البورصة السلعية درع حماية رئيسي في مواجهة مافيا السوق

البورصة السلعية درع حماية رئيسي في مواجهة مافيا السوق

نظام المزايدة الإلكترونية يكسر حلقات الاحتكار ويوفر أسعارًا عادلة لجميع السلع

في ظل القلق الذي يثيره غلاء الأسعار للمواطن المصري، وتزايد التحذيرات من ممارسات “مافيا” السلع، تظهر البورصة السلعية المصرية كحل فعال تسعى الدولة إلى استخدامه لضبط التجارة الداخلية، فهي ليست مجرد سوق لتداول الحبوب أو المعادن، بل منصة إلكترونية صممت لتكون الدرع الأول ضد الاحتكار، والميزان الذي يحدد القيمة العادلة للسلع بعيدًا عن الوسطاء والمضاربين، لذا كان الحوار مع الدكتور زكريا حمزة، الرئيس التنفيذي للبورصة السلعية المصرية حول كواليس العمل في هذه المؤسسة الحيوية، وكيف تخطط لمواجهة التحديات الحالية في مجال السلع الاستراتيجية، خاصة الدواجن والحبوب، وما هي الضمانات التي تكفل نزاهة التداول، وكيف يتم التنسيق مع الجهات الرقابية لضمان سيادة القانون وحماية حقوق صغار التجار والمنتجين في إطار منظومة احترافية تتماشى مع البورصات العالمية.

سألناه.. هل لنا أن نلقى الضوء على ماهية البورصة السلعية والدور المنوط بها في ضبط السوق وحركة الأسعار؟

إن البورصة السلعية المصرية تعد من الركائز الأساسية التي تعتمد عليها الدولة في المرحلة الحالية لإحداث تغييرات نوعية في هيكلة التجارة الداخلية، والسيطرة على فوضى الأسعار، التي تلقي بظلالها على الأسواق المحلية والعالمية نتيجة التوترات الجيوسياسية المتزايدة والاضطرابات في سلاسل الإمداد، وتعتبر هذه المنصة بمثابة سوق منظمة تتيح تداول السلع القابلة للتخزين عبر آليات العرض والطلب، مما يضمن العدالة لجميع الأفراد المعنيين، بدءًا من المنتج وحتى المستهلك النهائي، وتهدف البورصة إلى خلق حلقة وصل مباشرة تقضي على الوسطاء غير الضروريين الذين يرفعون التكلفة النهائية للسلع دون إضافة قيمة حقيقية، مما يساهم في خفض معدلات التضخم وتوفير السلع الاستراتيجية بأسعار عادلة تعكس القيمة الحقيقية للمنتج، بعيدًا عن التلاعبات والممارسات الاحتكارية التي يلتزم بها البعض لتحقيق مكاسب سريعة على حساب المواطن البسيط، وتأتي أهمية هذا الصرح الاقتصادي تماشيًا مع رؤية مصر 2030 التي تسعى لتحويل البلاد إلى مركز إقليمي ولوجستي لتجارة السلع في المنطقة، مستغلة موقع مصر الاستراتيجي وبنيتها التحتية المتطورة من صوامع ومخازن وموانئ مجهزة بشكل يناسب المعايير العالمية، فالبورصة السلعية ليست مجرد منصة إلكترونية للبيع والشراء، بل أداة رقابية أيضًا، تعكس حالة السوق اللحظية وتوفر قاعدة بيانات دقيقة لصانعي القرار حول حجم المخزون والاحتياجات الفعلية للسوق، مما يمكن الدولة من التدخل الاستباقي لمنع حدوث أزمات نقص.

أما الدور المنوط بها يتجاوز مجرد البيع والشراء؛ فهي لها عدة أهداف تؤدي إلى تقليل عدد حلقات التداول الوسيطة التي ترفع السعر النهائي على المستهلك بنسب تتراوح ما بين 30% إلى 50%، ومن خلال هذه المنصة، يتم القضاء على العشوائية في التسعير، حيث تخضع كافة التعاملات لقواعد العرض والطلب الحقيقي.

