الأوقاف تعلن تفاصيل خطبة الجمعة المقبلة بمساجدها

الأوقاف تعلن تفاصيل خطبة الجمعة المقبلة بمساجدها

أعلنت وزارة الأوقاف أن موضوع خطبة الجمعة القادمة سيكون تحت عنوان “تضحيات لا تُنسى”، بهدف تسليط الضوء على البطولات والتضحيات الجليلة التي تُبذل في سبيل الدفاع عن الوطن، وبنائه، ورفعته، كما خصصت الوزارة الخطبة الثانية لتناول فضل ليلة النصف من شعبان وأهميتها في الشريعة الإسلامية.

هدى السلف الصالح في اغتنام ليلة النصف من شعبان

أدرك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عظم هذه الليلة المباركة وقيمتها، فكانوا يخصصون أوقاتهم للعبادة فيها، فمن أقوال الصحابة رضوان الله عليهم التي توضح ذلك، ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: “يُعْجِبُنِي أَنْ يُفَرِّغَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فِي أَرْبَعِ لَيَالٍ: لَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَلَيْلَةِ الأَضْحَى، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ” [أورده الحافظ ابن الجوزي في “التبصرة” (٢/ ٢٠، ط. دار الكتب العلمية)].

كما ورد عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: “خَمْسُ لَيَالٍ لَا يُرَدُّ فِيهِنَّ الدُّعَاءُ: لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَأَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ” [أخرجه عبد الرزاق في “مصنفه” برقم (٨١٧٥)، والبيهقي في “شعب الإيمان” برقم (٣٧١٣) و”فضائل الأوقات” برقم (١٤٩)].

وعلى هذا النهج القويم سار التابعون ومن تبعهم بإحسان، موصين باغتنام هذه الليلة المباركة لما تحمله من إفراغ للرحمات، وضمان للدرجات، ومن جميل ما ورد عن التابعين ومَن جاء بعدهم، ما كتبه عمر بن عبد العزيز إلى عامله على البصرة عديِّ بن أَرْطَاة: “أَنْ عَلَيْكَ بِأَرْبَعِ لَيَالٍ مِنَ السَّنَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ يُفْرِغُ فِيهِنَّ الرَّحْمَةَ إِفْرَاغًا: أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَةِ الفِطْرِ، وَلَيْلَةِ الْأَضْحَى” [كما ذكره العلامة قوام السنة في “الترغيب والترهيب” (٢/ ٣٩٣، برقم (١٨٥١) ط. دار الحديث)، والحافظ ابن الجوزي في “لطائف المعارف” (ص٣٢٧) ط. دار بن خزيمة)].

جمالية الشعر في وصف ليلة النصف من شعبان

ويُعبر بعض الفضلاء عن عظمة هذه الليلة بكلمات بليغة، حيث يقولون:

  • فَقُمْ لَيْلَةَ النِّصْفِ الشَّرِيفِ مُصَلِّيًا… فَأَشْرَفُ هَذَا الشَّهْرِ لَيْلَةُ نِصْفِهِ.
  • فَكَمْ مِنْ فَتًى قَدْ بَاتَ فِي النِّصْفِ آمِنًا… وَقَدْ نُسِخَتْ فِيهِ صَحِيفَةُ حَتْفِهِ.
  • فَبَادِرْ بِفِعْلِ الْخَيْرِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ… وَحَاذِرْ هُجُومَ الْمَوْتِ فِيهِ بِصَرْفِهِ.
  • وَصُمْ يَوْمَهُ للهِ وَأَحْسِنْ رَجَاءَهُ… لِتَظْفَرَ عِنْدَ الْكَرْبِ مِنْهُ بِلُطْفِهِ.

[حسن البيان في ليلة النصف من شعبان للغماري ص ١٦].

التوارث الفقهي والعملي لإحياء ليلة النصف من شعبان

تواترت الروايات والأخبار عن السلف الصالح، وعن أهل الحواضر الإسلامية الكبرى كـمكة المكرمة وبلاد الشام، بشأن الاحتفاء بليلة النصف من شعبان وإحيائها، وقد أكد العلامة ابن الحاجّ المالكي هذا التوقير بقوله: “وكان السلف رضي الله عنهم يُعَظِّمونها -أي: ليلة النصف من شعبان-، ويُشَمِّرُون لها قبل إتيانها، فما تأتيهم إلا وَهُمْ متأهِّبون للقائها، والقيام بحرمتها على ما قد عُلِمَ من احترامهم للشعائر على ما تَقَدَّم ذِكْرُه؛ هذا هو التعظيم الشرعي لهذه الليلة” [المدخل (١/ ٢٩٩، ط. دار التراث)].

