب له النجاح إلا إذا توازنت أهدافه مع مبادئ العدالة الاجتماعية، كان بالإمكان أن تقترن هذه التعديلات بخطوات عملية ومكملة، مثل توسيع قاعدة الشمول لتضم العاملين في القطاع غير المنظم، وتحسين إدارة الاستثمارات لتعزيز عائداتها، وتقديم ضمانات واضحة وصريحة بعدم المساس بالحقوق المكتسبة للمواطنين، كما يجب أن تسود الشفافية التامة والمدعومة بالحقائق في كافة مراحل النقاش، وأن يُفتح باب الحوار البناء لخفض حدة التوتر المجتمعي وبناء جسور الثقة المستدامة.

أزمة ثقة ومستقبل الضمان الاجتماعي

إذًا، فالجدل المحتدم حول الضمان الاجتماعي يتجاوز كونه مجرد نقاش مالي أو قانوني، ليصبح أزمة ثقة عميقة بين الدولة والمواطن، تعكس مدى شعور الناس بالمشاركة في عملية صنع القرار، ومدى احترام حقوقهم المكتسبة، والإصلاح الناجح يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين استدامة النظام المالي، وحماية حقوق المشتركين، والأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للمواطن، ليظل الضمان الاجتماعي عقدًا اجتماعيًا راسخًا يجسد التزام الدولة بتوفير الأمان لمواطنيها في الحاضر والمستقبل.

ويطرح الكاتب تساؤلات جوهرية في الختام: ما هو الضمان للمواطن بأن هذه لن تكون آخر التعديلات بعد سنوات قليلة، في حال إقرار المقترحات الحالية؟ وهل ستتمكن المؤسسة من استعادة ثقة المواطنين مجددًا؟ وما هو ذنب المواطن في تحمل تبعات قرارات وسياسات أدت إلى ما تعانيه مؤسسات الضمان الاجتماعي حاليًا؟