آليات العمل

ما آليات التداول في البورصة السلعية، وكيف يمكن لها السيطرة على الأسعار وكسر حلقات الاحتكار التي يمارسها البعض؟

إن آلية التداول تعتمد على نظام المزايدة الإلكترونية، حيث يتم طرح السلعة في جلسات تداول محددة، ويقوم المشتري بتقديم عروضه السعرية، والنظام الإلكتروني يقوم برسية المزاد على السعر الأعلى في حالة البيع أو الأقل في حالة الشراء، وذلك وفقًا للقواعد المتبعة، وهذه الآلية تكسر الاحتكار لأنها تتيح الفرصة لجميع التجار المسجلين المتوافقين مع الشروط للدخول في المزايدة، مما يمنع انفراد تاجر واحد أو مجموعة محددة بالسلعة وفرض أسعار معينة، كما أن الشفافية في إعلان نتائج الجلسات تجعل الجميع على دراية بالسعر الحقيقي، مما يقلص المساحة للمناورة أمام المتلاعبين في الأسواق الموازية.

وتعتمد البورصة آليات تداول إلكترونية متطورة، حيث يتم طرح كميات من السلع مثل القمح، السكر، أو الذرة من قبل جهات حكومية أو قطاع خاص، ويقوم المشترون المسجلون بتقديم عروضهم، وهذه الآلية تضمن العدالة السعرية؛ لأن السعر المعلن على شاشة البورصة يصبح هو السعر الاسترشادي للسوق بأسرها، وتأتي السيطرة على الأسعار من خلال الشفافية المطلقة، فالمحتكر لا يمكنه ممارسة ضغوطه عندما تكون الكميات والأسعار معلنة للجميع، وتعمل البورصة على تفتيت الكتل الاحتكارية من خلال السماح للصغار التجار بالدخول والشراء المباشر دون حاجة للوقوف في طوابير كبار الموزعين.

الرؤية السياسية والتحول اللوجيستي

ماذا عن توجيهات القيادة السياسية بتفعيل البورصة السلعية، وكيف يمكن لها أن تسهم في تحويل مصر لمركز لوجيستي لتجارة السلع الاستراتيجية؟

تأتي تحركات البورصة السلعية تنفيذاً لتوجيهات القيادة السياسية التي تدرك تمامًا أن الأمن الغذائي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، والهدف منها ليس فقط ضبط السوق المحلي، بل الاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر وبنيتها التحتية من صوامع ومناطق لوجستية لتحويلها إلى مركز إقليمي لتداول السلع، وتفعيل البورصة بقوة يسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية في قطاع التجارة، ويجعل من مصر نقطة ارتكاز لتوريد السلع للدول المجاورة، مما يعزز من قوة الجنيه ويوفر غطاءً سلعيًا مستدامًا يؤمن احتياجات المواطنين في السنوات القادمة، كما إن هناك دعمًا غير محدود من القيادة السياسية لدور البورصة السلعية باعتبارها القلب النابض لهذا التحول، فتنظيم عمليات تداول الحبوب والزيوت والسكر وغيرها، وجذب الشركات العالمية للتداول عبر منصتنا مستغلين المناطق اللوجيستية والصوامع الحديثة يمكننا أن نصبح البورصة المرجعية للمنطقة بالكامل، مما يعزز من قوة الاقتصاد المصري ويوفر العملة الصعبة، ويجعل من مصر محطة رئيسية في سلاسل التوريد العالمية.