وبالنظر إلى اجتهاد أهل مكة المكرمة في هذه الليلة، فقد ذكر العلامة الفاكهي: “ذِكْرُ عمل أهل مكة ليلة النصف من شعبان واجتهادهم فيها لفضلها: وأهل مكة فيما مضى إلى اليوم؛ إذا كان ليلة النصف من شعبان خرج عامة الرجال والنساء إلى المسجد، فصلَّوا، وطافُوا، وأحيَوْا ليلتهم حتى الصباح بالقراءة في المسجد الحرام حتى يختموا القرآن كله، ويُصلُّوا، ومَن صلَّى منهم تلك الليلة مائة ركعةٍ يقرأ في كل ركعة بـ﴿ٱلۡحَمۡدُ﴾-أي: [الفاتحة: ١- ٧]-، و﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ -أي: [الإخلاص: ١- ٤]- عشر مرات، وأخذوا من ماء زمزم تلك الليلة، فشربوه، واغتسلوا به، وخبَّؤُوه عندهم للمرضى، يبتغون بذلك البركة في هذه الليلة، ويروى فيه أحاديث كثيرة” [أخبار مكة (٣/ ٦٤، ط. دار خضر)].

ولم يقتصر الأمر على مكة، فقد أشار الحافظ ابن رجب إلى حال أهل الشام، حيث قال: “وليلة النصف من شعبان: كان التابعون من أهل الشام؛ كخالد بن مَعْدَان، ومكحول، ولقمان بن عامر وغيرهم، يعظمونها، ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها” [لطائف المعارف (ص: ١٣٧، ط. دار ابن حزم)].

وقد تنوعت آراء العلماء حول كيفية اغتنام ليلة النصف من شعبان، فبين استحباب الإحياء الفردي، وبين كراهة الاجتماع، وتظهر هنا سعة الفقه الإسلامي، حيث أوضح الحافظ ابن رجب الحنبلي أن علماء أهل الشام اختلفوا في صفة إحيائها على قولين: أحدهما، استحباب إحيائها جماعة في المساجد، وقد لبس فيها خالد بن مَعْدَان ولقمان بن عامر وغيرهما أحسن ثيابهم، وتبخروا، واكتحلوا، وقاموا في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، قائلاً إن قيامها في المساجد جماعة “ليس ببدعة”، بينما ذهب القول الثاني إلى كراهة الاجتماع فيها في المساجد للصلاة، والقصص، والدعاء، مع عدم كراهة أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا هو قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم، والذي اعتبره ابن رجب “الأقرب إن شاء الله تعالى” [لطائف المعارف ص: ١٣٧-١٣٨].

وفي سياق فضل الدعاء في هذه الليلة، أكد الإمام الشافعي هذا المعنى بقوله المشهور: “بلغنا أنه كان يقال: إن الدعاء يستجاب في خمس ليالٍ: في ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان” [الأم ١/ ٢٦٤].

أما بخصوص مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فقد بيّن الحافظ ابن رجب أنه لا يعرف للإمام أحمد كلام صريح في ليلة النصف من شعبان، إلا أنه يمكن تخريج استحباب قيامها عنه بروايتين، على غرار الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد، ففي إحدى الروايات لم يستحب قيامها جماعة لعدم نقله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، بينما استحبها في رواية أخرى لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود وهو من التابعين، وبالمثل، لم يثبت في قيام ليلة النصف من شعبان شيء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أصحابه، بل ثبت عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام [لطائف المعارف ص: ١٣٧-١٣٨].

وقد مال إلى كراهة إحيائها في جماعة -بخلاف الأوزاعي- غالبيةُ العلماء من أهل الحجاز، ومنهم: عطاء، وابن أبي مليكة، وفقهاء أهل المدينة، وأصحاب الإمام مالك، وهو الرأي المنصوص عليه في معظم كتب المذاهب المتبوعة [انظر: إتحاف السادة المتقين ٣/ ٤٢٧، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٤٨-٤٩، وشرح الخرشي على مختصر خليل ٢/ ١٢، ونهاية المحتاج ٢/ ١٢٤، وكشاف القناع ١/ ٤٤٤].

ومع وجود هذا الخلاف حول الاجتماع في إحيائها، يظل أصل الإحياء الفردي لهذه الليلة مندوبًا ومستحبًا عند جمهور الفقهاء، فقد أورد العلامة ابن نجيم الحنفي قائلاً: “ومن المندوبات: إحياء ليالي العشر من رمضان، وليلتي العيدين، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان، كما وردت به الأحاديث… ويكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي في المساجد؛ قال في الحاوي القدسي: ولا يصلى تطوع بجماعة غير التراويح، وما روي من الصلوات في الأوقات الشريفة؛ كليلة القدر، وليلة النصف من شعبان… تصلى فرادى” [البحر الرائق ٢/ ٥٦-٥٧].

وفي مذهب الشافعية، ذكر العلامة القليوبي: “يُندَب إحياء ليلتي العيدين بذكر أو صلاة، وأولاها صلاة التسبيح… ومثلهما: ليلة نصف شعبان، وأول ليلة من رجب، وليلة الجمعة؛ لأنها مَحالُّ إجابة الدعاء” [حاشية القليوبي على شرح المحلي ١/ ٣١٠].

وقد نقل الإمام الزبيدي عن شيخ الإسلام تقي الدين السبكي قوله المأثور: “إن إحياء ليلة النصف من شعبان يكفر ذنوب السنة، وليلة الجمعة تكفر ذنوب الأسبوع، وليلة القدر تكفر ذنوب العمر كله” [إتحاف السادة المتقين ٣/ ٤٢٧].

وختامًا لهذا الاستعراض الفقهي، أكد الحنابلة مشروعية هذا الإحياء، كما ورد في “كشاف القناع”: “ولا يقومه كله -أي: الليل-، إلا ليلة عيد… وفي معناها: ليلة النصف من شعبان، كما ذكره ابن رجب في اللطائف” [كشاف القناع عن متن الإقناع ١/ ٤٣٧].

دعاء ليلة النصف من شعبان المأثور

لقد دأب العلماء والصالحون على الدعاء بصيغة مباركة في هذه الليلة الفضيلة، وهي: “اللَّهُمَّ يَا ذَا الْمَنِّ وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، يَا ذَا الطَّوْلِ وَالإِنْعَامِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ظَهْرَ اللَّاجِئِينَ، وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ، وَأَمَانَ الْخَائِفِينَ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا أَوْ مَحْرُومًا أَوْ مَطْرُودًا أَوْ مُقَتَّرًا عَلَيَّ فِي الرِّزْقِ، فَامْحُ اللَّهُمَّ بِفَضْلِكَ شَقَاوَتِي، وَحِرْمَانِي وَطَرْدِي، وَإِقْتَارَ رِزْقِي، وَأَثْبِتْنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ سَعِيدًا مَرْزُوقًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرَاتِ، فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ فِي كِتَابِكَ الْمُنَزَّلِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ الْمُرْسَلِ: ﴿یَمۡحُوا۟ ٱللَّهُ مَا یَشَاۤءُ وَیُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥۤ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾[الرعد: ٣٩]، إِلَهِي بِالتَّجَلِّي الْأَعْظَمِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ الْمُكَرَّمِ الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وَيُبْرَمُ أَنْ تَكْشِفَ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا نَعْلَمُ وَمَا لَا نَعْلَمُ وَمَا أَنْتَ بِهِ أَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ”.

في الختام، يُمكن القول بأن السلف الصالح وجمهور فقهاء المذاهب الأربعة قد أجمعوا على استحباب إحياء ليلة النصف من شعبان بالصلاة، والدعاء، والذكر، ورغم اختلافهم في تفضيل الإحياء الفردي على الجماعي، إلا أنهم أكدوا جميعاً أنها ليلةٌ مباركةٌ لإجابة الدعاء، ومغفرة الذنوب، وكشف البلاء، مما يحث المؤمن على اغتنامها بالتقرب إلى الله تعالى بكل ما هو خير وصالح.