مستقبل الدواجن

هل يمكن لهذه البورصة أن تحل محل بورصة الدواجن؟ وما آليات التنسيق بينهما؟

بالحديث عن الأزمات الراهنة، خاصة أزمة الدواجن، تمتلك البورصة السلعية القدرة الفنية لتكون البديل المتطور لـ “بورصة الدواجن التقليدية” التي قد تفتقر الآليات الرقابية، ويهدف التنسيق الجاري إلى إدراج مدخلات الإنتاج الداجني (كالذرة والصويا) ومن ثم الدواجن الحية والمجمدة على منصة البورصة السلعية، هذا التحول يضمن تسعيرًا يوميًا عادلاً للمربي والمستهلك مع القضاء على تدخلات سماسرة الدواجن الذين يتحكمون في الأسعار عبر مكالمات هاتفية بعيدة عن واقع التكلفة الفعلية.

لتوضيح ذلك، نحن لا نسعى لإلغاء الكيانات القائمة، بل لتنظيمها وتطويرها، وكانت بورصة الدواجن التقليدية تعاني من غياب الآليات التنفيذية والرقابية، وما نقوم به حاليا هو تنسيق رفيع المستوى لإدراج الدواجن ومنتجاتها ضمن تداولات البورصة السلعية الرسمية، ويهدف إلى أن تكون بورصة السلع هي المظلة القانونية والإلكترونية التي يتم من خلالها إعلان السعر الحقيقي للدواجن بناءً على تكلفة العلف الفعلية وحجم المعروض، وليس بناءً على اتصالات هاتفية بين كبار السماسرة، نحن نوفر الآلية التكنولوجية والرقابة لضمان وصول الدعم والأسعار العادلة لصغار المربين الذين يمثلون الشريحة الأكبر في هذا القطاع.

العضوية والتكويد

ما شروط الانضمام والتداول في بورصة السلع الاستراتيجية؟

إن الانضمام للبورصة ليس مقتصرًا على فئة معينة، لكنه يخضع لشروط بسيطة ولكن صارمة لضمان جدية المتداولين، حيث يجب أن يكون لدى العضو التاجر أو البائع شركة مسجلة تجارياً، وتمتلك بطاقة ضريبية وسجلًا تجاريًا ساريًا، بالإضافة إلى عضوية في الغرفة التجارية المختصة، كما يشترط أن يكون لديه سيرة ذاتية طيبة في السوق ويمتلك ملاءة مالية محددة تضمن له تنفيذ الصفقات وتقديم ضمانات بنكية في بعض الحالات، وبعد استيفاء الأوراق يتم تكويد العميل على المنصة ومنحه صلاحيات الدخول للجلسات مع الالتزام بكافة القواعد المنظمة لعمليات الترسية والسداد والتسلم لضمان انضباط السوق، وهذه القيود تهدف لمنع تسلل “تجار الشنطة” أو المضاربين الذين يهدفون لرفع الأسعار دون ممارسة نشاط تجاري حقيقي.

علاقة البورصة بالجهات الرقابية

الرقابة والحوكمة ضد الاحتكار

هل تخضع البورصة السلعية لرقابة هيئة سوق المال؟ وما ضمانات عدم احتكار المافيا لعمليات التداول؟

تخضع البورصة السلعية لرقابة وإشراف جهات متعددة تضمن النزاهة، وهي تابعة وتعمل تحت مظلة وزارة التموين والتجارة الداخلية، وبالتنسيق مع كافة الجهات المعنية كهيئة الرقابة المالية فيما يتعلق بالجوانب التنظيمية المشابهة لأسواق المال، وهناك رقابة صارمة على كل عملية تداول تتم، والضمانة الأساسية ضد “المافيا” تكمن في تنوع قاعدة المتداولين ووضع حدود قصوى للكميات التي يمكن لطرف واحد شراؤها في الجلسة الواحدة لضمان عدالة التوزيع، كما أن الرقابة التموينية وجهاز حماية المنافسة يتابعان بدقة أي مؤشرات على ممارسات احتكارية، ويتم استبعاد أي طرف يثبت تلاعبه فورًا من المنصة، بل وملاحقته قانونيًا.

وضمانات عدم الاحتكار تكمن في سقف التداول وقواعد الإفصاح، حيث يمنع أي طرف من الاستحواذ على كميات تفوق احتياجه الفعلي أو تؤثر بشكل فج على اتجاه السعر، كما أن الرقابة الإلكترونية اللحظية ترصد أي تحركات مشبوهة أو اتفاقات مسبقة بين المتداولين، ويتم إلغاء العمليات فورًا واتخاذ إجراءات قانونية رادعة ضد المخالفين.

هيكلة الإدارة والحوكمة

هل يدخل بعض كبار التجار ضمن مجلس إدارة البورصة السلعية؟ وما آليات عدم تضارب المصالح بين عضوية المجلس والتعامل في السوق؟

يتمتع مجلس الإدارة بتشكيل رفيع المستوى يضم نخبة من الخبراء والممثلين عن الجهات الحكومية والسيادية والرقابية المعنية، وفي مقدمتها وزارة التموين وجهاز تنمية التجارة الداخلية، والبورصة المصرية، بالإضافة إلى ممثلي البنوك والاتحادات والغرف التجارية والصناعية، وذلك باعتبارهم أصحاب الخبرة الفنية في طبيعة السلع المتداولة، ورغم حساسية ملف تشكيل المجلس نظرًا لوجود بعض كبار التجار والمهنيين، فإن المنظومة تدار وفق مواثيق شرف وقواعد حوكمة قانونية صارمة صممت خصيصًا لمنع تضارب المصالح، حيث يحظر تمامًا على أي عضو يمارس نشاطًا تجاريًا التدخل في المسائل الفنية المتعلقة بجلسات التداول، أو تسعير وتوجيه الصفقات، أو تحديد أسعار الترسية التي تخص نشاطه الخاص، وما يعزز من شفافية هذا الكيان هو الاعتماد على منظومة إلكترونية بالكامل تلغي أي مجال للتدخل البشري في اتخاذ القرارات، بفضل التمثيل القوي للخبراء المستقلين والجهات الرقابية، مما يضمن أن تظل بوصلة القرارات دائمًا في اتجاه مصلحة الدولة والمواطن وتحقيق توازن السوق، بعيدًا عن حيازات أي فئة تجارية بعينها.

الواقع والتحديات

في ضوء أزمة أسعار الدواجن.. أين دور البورصة السلعية في ضبط حركة السوق والأسعار؟

دخلت البورصة السلعية على خط المواجهة كحائط صد أول ضد الأزمات السلعية في مصر، حيث بدأت بالفعل في طرح المكونات الأساسية للأعلاف مثل الذرة الصفراء والردة، لتوفير بدائل منخفضة التكلفة للمربين بعيدًا عن استغلال بعض المستوردين، ويهدف هذا التحرك إلى خفض تكلفة التربية بشكل ملموس، مما ينعكس إيجابًا على سعر المنتج النهائي من الدواجن للمستهلك، مع العمل حاليًا على التوسع في طرح المزيد من السلع الخلفية لضمان استقرار هذا القطاع الحيوي ومنع أي قفزات سعرية غير مبررة.

وعلى الرغم من كون البورصة أداة تنظيمية وليست عقابية، فإن نجاحها يرتبط طرديًا بحجم الكميات المطروحة عبرها، لذا يبرز الدور المحوري الذي تسعى المنصة لاستعادته من خلال إلزام كبار المستوردين والمنتجين بطرح نسبة من إنتاجهم عبر المنظومة الإلكترونية، إن ضبط حركة السوق يتطلب تحويل سعر البورصة إلى السعر الفائض والموجه للسوق، وهو ما لن يتحقق إلا بزيادة عدد السلع المدرجة وتوسيع قاعدة المتعاملين، مما ينتقل بالبورصة من منصة اختيارية إلى ركيزة أساسية في منظومة التجارة المصرية، بما يضمن عدم قدرة أي “مافيا” على التلاعب بقوت المصريين.